مع تصاعد العقوبات ضد روسيا.. كيف تواجه الدول العربية الأزمة؟
اتخذت دول عدة حول العالم تتقدمها الولايات المتحدة، العديد من العقوبات ضد روسيا، ويأتي ذلك في الوقت الذي قررت فيه روسيا شن هجوم عسكري على أوكرانيا؛ كوسيلة لحسم نزاعها مع القوى الغربية.

وقررت الولايات المتحدة وبريطانيا حظر النفط والغاز الروسي في رد على الغزو الروسي لأوكرانيا، كما تعهد الاتحاد الأوروبي بإنهاء اعتماده على صادرات الغاز من روسيا بحلول عام 2030.
ومثّلت هذه القرارات تصعيدًا للعقوبات التي كانت القوى الغربية قد فرضتها بالفعل على موسكو منذ بدء الغزو الروسي لأوكرانيا.
وتشمل هذه العقوبات ضد روسيا قطاعات متنوعة سياسية، واقتصادية، وثقافية، وإعلامية؛ بل وحتى رياضية، في محاولة لفرض «نوع من العزلة» على روسيا؛ لمعاقبتها على قرارها بشن عمليات عسكرية ضد أوكرانيا.
وتمثلت هذه العقوبات ضد روسيا فيما يلي؛ العقوبات على «البنك المركزي الروسي»، وهي الأولى من نوعها التي يتم فرضها على بنك مركزي في إحدى دول مجموعة العشرين.
كذلك، تضمنت العقوبات ضد روسيا، منع موسكو من استخدام «نظام سويفت» لتحويل الأموال، فضلًا عن تجميد أصول البنوك الروسية في بعض الدول، وتعليق تراخيص التصدير للسلع التي يمكن استخدامها في أغراض مدنية وعسكرية، ووقف تصدير السلع ذات التقنية العالية، ومعدات تكرير النفط، ووضع حد أقصى للمبالغ المالية التي يمكن للروس إيداعها في البنوك.
وتقرر، أيضًا، منع رحلات الطيران التابعة لشركات روسية من التحليق فوق الأجواء الأوروبية أو الهبوط في مطارات دول الاتحاد، وتجميد الأصول الروسية سواء كانت لأفراد أو شركات، واستهداف 70 % من الأسواق المالية الروسية والشركات الكبرى المملوكة للدولة بما فيها الشركات المملوكة لوزارة الدفاع.
من جهتها، جمّدت ألمانيا منح تصاريح لخط (نورد ستريم2) الروسي المخصص لتصدير الغاز إلى أوروبا.
وتعهد الرئيس الأمريكي جو بايدن، علاوة على كل ما سبق، بأن «بلاده، وبالتعاون مع حلفائها، سيمنعون ما يزيد على نصف الواردات الروسية، من السلع ذات التقنية العالية، التي تستخدم في الصناعات العسكرية».
اقرأ أيضًا: بسبب الحرب الروسية الأوكرانية|النفط يدفع العرب إلى إسراع الخطى نحو الطاقة المتجددة
الغاز الروسي وبدائله
تعتبر روسيا ثالث أكبر منتج للنفط على مستوى العالم بعد الولايات المتحدة والسعودية، كما أن أكثر من نصف الصادرات الروسية من النفط يذهب إلى أوروبا قبل فرض العقوبات الحالية ضد روسيا.
وتمثّل صادرات النفط الروسية 8.00% من الطلب على النفط في المملكة المتحدة و3.00% من الطلب الأمريكي. ومثّل الغاز الطبيعي الروسي، خلال عام 2019، 41% من إجمالي الواردات الأوروبية من الغاز الطبيعي.
وتتعرض إيطاليا وألمانيا على وجه التحديد، حال وقف إمدادات الغاز الروسي إلى أوروبا، لخطر العجز الصارخ في الغاز الطبيعي؛ لأنهما تستوردان الجزء الأكبر من الغاز الروسي الذي يصدر إلى المنطقة الأوروبية.
وتعتمد المملكة المتحدة، في المقابل، على الغاز الروسي في توفير 5.00% فقط من احتياجاتها، في حين، لا تستورد الولايات المتحدة الغاز الروسي.
وتضخ روسيا الغاز الطبيعي إلى أوروبا عبر عدد كبير من خطوط الأنابيب، ويتم تجميع الغاز في مراكز تخزين إقليمية ثم يُوزع عبر القارة الأوروبية.
وأعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، عقب الإعلان عن عقوبات اقتصادية أوروبية على موسكو، أنه على الدول “غير الصديقة” أن تسدد مقابل الغاز بالعملة الروسية.
وقطعت الشركة الروسية العملاقة للغاز (غازبروم)، إمدادات الغاز الطبيعي الروسي عن بولندا وبلغاريا، مؤكدة أنها لن تستأنف ضخ الغاز إلا بعد سداد تلك الدول مقابل ما تحصل عليه بالروبل الروسي.
ووصفت المفوضية الأوروبية قرار روسيا بالسداد مقابل الغاز بالروبل بأنه ابتزاز. وهناك دول أوروبية أخرى تقترب من مواجهة نفس المشكلة عندما يحين وقت السداد.
ولا يعني هذا أن العالم مشرف على نهايته نظرًا لتوقف إمدادات الغاز الروسي؛ فهذا بين ماكوليامز؛ محلل أسواق النفطـ، يقول: “توفير بديل لإمدادات النفط الروسية قد يكون أسهل من توفير بدائل للغاز الروسي”، مشيرًا إلى أنه في حين أن جزءًا من الواردات الأوروبية من النفط يأتي من روسيا، فإن هناك شحنات تأتي من دول أخرى.
وأطلقت بعض الدول، من بينها دول أعضاء في الوكالة الدولية للطاقة، حوالي 120 مليون برميل من احتياطياتها الاستراتيجية من النفط، وهو ما يشير إلى عملية الإطلاق الأكبر حجمًا على الإطلاق في تاريخ تلك الدول من احتياطيات النفط الاستراتيجية الخاصة بها.
ووجّه الرئيس الأمريكي جو بايدن، بإطلاق كميات كبيرة من الاحتياطيات الاستراتيجية للنفط؛ في إطار مساعي لخفض أسعار النفط العالمية التي تستمر في الارتفاع في الفترة الأخيرة.
وتسعى الولايات المتحدة إلى إقناع السعودية بزيادة معدل إنتاجها من النفط، علاوة على دراسة واشنطن لإمكانية رفع العقوبات المفروضة على النفط في فنزويلا؛ من أجل تعويض المعروض الذي قد يتراجع بفعل غياب الإنتاج الروسي.
ويعتقد باحثون ومحللون، أنه من المستبعَد أن يقطع بوتين صادرات الغاز عن أوروبا؛ لأن ذلك يعني أن روسيا تتخلى عن قسط كبير العائدات التي تحصّلها نظير بيع الطاقة للاتحاد الأوروبي، التي تقدَّر بنحو 700 مليون يورو (771 مليون دولار) يوميًا من بيع الطاقة للاتحاد الأوروبي؛ وهي الأموال التي تعوِّل عليها روسيا حاليًا في الإنفاق على جيشها.
ولا تملك روسيا، في الوقت الراهن، تعويض خسائرها بأن توجِّه صادراتها من الغاز إلى دول تتخذ مواقف أقلَّ عداءً تجاهها؛ لأن ذلك سيتطلب إنشاء بنى تحتية جديدة، وهو الأمر الذي يتعذَّر إنجازه بسرعة.
وقد تتحول أوروبا إلى منتج آخر للغاز مثل قطر، أو الجزائر، أو نيجيريا، لكن هناك عقبات عملية قد تواجه التوسع السريع في الإنتاج.
وأكد بعض الباحثين، في تصريحات أدلوا بها لدورية Nature، أن الدول الأوروبية قادرة على أن تجتاز الشتاء المقبل دون حاجة إلى واردات الطاقة الروسية، وبلا انقطاع في الكهرباء.
وسيتطلب هذا، حسب هؤلاء الباحثين، إجراءات عاجلة على أكثر من صعيد جبهة، منها تعزيز التعاون الدولي، بما يقود إلى زيادة واردات الغاز الطبيعي من دول أخرى، وإطلاق عددٍ من مشروعات الطاقة النظيفة، واستحداث إجراءات للحفاظ على الطاقة، ورفع كفاءة استخدامها، وقد يكون من هذه الإجراءات أيضًا تدشين برامج لترشيد استخدام الطاقة.
وإذا كان الهدف العاجل هو توفير ما يكفي من الطاقة للاستخدامات اليومية، فإن الهدف طويل المدى ينبغي أن يكون التخلي عن الوقود الكربوني نهائيًا؛ إذ من شأن ذلك أن يتيح لأوروبا التخلُّص من اعتمادها على روسيا من جهة، وتحقيق أهدافها المناخية من جهةٍ أخرى.
وسيتطلب تحقيق هذا الهدف الاستعاضة عن الوقود الأحفوري، الذي يغذي منظومات توليد الكهرباء الوطنية وفي المقاطعات، بالطاقة المتجددة. كما أن ذلك يتطلَّب إطلاق السيارات التي تُسَيّر بالكهرباء، والهيدروجين المستخلص من مصادر متجددة، وكذلك إعادة تجهيز المنازل والمتاجر، لتستخدم طاقة أقل، وتنتج طاقة أكثر.
اقرأ أيضًا: الحرب الروسية الأوكرانية| أوكرانيا تطلب 50 مليون دولار لسد عجز الميزانية
جهود الدول لتوفير مزيج الطاقة
سيبقى النفط مصدرًا أساسيًا للطاقة، ورغم التطور المطرد في صناعة الطاقة المتجددة الذي انعكس إيجابًا على كفاءتها وتكلفتها وبالتالي الطلب عليها، إلا أن مستقبل الطاقة وأمن الطاقة العالمي لا يمكن بأي حال من الأحوال أن يعتمد على مصدر واحد.
وتعتبر العلاقة بين مصادر الطاقة علاقة تكاملية، حين ننظر لها بصورة شمولية، وهذا لا يلغي أن هناك تنافسًا طبيعيًا بين منتجيها.
ويعد مزيج الطاقة، أي المزج بين الطاقة المتجددة وغير المتجددة، أحدث وأنجع الاستراتيجيات في هذا المجال، ويستعرض «الاقتصاد اليوم» فيما يلي، بعضًا من واقع وجهود الدول العربية في توفير مزيج الطاقة، وذلك على النحو التالي..
-
العراق
يمتلك العراق الكثير من مصادر الطاقة، وتتوفر لديه الفرص لتنوع مصادر الطاقة ومزجها بالشكل الأمثل، الذي يسهم في تحقيق الفائدة القصوى للبلد.
ويحتل العراق المرتبة الثالث عشر عالميًا والرابعة عربيًا في احتياطي الغاز الطبيعي في عام 2016، عندما بلغ 3،819.9 مليار متر مكعب، إلا إنه لم يستثمره بالشكل الأمثل، سواء من حيث تقليص الهدر أو من حيث المزج مع النفط.
يعتمد العراق كذلك بنسبة معينة على الطاقة المستمدة من المياه كنتيجة لتوفر الشلالات والمساقط المائية والسدود، إلا أنه لم يلب الحاجة المحلية من الطاقة حتى الآن، وهذه الحاجة تعد بمثابة إحدى فرص التنوع.
ويمكن اللجوء إلى الطاقة الشمسية بشكل حقيقي، التي لم تستخدم إلا بشكل بسيط جدًا، ولم يترك هذا الاستخدام أثرًا واضحًا في مزيج الطاقة المحلي، مع العلم أن العراق تتوفر فيه الأشعة الشمسية بشكل مركز ولمدة طويلة، وتمثل أحد العناصر الرئيسية المكونة للطاقة، فضلًا عن طاقة الرياح والنفايات والكتل الحيوية؛ حيث لم يستخدم أيًا منها مع توفرها.
-
مصر
تهدف استراتيجية الطاقة المتجددة في مصر، إلى الوصول إلى نحو 42% من إجمالي الكهرباء المنتجة من مصادر متجددة بحلول عام 2035، استكمالًا للطفرة الهائلة التي شهدها القطاع خلال عام 2021، حسبما رصدته وحدة أبحاث الطاقة.
وصرح محمد شاكر؛ وزير الكهرباء والطاقة المتجددة، بأنه من المتوقع أن تصل القدرات المركبة من الطاقات المتجددة إلى نحو 10 آلاف ميغاواط بنهاية عام 2023.
وأضاف، في تصريحات سابقة، أنه جرى إعداد استراتيجية وطنية للهيدروجين الأخضر؛ لإدخاله ضمن مزيج الطاقة المصري، وتوقيع مذكرة تفاهم لوضع أسس إنتاج الهيدروجين الأخضر بالتعاون مع شركة سيمنس العالمية، بجانب توقيع اتفاقية مع بلجيكا في هذا المجال.
وأشار إلى تخصيص أكثر من 7 آلاف و650 كيلومترًا مربعًا من الأراضي غير المستغلة لمشروعات الطاقة الجديدة والمتجددة.
-
السعودية
وضعت رؤية السعودية 2030، أهدافًا مبدئية، تصل إلى مستوى 50 % من الطاقة المتجددة في عام 2030، ما يجعل تنويع مزيج الطاقة خيارًا ضروريًا للبلاد.
وقال الدكتور حسام قاسم؛ رئيس «المركز الوطني للطاقة المتجددة» بمدينة الملك عبد العزيز للعلوم والتقنية، في تصريحات صحفية: إن المملكة تخطط إلى أن تستثمر ما يُقدَّر بـ50 مليار دولار في مجال الطاقة المتجددة، خلال الخمسة أعوام المقبلة، إلى 2023؛ حيث إنه من المؤمل أن يحقق ذلك الاستثمار هدف 28 غيغاواط من السعة المتجددة المنفذة، الذي سيرتفع إلى 59 غيغاواط في عام 2030.
وأضاف أن «تنويع مزيج الطاقة أمر حيوي وضروري إذا ما وضعنا بالاعتبار نسبة نمو الاستهلاك للطاقة في العقد الأخير؛ حيث ارتفع بنسبة 60%»، متوقعًا أن يتزايد ارتفاع الاستهلاك من 63 غيغاواط في 2019 إلى 120 غيغاواط في عام 2030.
وتولي المملكة في استراتيجية مزيج الطاقة اهتمامًا واضحًا؛ حيث تم إنشاء محطة سكاكا، شمال المملكة، للطاقة الشمسية بسعة 300 ميغاواط وتوصيلها بالشبكة الكهربائية في العام الماضي، كما أن مشاريع أخرى في مراحل تنفيذ مختلفة يصل مجموع سعتها إلى 3 غيغاواط منتشرة في أنحاء المملكة».
-
الإمارات
تستهدف استراتيجية الإمارات للطاقة 2050، مزيجًا من الطاقة المتجددة والنووية والأحفورية النظيفة؛ لضمان تحقيق توازن بين الاحتياجات الاقتصادية والأهداف البيئية؛ ويتضمن خليط الطاقة حسب الاستراتيجية كل من الفحم النظيف والغاز والطاقة النووية والطاقة الشمسية وطاقة الرياح والوقود الحيوي على الشكل التالي؛
- 44% من الطاقة النظيفة.
- 38 % من الغاز.
- 12 % من الفحم النظيف.
- 6 % من الطاقة النووية.
وستستثمر الدولة 600 مليار درهم حتى عام 2050؛ لضمان تلبية الطلب على الطاقة، واستدامة النمو في اقتصاد دولة الإمارات.
-
قطر
حلت دولة قطر في المرتبة الأولى عربيًا، (53 عالميًا) ضمن تقرير تعزيز التحول الفعال في مجال الطاقة 2021، والذي أصدره المنتدى الاقتصادي العالمي، تلتها على المستوى العربي دولة الإمارات (64 عالميًا)، ثم المغرب (66 عالميًا).
وتعمل قطر على وضع أهداف طموحة للمساهمة في قطاع الطاقة المتجددة بمزيج الطاقة، كما استطاعت أن تحجز مقعدها في صناعة الطاقة المتجددة المتمثل في الطاقة الشمسية التي تعتبر من أهم الموارد التي تملكها قطر في هذا القطاع. ومن المتوقع أن تدخل الطاقة الشمسية في السوق القطري بشكل ملحوظ خلال السنوات المقبلة بسبب الطلب الكبير على الكهرباء وتوجه الشركات نحو الطاقة المتجدة والنظيفة كمصادر بديلة وصديقة للبيئة.
اقرأ أيضًا:
الحرب الروسية الأوكرانية تهز العالم|تداعيات اقتصادية سلبية على الدول العربية
بلومبيرج: أشهر مليارديرات روسيا يخسرون ثرواتها بسبب الحرب الروسية الأوكرانية
الحرب الروسية الأوكرانية| أمريكا تفرض عقوبات على ذهب البنك المركزي الروسي
الحرب الروسية الأوكرانية واقتصاد الدول العربية.. التداعيات خارج القارة
التحول الأخضر في الوطن العربي|ضرورة أججتها الحرب الروسية الأوكرانية


التعليقات مغلقة.