منصة إعلامية عربية متخصصة فاعلة في مجال الاقتصاد بروافده المتعددة؛ بهدف نشر الثقافة الاقتصادية، وتقديم المعلومات والمصادر المعرفية السليمة التي تسهم في نشر الوعي الاقتصادي، ومساعدة أصحاب القرار في اتخاذ القرارات الصائبة التي تقود الاقتصاد نحو تنمية فاعلة ومستدامة.

الدور الحاسم للقدرات القيادية في المرحلة المقبلة من رؤية السعودية 2030

انتقلت رؤية السعودية 2030 من الطموح إلى مرحلة الإنجاز الفعلي؛ فالاقتصاد السعودي يواصل مسيرة التنويع بثبات، والقطاع الخاص يشهد توسعًا متسارعًا، فيما تنضم الكفاءات السعودية الشابة إلى سوق العمل بوتيرة غير مسبوقة.

وبناءً على ذلك، يبرز اليوم سؤال جوهري حول كيفية تحويل المؤسسات هذا الزخم الوطني إلى قدرات قيادية تضمن استدامة التقدم. وتعزز الإمكانات التنظيمية، وترسخ القوة المؤسسية لما بعد عام 2030.

وتعكس مؤشرات سوق العمل حجم هذا التحول بوضوح؛ فقد تحققت بالفعل 92% من مستهدفات استراتيجية سوق العمل السعودية. وانخفض معدل البطالة بين السعوديين إلى 6.8%، وهو أدنى مستوى يُسجل على الإطلاق.

كما ارتفعت مشاركة المرأة في القوى العاملة من 17% عند إطلاق الرؤية في عام 2016 إلى أكثر من 36% اليوم، متجاوزةً المستهدف الأصلي قبل موعده بسنوات. ولا تمثل هذه النتائج مجرد مكاسب تدريجية، بل تعكس واحداً من أسرع التحولات الاقتصادية والاجتماعية التي شهدها العالم خلال عقد واحد.

أما التحدي القادم، فهو الحفاظ على هذا التقدم من خلال إعداد قادة قادرين على تحويل التحول الوطني إلى قدرة مؤسسية راسخة ومستدامة.

القدرات البشرية أساسُ المرحلة المقبلة

يتطلب الحفاظ على الزخم الاقتصادي الذي أطلقته رؤية السعودية 2030 جيلًا جديدًا من القادة، لا يكتفي باستيعاب حجم الإنجازات المتحققة. بل يمتلك أيضًا المرونة والقدرة على التعامل مع تعقيدات المرحلة المقبلة. فالمشاريع العملاقة، وتنامي حضور القطاع الخاص، والتوسع في تمكين الكفاءات الوطنية، جميعها عوامل مهمة تفرض متطلبات قيادية أكبر عبر مختلف المؤسسات والقطاعات والأجيال.

ويظهر هذا التوجه بوضوح في المشهد الوطني؛ إذ يتربع برنامج تنمية القدرات البشرية في صميم رؤية المملكة 2030، انطلاقًا من إدراك أن رأس المال والسياسات الواضحة لا يكفيان وحدهما لتحقيق التحول المنشود، فالكفاءات القيادية هي العامل الحاسم في تحديد مدى نجاح هذا التحول واستدامته.

القدرات القيادية

ويكمن الجانب الإيجابي في توافر قاعدة واسعة من القادة المستقبليين. فمنذ عام 2020، انضم أكثر من مليوني مواطن سعودي إلى القوى العاملة في القطاع الخاص؛ ما وفر أرضية خصبة لإعداد القيادات.

وما تحتاجه هذه الكفاءات اليوم هو فرص التطوير، والأدوات المناسبة، والتعليم التنفيذي العالمي الذي يمكنها من إطلاق كامل إمكاناتها.

وفي هذا السياق، تؤدي كلية لندن للأعمال دورًا فاعلًا في تطوير القيادات. فقد ارتفعت نسبة مشاركة السعوديين في برامج التعليم التنفيذي المفتوحة في الكلية خلال الأعوام الأكاديمية الثلاثة الماضية بنسبة 82%.

كما زاد تفاعل الشركات السعودية مع برامجها بنسبة 88%، واتجهت مؤسسات رائدة إلى الاستثمار في تطوير كوادرها من خلال الكلية. انطلاقًا من قناعتها بأن بناء القيادات يمثل أولوية إستراتيجية مستمرة.

وتؤكد هذه المعطيات حقيقة واضحة، وهي أن المؤسسات التي ستقود المرحلة المقبلة من رؤية السعودية 2030 هي تلك التي تستثمر في كوادرها البشرية حاليًا.

ويتخذ هذا الاستثمار صورًا متعددة؛ فقد صممت برامج مثل قيادة فرق العمل للقيادات الواعدة – السعودية وقيادة المستوى التالي لتلبية احتياجات هذه المرحلة.

ويهدف البرنامج الأول إلى تزويد القيادات الصاعدة بالمهارات اللازمة لإدارة الأداء. واتخاذ القرارات في بيئات العمل عالية الضغوط. بينما يركز البرنامج الثاني على إعداد كبار القادة التنفيذيين لقيادة المؤسسات في مراحل التوسع والنمو وما يصاحبها من تعقيدات متزايدة.

تمكين المرأة

وفي مسار تمكين المرأة، تبرز أهمية الاستثمار المتواصل في تطوير القيادات. فرغم الارتفاع الكبير في معدلات المشاركة النسائية في سوق العمل، فإن مؤشرات الترقي المهني تكشف تحولًا أكثر عمقًا. إذ ارتفعت نسبة النساء في المناصب الإدارية العليا والمتوسطة من 28.6% في عام 2017 إلى 43.8% في عام 2024.

ويعد هذا التحول إنجازًا مهمًا، لكنه يؤكد أيضًا أن دمج الكفاءات في سوق العمل يمثل الخطوة الأولى فقط. بينما يكمن التحدي الحقيقي في تهيئة المسارات التي تمكنها من الوصول إلى المناصب القيادية، وهو ما يتطلب استثمارًا منظمًا في تطوير القيادات.

ولهذا تقدم كلية لندن للأعمال برنامج المرأة في القيادة، الذي يهدف إلى تزويد القيادات النسائية عالية الكفاءة بالثقة والمهارات والرؤية الاستراتيجية اللازمة للوصول إلى المناصب التنفيذية العليا وعضوية مجالس الإدارات.

منظور عالمي

يفرض الاقتصاد العالمي المترابط الحاجة إلى قادة يمتلكون منظورًا عالميًا. وقد نجحت رؤية السعودية 2030 في دمج الاقتصاد السعودي بصورة أعمق في أسواق رأس المال العالمية، وسلاسل التوريد. كذلك تدفقات الاستثمار. الأمر الذي يجعل تطوير القيادات ضرورة تستند إلى أسس علمية وتفاعل مستمر مع أحدث الممارسات والأفكار في عالم الأعمال. من خلال مؤسسات تجمعها بالمملكة شراكات طويلة الأمد، لا علاقات مؤقتة.

ومن هذا المنطلق، افتتحت كلية لندن للأعمال، بصفتها أحد أكبر مزودي برامج التعليم التنفيذي للمؤسسات السعودية، مكتبًا دائمًا لها في الرياض، ووضعت هدفًا لتطوير المهارات القيادية لأكثر من 10,000 سعودي. وبناء شراكات مع 100 مؤسسة بحلول عام 2030.

ويعكس هذا التوجه قناعة مشتركة لدى الكلية وشركائها بأن تطوير القيادات استثمار استراتيجي متواصل في القدرات المؤسسية والوطنية، وليس تكلفة تشغيلية.

ومع دخول رؤية السعودية 2030 مرحلةً جديدة، تصبح التحديات القيادية أكثر تعقيداً، لتشمل العمل على استدامة الإنجازات المحققة. وتعزيز القدرة المؤسسية، وتهيئة الشركات السعودية للعمل بكفاءة ضمن منظومة اقتصادية تزداد ارتباطاً بالأسواق العالمية.

رؤية السعودية 2030

ولهذا، يتعين على المؤسسات أن تتعامل مع تطوير القيادات باعتباره جزءًا رئيسًا من بنيتها المؤسسية. سواء عبر تأهيل الكفاءات الواعدة، أو تطوير القيادات التنفيذية، أو دعم وصول المرأة إلى مواقع صنع القرار. بما يعزز قدرة هذه المؤسسات على الحفاظ على زخم التقدم في مرحلة ما بعد عام 2030. فالمرحلة المقبلة من رؤية السعودية 2030 لن يحسمها الطموح وحده. بل ستكون مرهونةً بقدرة الكفاءات القيادية على تحويل هذا الطموح إلى إنجاز مستدام.

بقلم: روجر عطية

مدير شؤون العملاء، كلية لندن للأعمال، المملكة العربية السعودية

الرابط المختصر :
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.