كيف تصبح المنشآت الصغيرة شريكًا كاملًا في صناعة المستقبل بالسعودية؟
على مدار السنوات العشر الماضية، وبالتزامن مع إطلاق رؤية 2030، أصبحت المنشآت الصغيرة والمتوسطة أحد المحاور الرئيسة في الخطاب الاقتصادي السعودي؛ إذ وضعت الرؤية هدفًا طموحًا، يتمثل في رفع مساهمة هذا القطاع في الناتج المحلي الإجمالي، وتعزيز دوره في توفير الوظائف، وتنويع الاقتصاد، بعيدًا عن الاعتماد التقليدي على النفط.
وشهدت المملكة بالفعل تطورات كبيرة، سواء من خلال إنشاء الهيئة العامة للمنشآت الصغيرة والمتوسطة “منشآت” والبنك التابع لها، أو إطلاق برامج تمويل وحاضنات أعمال ومسرّعات نمو، أو توفير بيئة تشريعية أكثر دعمًا لريادة الأعمال.
ورغم هذا التقدم الواضح يبقى السؤال: هل تنمو المنشآت الصغيرة والمتوسطة بنفس سرعة نمو الاقتصاد السعودي الجديد؟ وهل تسهم بالشكل الكافي في ظل الطفرة التي تشهدها قطاعات السياحة والضيافة والترفيه والصناعات المحلية؟
توسع بيئة ريادة الأعمال في المملكة
لا شك في أن المملكة حققت إنجازات كبيرة في بناء بيئة ريادية متقدمة، وارتفع عدد المنشآت الصغيرة والمتوسطة فيها من أقل من 500 ألف منشأة قبل رؤية 2030 إلى ما يزيد على 1.3 مليون منشأة بنهاية 2023، ثم تجاوز 1.6 مليون عام 2024، كما ارتفعت مساهمة المنشآت الصغيرة والمتوسطة في الناتج المحلي الإجمالي السعودي من 20 % عام 2016 عند إطلاق رؤية 2030 إلى نحو 30 % عام 2025، وهو تقدم ملحوظ يؤكد نجاح الإصلاحات التنظيمية والتمويلية وتوسع بيئة ريادة الأعمال في المملكة، فيما ارتفع عدد المنشآت الصغيرة والمتوسطة.
تطوير بيئة ريادية للمشروعات الصغيرة
وذلك يعكس نجاح المملكة في تطوير بيئة ريادية للمشروعات الصغيرة والشركات الناشئة، وتخطي المستوى الأول لمنظومات ريادة الأعمال التي تركز على انتشار المشاريع الصغيرة الفردية، ومعالجة تحديات ضعف التمويل، ومحدودية الأنشطة الاقتصادية الخاصة وتساهم في توفير فرص العمل الأساسية وتقليل البطالة.
كذلك تم إطلاق بعض المبادرات التطويرية لبيئة المشروعات الصغيرة حتى باتت “بيئة ريادية نامية”، خاصة برامج الدعم الحكومية، وحاضنات الأعمال، وتحسين التشريعات؛ ما عزز مساهمة المشروعات الصغيرة والمتوسطة في الناتج المحلي.
لكن بيئة ريادة الأعمال والمشروعات الصغيرة في المملكة أمامها خطوات للوصول إلى الهدف الإستراتيجي المتمثل في رفع مساهمة القطاع إلى 35 % من الناتج المحلي بحلول عام 2030، وتحقيق مساهمة واضحة في الصادرات السعودية؛ فمساهمة هذا القطاع في الصادرات غير النفطية تبلغ نحو 13 % حاليًا، في حين تستهدف المملكة رفعها إلى نحو 25 % بحلول عام 2030.
أهمية القطاعات الجديدة
وتبرز هنا أهمية القطاعات الجديدة التي يتم تطويرها ضمن الرؤية، خاصة السياحة والضيافة والصناعات الغذائية والحرفية والإبداعية، باعتبارها قطاعات قادرة على توليد آلاف المنشآت الصغيرة ذات التوجه التصديري والخدمي.
وهذا يحتم انتقال بيئة الأعمال في المملكة إلى مرحلة البيئة الريادية المتقدمة، والتي تركز على توافر التمويل الاستثماري، وتدعم روابط البحث العلمي والجامعات بالقطاع وتطلق برامج لنمو الشركات الناشئة، وتوليد فرص عمل نوعية وزيادة الصادرات.
الصناعة التحويلية
وإذا كانت الصناعة التحويلية هي المحرك التقليدي للمشروعات الصغيرة في دول مثل: ألمانيا وتركيا، فإن السياحة والضيافة قد تصبحان المحرك السعودي المكافئ خلال العقد القادم؛ فالمملكة تستهدف استقبال أكثر من 150 مليون زيارة سنويًا بحلول عام 2030، وتستثمر مئات المليارات في تطوير وجهات سياحية عالمية جديدة.
القيمة المضافة للمشآت الصغيرة
والقيمة الاقتصادية الحقيقية لهذه الاستثمارات لن تُقاس بعدد الفنادق أو الغرف أو المنتجعات فقط، بل بعدد المنشآت الصغيرة السعودية التي تُنشأ حولها، والقيمة المضافة التي تساهم بها في الاقتصاد الوطني؛ فكل غرفة فندقية جديدة تولّد طلبًا على الأغذية المحلية، والنقل، والخدمات الرقمية، والصناعات الحرفية، والتجارب الثقافية، والتسويق، والصيانة، والخدمات اللوجستية، كما أن كل سائح إضافي يمثل فرصة جديدة لمنشأة صغيرة أو مشروع ناشئ.
ولذلك فإن نجاح رؤية 2030 لا يكمن فقط في بناء وجهات سياحية عالمية، وإنما أيضًا في تحويل هذه الوجهات إلى منظومات اقتصادية متكاملة تستفيد منها آلاف المنشآت الصغيرة السعودية في مختلف المناطق.
استثمارات ضخمة من البحر الأحمر إلى العلا
وتشهد المملكة اليوم استثمارات ضخمة في مشروعات سياحية وترفيهية وتنموية غير مسبوقة، من البحر الأحمر إلى العلا، ومن نيوم إلى منطقة عسير والوجهات السياحية الجديدة المنتشرة في مختلف المناطق. والسؤال الجوهري هو: إلى أي مدى أصبحت المنشآت الصغيرة السعودية جزءًا من هذه المنظومة الاقتصادية الجديدة؟ وهل نجحت في الاندماج داخل سلاسل القيمة الخاصة بالسياحة والضيافة والخدمات المرتبطة بها؟
تثبت التجارب الدولية أن النجاح الحقيقي للمشروعات الوطنية الكبرى لا يُقاس فقط بحجم الاستثمارات، بل بقدرتها على توفير فرص اقتصادية للمنشآت المحلية الصغيرة والمتوسطة وربطها بالاقتصاد الجديد؛ فكوريا الجنوبية -على سبيل المثال- لم تبنِ اقتصادها الحديث على الشركات العملاقة فقط، بل أيضًا على شبكة واسعة من المورّدين والشركات التقنية الصغيرة التي دعمت الصناعات الكبرى في الإلكترونيات والسيارات والتكنولوجيا، كما ركزت السياسات الحكومية على البحث والتطوير والابتكار وربط الجامعات بالشركات الناشئة.
واليوم أصبحت الشركات الصغيرة والمتوسطة لاعبًا رئيسًا في الصادرات التقنية الكورية والاقتصاد الرقمي العالمي.
أربع فرص رئيسة
ومن خلال متابعتي للتجربة السعودية يمكن رصد أربع فرص رئيسة تستحق المزيد من الاهتمام:
أولًا: فرص الانتقال من التمويل إلى النمو
نجحت المملكة في توفير أدوات تمويل متنوعة للمنشآت الصغيرة والمتوسطة، لكن التمويل وحده لا يصنع شركات ناجحة؛ فالتحدي الأكبر يتمثل في مساعدة هذه المنشآت على التوسع والدخول إلى الأسواق الجديدة ورفع إنتاجيتها وقدرتها التنافسي وتوفير العمالة الماهرة المؤهلة.
وكثير من المنشآت الصغيرة في قطاعات الضيافة والسياحة والخدمات المحلية لا تحتاج فقط إلى القروض، بل تتطلب أيضًا الاستشارات الفنية، والتدريب الإداري، والتسويق، وربطها بالفرص الاستثمارية الكبرى التي تولّدها المشاريع الوطنية العملاقة.
والأهم أن تكون مصدرًا لتوفير الوظائف للمواطنين ولا يكون التوسع فيها على حسابهم؛ فالأجنبي المؤهل هو الاختيار الأمثل للشركات، ولكن الانتقال بالشاب السعودي إلى أن يكون هو الاختيار الأمثل مسؤولية منظومة الدعم. ومملكة البحرين لديها نموذج ناجح في تطوير السياحة يمكن الاستفادة منه.
ثانيًا: فرص الاندماج في سلاسل القيمة السياحية
تستهدف المملكة استقبال عشرات الملايين من الزوار سنويًا، وتبني واحدة من أسرع الصناعات السياحية نموًا في العالم، لكن تحقيق الأثر الاقتصادي الكامل لهذه الطفرة يتطلب مشاركة واسعة للمنشآت الصغيرة السعودية.
والنجاح لا يعتمد فقط على بناء الفنادق والمنتجعات، بل أيضًا بإنشاء شبكة واسعة من الموردين المحليين الذين يقدمون المنتجات الغذائية والحرف اليدوية والخدمات اللوجستية والتقنيات الرقمية والتجارب السياحية والثقافية كما هو الحال في العديد من الوجهات العالمية الناجحة؛ مثل: إسبانيا وفرنسا وإيطاليا وتركيا، والتي تشكّل المنشآت الصغيرة فيها العمود الفقري للاقتصاد السياحي، بينما لا تزال أمام السعودية فرصة كبيرة لتعميق هذا الارتباط وتحويل المنشآت المحلية إلى جزء أساس من سلسلة القيمة السياحية.
ثالثًا: فرص توسع الصناعات الصغيرة المحلية قطاعيًا
تمتلك المملكة فرصًا واعدة في الصناعات الصغيرة المرتبطة بالأغذية والمشروبات والمنتجات التراثية والحرف التقليدية والصناعات الخفيفة، لكن العديد من هذه الأنشطة محدود النطاق ويواجه تحديات تتعلق بالتسويق والتوسع والوصول إلى الأسواق الكبرى.
في المقابل نجحت دول؛ مثل: فرنسا وإيطاليا، في بناء اقتصاد صناعي قائم على آلاف الشركات الصغيرة المتخصصة التي تعمل ضمن عناقيد صناعية متكاملة وتصدّر منتجاتها إلى العالم.
على سبيل المثال: تُعد مدينة ليموج الفرنسية بلا منازع عاصمة فنون الخزف في العالم؛ حيث تضم منظومتها الخزفية أكثر من 137 شركة صغيرة ومتوسطة الحجم، إضافة إلى العديد من الحرفيين المتخصصين في الخزف الفاخر والخزف الملون.
ويدعم هذا النشاط الحيوي “عناقيد تجمع الخزف”، وهو التجمع الفرنسي الوحيد المخصص لهذا القطاع. وقد عملتُ شخصيًا في غرفة صناعة وتجارة المدينة ومارستُ مهمة تقديم الدعم الفني لهذه الشركات الصغيرة، خاصة في مجالات فتح الأسواق الخارجية.
وأرى أن المملكة تمتلك من المقومات والمنتجات التراثية ما يمكن أن يحقق لها نموذجًا مشابهًا، لا سيما في ظل تنامي الطلب السياحي والاهتمام المتزايد بالمنتجات المحلية والهوية الثقافية السعودية.
رابعًا: فرص التنافسية الرقمية والتصديرية
يشهد العالم تحوّلًا جذريًا نحو الاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي، وانتقلت المنافسة من ساحة جودة المنتج إلى ساحة القدرة على الوصول للعملاء وفهم الأسواق والأذواق وإدارة العمليات رقميًا.
ورغم التقدم الكبير الذي حققته المملكة في التحوّل الرقمي فإن هناك منشآت صغيرة لا تزال بحاجة إلى دعم أكبر في مجالات التجارة والتسويق الرقمي والذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني. وهذه مشكلة عالمية تعامل معها الاتحاد الأوروبي بإطلاق مبادرة (Omnibus)، التي نجحت في خفض الأعباء الإدارية بنسبة تصل إلى 35 % للمشروعات الصغيرة؛ من خلال التبسيط والتسهيل.
بنية تحتية عالمية المستوى
لقد نجحت المملكة في بناء بنية تحتية عالمية المستوى، وجذب استثمارات ضخمة، وإطلاق قطاعات اقتصادية جديدة، وبيئة ريادية متميزة؛ لذا تتطلب المرحلة القادمة التركيز على بناء “اقتصاد المورّدين المحليين” و”اقتصاد المنشآت الصغيرة عالية النمو”، والاستثمار بالتوازي في المشروعات والقوى البشرية السعودية في هذه المشروعات.
وحينها تصبح المنشآت السعودية شريكًا كاملًا في صناعة المستقبل، وليست مجرد مستفيد غير مباشر من التحوّل الاقتصادي، كما تصبح قادرة على تحويل رؤية 2030 إلى قيمة اقتصادية مستدامة يشعر بها المواطن والمستثمر والمجتمع على حد سواء.
د.عاطف الشبراوي
أستاذ ريادة الأعمال والابتكار بالجامعة اليابانية المصرية للعلوم والتكنولوجيا