نظرية البجعة السوداء شاهد على الأحداث

0

 في ظل حالة عدم اليقين التي نعيشها هذه الأيام؛ حيث عالم مليء بمتناقضات وغرائب تفرض علامات استفهام حول البحث عن حلول لها؛ فكل ما يدور حولنا من أحداث يتطلب الفهم الدقيق، وإيجاد طرق صحيحة، واستخدام منهج التحليل والأدوات المناسبة والتفكير؛ باستخدام نظريات نصل من خلالها إلى الحقائق، ونفهم بها طبيعة ونوع الأحداث.

مقالات متعلقة:
صحف خضراء قابلة للزراعة
الاستثمار المستدام.. ومستقبل ريادة الأعمال 
السعودية تتصدر الاقتصاديات العشرة الأكثر إصلاحًا
البجعة السوداء

في الماضي، كان الاعتقاد السائد لدى الناس في معظم أنحاء العالم، أن كل طيور البجع بيضاء اللون؛ كحقيقة علمية؛ إذ كانت كل الأدلة الواقعية تؤكد ذلك، إلى أن ظهرت أول بجعة سوداء، عندما اكتشف الهولنديون قارة استراليا في القرن السابع عشر؛ الأمر الذي كان مدهشًا لعلماء الطيور.

مايهمنا من هذه القصة، أن معارف الإنسان محدودة وضيقة بالرغم من تحصيل هذه المعارف عن طريق الملاحظة والتجريب، إلا أنه ظهور بجعة واحدة سوداء كان كفيلًا بهدم مصداقية مفهوم شائع لدى الناس من مشاهدة ملايين البجع الأبيض على مدى قرون؛ لذلك بات مصطلح البجعة السوداء يعبر عن إمكانية تحقق المستحيل.

 

إنَّ البجعة السوداء حدثٌ لا يمكن التنبؤ به، وغير متوقع إلى حد كبير، وتتميز أحداث البجعة السوداء بندرتها الشديدة، كما أن تأثيرها في المجتمعات أو الاقتصاد يكون قويًا جدًا، وبالرغم من وضوحها إلا أن إدراكها يتم اكتشافه متأخرًا، وقد تتسبب أحداثها في أضرار كارثية على الاقتصاد؛ لعدم التنبؤ بها؛ وبالتالي عدم الاستعداد لها، إلا من خلال بناء نظام اقتصادي قوي قادر على امتصاص الصدمات بسهولة.

 

يتعرض العالم لأحداث عديدة، بعضها مفاجئ والبعض الآخر صعب التنبؤ به، سواء على المستوى الاقتصادي أو السياسي أو العسكري، ويظل العالم يُعاني من تأثيرها طويلًا؛ ما يُعيد إلى الأذهان نظرية البجعة السوداء “Black Swan Theory” لصاحبها “نسيم نيكولا طالب” وهو كاتب أمريكي من أصل لبناني، نشر نظريته في كتاب بعنوان “البجعة السوداء” في فبراير عام 2007، وهو المجلد الذي تُرجم إلى 31 لغة تقريبًا، وحظيَ بمبيعات تبلغ ملايين النسخ.

 

نظرية البجعة السوداء هي حدث نادر وغير متوقع له تداعيات ضخمة، يصعب أو يستحيل التنبؤ به؛ وبالتالي يستحيل التخفيف من أثره، ولكن في وقت لاحق، يبدو الحدث واضحًادون مفر من حدوثه، فيما يُطلق عليه “أحداث البجعة السوداء”، التي عادة ما تكون غير محتملة إلى حد كبير، ويصعب التنبؤ بنتائجها.

 

يطرح نسيم في كتابه، فكرة أن معرفتنا بالأشياء محدودة جدًا؛ لأنها في الغالب نابعة من دراسة وملاحظة الأحداث التي وقعت في الماضي، ولكن بمجرد أن تطرأ حالة واحدة غير معروفة من قبل، فإن نظام التفكير بأكمله يتهاوى بمعتقداته وافتراضاته،فبمجرد مشاهدة واحدة لبجعة سوداء تطيح بمصداقية مفهوم شاع لسنوات طويلة لملايين من البجع الأبيض، وما يترتب عن ذلك من نتائج وخيمة على الحياة وكذلك على المجتمع والاقتصاد؛هكذا تقوم نظرية “نسيم طالب” الذي عمل لمدة 21 عامًا في “وول ستريت”.

 

يبين”نسيم” في كتابه “نظرية البجعة السوداء”، وجود3 معايير رئيسة تساهم في تحديد حدث البجعة السوداء؛ وهي:

– مفاجيء وغير متوقع.

– تأثيره كبير وضخم، ويمكن أن يكون كارثيًا.

– بعد وقوعه يظن الأفراد أنه يمكن التنبؤ به، ويحاولون إيجاد تفسير منطقي له، وإدراجه ضمن الأمور التي كان يمكن التنبؤ بها.

وغالبًا ما يفشل الاعتماد على الأدوات القياسية الخاصة بالتنبؤ، خاصةً أمام أحد أحداث البجعة السوداء، ويمكن أيضًا التعرض لخطر أكبر؛ نتيجة الاعتماد على أدوات التنبؤ القياسية التي تقدم أمانًا زائفًا أو التعريف بمخاطر لن تقع الآن، أو التقليل من أهمية مخاطر أو استبعاد حدوثها.

ويُعدُ الجانب الرئيس في البجعة السوداء، أنه حدث مهم تاريخيًا، يحرص المراقبون على تفسيره بعد وقوع الحقيقة والتكهن بكيفية توقعه، ومع ذلك، فإن مثل هذه التكهنات بأثر رجعي لا تساعد على أرض الواقع بشيء.

 

كيف إذًا، يمكن استغلال نظرية البجعة السوداء في القرارات الاقتصادية أو الاستثمارية؟

هناك عدة طرق تمكننا من الاستفادة من أحداث البجعة السوداء، ومنع معاناة البشر من حدوث خسائر كارثية عند وقوعها؛ من خلال الآتي:

– بالفهم الجيد لآليات السوق وقبل حدوث البجعة السوداء، يتم تفادي عنصر المفاجأة؛ وبالتالي التحكم في رد الفعل، وحينها يتم التفكير بعقلانية، واتخاذ القرار بهدوء.

 

– أثناء الأزمات، يكون هناك فرص يجب اقتناصها، فإذا حدث شئ غير متوقع؛ فسيؤدي بالتبعية إلى حدوث انهيار في سوق المال، وخسائر كبيرة في سوق الأسهم؛ وبالتالي يكون هذا هو وقت الاستثمار المناسب للأفراد أو الشركات لشرائهم الأسهم في هذا التوقيت بسعر منخفض، ثم بعد فترة وجيزة يتعافى سوق الأسهم، فيمكن بعدها بيع الأسهم التي جرى شراؤها بسعر منخفض، بسعر مرتفع؛ لانتعاش السوق مرة أخرى بعد تخطي حادث البجعة السوداء.

 

– هناك سياسة اقتصادية هامة يجب تبنيها عند الاستثمار؛ وهي “سياسة التنويع”؛ أي عدم وضع كل رأس المال في مشروع واحد، عملًابالمثل الشائع” لا تضع البيض كله في سلة واحدة”، فعند حدوث أزمة مفاجئة، فإن التنويع في الاستثمارات يحد ويخفف من أثر وتبعات تلك الأزمة.

شواهد وأمثلة

عند تأمل التاريخ نجده حافلًا بالأحداث التي لا يمكن مجرد التفكير في حدوثها أو مجرد التفكير في إمكانية حدوثها، بالرغم من وجود شواهد تنذر بإمكانية الحدوث، نذكر منها:

– الحرب العالمية الأولى: بدأت بمقتل ولي عهد النمسا في عام 1914 على يد مجموعة من القتلة، وبعد عملية القتل لم يكن هناك رد فعل قوي من الشعب النمساوي؛ حتى ظن الناس أن عملية القتل ستمر دون رد فعل، إلى أن تطور الأمر باندلاع الحرب العالمية الأولى «فمعظم النار من مستصغر الشرر».

 

– الاثنين الأسود: يرتبط هذا الاسم بالانهيار المفاجئ والحاد للأسواق المالية العالمية يوم الاثنين 19 أكتوبر 1987، ويسمى في نيوزيلندا وأستراليا بالثلاثاء الأسود نظرًا لفرق التوقيت، حيث تعرض أكبر 23 سوقًا ماليًا بالعالم لانخفاضات حادة جدًا؛ فهبطت 8 أسواق بين 20 % و30%، و3 أسواق بين 30 % و40%، و3 أسواق بأكثر من 40%، فقرر البنك الفيدرالي الأمريكي والبنك المركزي الياباني، والألماني ضخ سيولة ضخمة جدًا في مخاطرة نوعية كبيرة؛ منعًا لحدوث شلل في الأسواق العالمية.

 

– تفكك الاتحاد السوفيتي في 26 ديسمبر 1991: كان الانهيار الاقتصادي أحد أكبر مشاكله الاتحاد السوفيتي بعد تفككه؛ لأن الاقتصاد فيه هذه كان مركزيًا، بعكس اقتصادات السوق في معظم الدول الأخرى.

 

– في عام 2001: هناك مثالان لأحداث البجعة السوداء:الأول فقاعة الإنترنت؛ إذ كانت أمريكا تتمتع بنمو اقتصادي سريع وزيادات في الثروة قبل انهيار الاقتصاد بشكل كارثي؛ فكانت الإنترنت في بدايتها من حيث الاستخدام التجاري، وكانت صناديق الاستثمار تستثمر في شركات التكنولوجيا، ولكن دون جاذبية في السوق، عندما انسحبت هذه الشركات، وتضررت الأموال، وتم تمرير خطر الهبوط للمستثمرين، وكانت الحدود الرقمية جديدة وقتها ويكاد يكون من المستحيل التنبؤ بالانهيار.

 

المثال الثاني كان هجمات 11 سبتمبر على برجي مركز التجارة العالمي؛ ما ألقى بظلاله على الاقتصاد العالمي، فكان من الممكن التنبؤ به لقيام أسامة بن لادن بتأسيس تنظيم القاعدة قبلها بـ13 عامًا، وقيل أن شركات الطيران والمطارات كانت في حالة تأهب وكان هناك تحذيرات من وكالات المخابرات المركزية الأمريكية من أن بن لادن عازم على ضرب الولايات المتحدة الأمريكية.

 

– الأزمة المالية العالمية: انفجرت في سبتمبر 2008 وكانت الأسوأ منذ أزمة الكساد الكبير 1929 التي بدأت من الولايات المتحدة الأمريكية، ثم امتدت إلى دول العالم التي يرتبط اقتصادها بأمريكا؛ حيث انهار في الولايات المتحدة الأمريكية 19 بنكًا، وكان سبب الأزمة الرئيس هو الرهن العقاري.

 

– انسحاب بريطانيا من الاتحاد الأوروبي: وذلك في 23 يونيو 2016 عندما صوَّت 51.9% لصالح الانسحاب؛ ليتم الخروج في 1 فبراير 2020 بعد 47 عامًا من عضويتها في الاتحاد الأوروبي.

 

فيروس كورونا للوهلة الأولى كان بجعة سوداء، فوفقًا لصندوق النقد الدولي،أصبح الاقتصاد العالمي في مستهل عام 2022 في وضع أضعف مما ورد في التوقعات السابقة؛ فمع انتشار سلالة “أوميكرون” الجديدة المتحورة من فيروس كوفيد-19، عادت البلدان إلى فرض قيود على الحركة، وأدى تصاعد أسعار الطاقة والانقطاعات في سلاسل الإمداد إلى ارتفاع التضخم واتساع نطاقه عن المستويات المنتظرة، ولا سيما في الولايات المتحدة وكثير من اقتصادات الأسواق الصاعدة والاقتصادات النامية، وباتت آفاق النمو محدودة أيضًا في الصين جرَّاء انكماش قطاع العقارات وبطء تعافي الاستهلاك الخاص مقارنة بالتوقعات؛ لذلك قد يمثل الفيروس بجعة سوداء ذات تأثيرات هائلة.

 

 

ومن المفارقات العجيبة أن كثيرًا من الباحثين اعتبروا كورونا بجعة سوداء في عام 2020، بينما اعتبرها نسيم -مؤلف نظرية البجعة السوداء- بجعة بيضاء، مبررًا ذلك بأن احتمالية ظهور وباء ينتشر حول العالم ويكون له تداعيات اقتصادية أمرًا كان متوقعًا، وليس مفاجئًا نتيجة العولمة والترابطات المعقدة، مستشهدًا بأنه قدم استشارة لحكومة سنغافورة، وأنها كانت مستعدة بخطة دقيقة لهذا الاحتمال منذ عام 2010.

 

وينصح “نسيم” بضرورة توقع كل الاحتمالات والاستعداد لها جيدًا، وعدم الاكتفاء بتجارب وأحكام الماضي لتوقع المستقبل؛ لأن “بجعة واحدة سوداء كفيلة بإنهاء فرضية استمرت مئات الأعوام بأن كل البجع أبيض اللون”.

  د. إســلام جمـــال الـدين شــوقي

عضو الجمعية المصرية للاقتصاد السياسي

 

الرابط المختصر :
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.