65 قراءة ربع سنوية عن العلاقة بين الاستثمار والناتج المحلي في السعودية
في ظل التحولات الاقتصادية التي تشهدها المملكة العربية السعودية، تظل العلاقة بين الاستثمار والناتج المحلي واحدة من أهم القضايا التي تستحق المتابعة بالأرقام لا بالانطباعات.
ولهذا، تبحث هذه الدراسة في المسار الزمني للعلاقة بين الناتج المحلي الحقيقي والاستثمار الحقيقي في السعودية، اعتمادًا على 65 مشاهدة ربع سنوية تمتد من الربع الأول لعام 2010 حتى الربع الأول لعام 2026، مع الجمع بين أدوات الاقتصاد القياسي الحديثة وتقنيات الذكاء الاصطناعي.
قبل البدء، تم استخدام التحليل بالبرمجة من خلال المتغيرين: الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي (GDP) والاستثمار الحقيقي/التكوين الرأسمالي الثابت الإجمالي (INV).
البرنامج R، باستخدام الاقتصاد القياسي ARDL واختبار Granger وتقنية الذكاء الاصطناعي XGBoost.
وتظهر البيانات أن متوسط الناتج المحلي الحقيقي خلال تلك الفترة بلغ نحو967.1 مليار، مقابل متوسط للاستثمار الحقيقي بلغ نحو 255.0 مليار وفق وحدات السلاسل الأصلية.
والأبرز أن معامل الارتباط بين السلسلتين بلغ 0.8523؛ وهي قيمة تشير إلى ارتباط موجب قوي في تحركات المتغيرين عبر الزمن، ولكنها لا تكفي وحدها لإثبات أن أحدهما يسبب الآخر.
ماذا تقول النماذج الاقتصادية؟
تم استخدام تحليل البيانات نموذج ARDL في الاتجاهين؛ حيث تم اختيار الرتبة ARDL(4,2) في كل من نموذج الناتج المحلي وموديل الاستثمار. وتسمح هذه المنهجية بفحص الديناميكيات الزمنية للعلاقة بين المتغيرين والتمييز بين الأجلين القصير والطويل.
لكن اختبار الحدود قدم نتيجة أكثر تحفظًا؛ ففي نموذج الناتج المحلي كمتغير تابع بلغت إحصائية F نحو 0.8194، مقابل حد أدنى حرج قدره 4.9186 وحد أعلى قدره 5.7434، مع قيمة احتمالية بلغت 0.8588 ؛ وبذلك لم يقدم النموذج دليلًا إحصائيًا على وجود تكامل مشترك طويل الأجل بين الناتج المحلي والاستثمار عند مستوى 5 % .
وفي الاتجاه العكسي، عندما أصبح الاستثمار هو المتغير التابع، بلغت إحصائية F نحو 1.3997، مع قيمة احتمالية بلغت 0.7147؛ وهي نتيجة لا تدعم أيضًا وجود علاقة توازنية طويلة الأجل بين السلسلتين وفق مواصفات النموذج المستخدم.
هل يقود الاستثمار إلى الناتج المحلي؟
الإجابة الإحصائية في هذه الدراسة تحتاج إلى قدر من الحذر؛ فقد أظهر اختبار Granger أن التأخرات السابقة للاستثمار لا تضيف قدرة تنبؤية معنوية للناتج المحلي عند استخدام أربع فترات إبطاء؛ إذ بلغت قيمة الاحتمالية نحو 0.1645.
وفي الاتجاه الآخر، لم يثبت الناتج المحلي قدرة تنبؤية معنوية للاستثمار؛ إذ بلغت قيمة الاحتمالية نحو 0.2121.
وهكذا، وعلى الرغم من الارتباط القوي البالغ 0.8523، فإن النتائج لا تسمح بتحويل هذا الارتباط إلى استنتاج سببي مباشر، كما لا تثبت وجود علاقة توازنية طويلة الأجل بين المتغيرين خلال الفترة محل الدراسة.
ماذا أضاف الذكاء الاصطناعي؟
انتقلت الدراسة من سؤال العلاقة إلى سؤال آخر أكثر ارتباطًا بمتطلبات الاقتصاد الحديث؛ وهو:هل يمكن التنبؤ بالقيم المستقبلية بصورة جيدة باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي؟
استخدم نموذج XGBoost مع القيم المتأخرة للناتج المحلي والاستثمار؛ ففي التنبؤ بالناتج المحلي، بلغ RMSE نحو 52,255، وبلغ MAE نحو 41,006، بينما وصل MAPE إلى 3.37%.
أما التنبؤ بالاستثمار، فقد بلغ RMSE نحو 36,220 وMAE نحو 33,037، في حين وصل MAPE إلى 9.74 %، بما يشير إلى خطأ نسبي أعلى في التنبؤ بالاستثمار مقارنة بالناتج المحلي.
وتكشف الدراسة عن أهمية المتغيرات في نموذج XGBoost عن اعتماد واضح على التاريخ القريب للسلسلة؛ فقد كان التأخر الأول للناتج المحلي الأكثر أهمية في التنبؤ بالناتج المحلي، بينما تصدر التأخر الرابع للاستثمار قائمة المتغيرات الأكثر مساهمة في التنبؤ بالاستثمار.
الخلاصة
تكشف الدراسة عن صورة اقتصادية دقيقة أكثر من كونها مجرد علاقة خطية بين متغيرين: الاستثمار والناتج المحلي في السعودية يتحركان تاريخيًا في اتجاه متقارب بدرجة ارتباط مرتفعة، لكن البيانات المستخدمة لا تثبت- وفق اختبارات ARDL وBounds وGranger المطبقة- وجود علاقة سببية أو توازن طويل الأجل بينهما خلال الفترة 2010Q1–2026Q1.
وفي المقابل، أظهر الذكاء الاصطناعي قدرة تنبؤية قابلة للقياس، مع أداء أفضل نسبيًا في التنبؤ بالناتج المحلي وفق قيمة MAPE البالغة 3.37 % مقارنة بـ9.74 % للاستثمار.
الاقتصاد القياسي والذكاء الاصطناعي
وتشير هذه النتائج إلى أهمية الجمع بين الاقتصاد القياسي والذكاء الاصطناعي في قراءة الاقتصاد السعودي: الاقتصاد القياسي يساعد على اختبار طبيعة العلاقة الزمنية، بينما يفتح الذكاء الاصطناعي مساحة إضافية للتنبؤ واكتشاف الأنماط الكامنة في البيانات. وتبقى إضافة متغيرات اقتصادية أخرى، وإجراء اختبارات أكثر تقدمًا، مجالًا مهمًا لأبحاث لاحقة أكثر شمولًا.
د.إيهاب إسماعيل أحمد
أستاذ مساعد إحصاء جامعة باشن أمريكا