عباس محمود العقاد.. الرجل موسوعي الثقافة

0

عباس محمود العقاد رجل كبير الهمة، بعيد الطموح، لم تقعد به ظروف عيشه القاسية، ولا بعده عن القاهرة، مركز النور والإشعاع الحضاري والثقافي وقتذاك، لأن يكون ما أراد لنفسه.

هو، من زاوية ما، شبيه رجال كثيرين عرفتهم الحضارة العربية، أبو العلاء المعري والمتنبي أبرز مثالين على ذلك، فكلاهما، وعباس محمود العقاد كذلك، ربيب ظروف قاسية، وشروط عيش سقيم، لكن العبرة بالخواتيم، فقد صار هؤلاء الرجال، بفضل همتهم العالية وطموحهم البعيد، ملأ السمع والبصر، وذاك أهم درس يمكن تعلمه من قصة العقاد وأضرابه من الرجال العظام.

ميلاد محمود عباس العقاد وكفاحه

ولد العقاد في أسوان في 28 يونيو 1889م، لأب مصري وأم من أصول كردية. اقتصرت دراسته على المرحلة الابتدائية فقط؛ لعدم توافر المدارس الحديثة في محافظة أسوان.

ناهيك عن أن ظروف أسرته المالية، لم تمكنها من إرساله إلى القاهرة كما يفعل الأعيان؛ لذا اعتمد عباس محمود العقاد على ذكائه الحاد وصبره على التعلم والمعرفة حتى أصبح صاحب ثقافة موسوعية لا تضاهى أبدًا، ليس بالعلوم العربية فقط وإنما العلوم الغربية أيضًا.

فقد أتقن اللغة الإنجليزية من مخالطته للأجانب من السائحين المتوافدين لمحافظتي الأقصر وأسوان؛ مما مكنه من القراءة والاطلاع على الثقافات البعيدة.

فبعدما جاء إلى القاهرة وعمل بالصحافة وتتلمذ على يد المفكر والشاعر الأستاذ الدكتور محمد حسين محمد، خريج كلية أصول الدين من جامعة القاهرة. أسس بالتعاون مع إبراهيم المازني وعبد الرحمن شكري “مدرسة الديوان”، وكانت هذه المدرسة تنادي بالتجديد في الشعر والخروج به عن القالب التقليدي العتيق.

اقرأ أيضًا: غادة المطيري.. رائدة تكنولوجيا النانو
العمل الحكومي

عمل عباس محمود العقاد بمصنع للحرير في مدينة دمياط، وعمل بالسكك الحديدية لأنه لم ينل من التعليم حظًا وافرًا حيث حصل على الشهادة الابتدائية فقط، لكنه في الوقت نفسه كان مولعا بالقراءة في مختلف المجالات، وقد أنفق معظم نقوده على شراء الكتب، والتحق بعمل كتابي بمحافظة قنا، ثم نقل إلى محافظة الشرقية.

كما عمل عباس محمود العقاد بوظائف حكومية كثيرة في المديريات ومصلحة التلغراف ومصلحة السكة الحديد وديوان الأوقاف. لكنه استقال منها واحدة بعد واحدة. ولما كتب العقاد مقاله الشهير «الاستخدام رق القرن العشرين» سنة 1907، كان على مستعدًا للإعفاء من وظائف الحكومة والاشتغال بالصحافة.

فبعدما مل العقاد العمل الروتيني الحكومي. وبعد أن ترك عمله بمصلحة البرق، اتجه إلى العمل بالصحافة مستعينا بثقافته وسعة اطلاعه، فاشترك مع محمد فريد وجدي في إصدار صحيفة الدستور. وكان إصدار هذه الصحيفة فرصة لكي يتعرف عباس محمود العقاد بسعد زغلول ويؤمن بمبادئه. وتوقفت الصحيفة عن الصدور بعد فترة. وهو ما جعل العقاد يبحث عن عمل يقتات منه. فاضطر إلى إعطاء بعض الدروس ليحصل قوت يومه.

مواقف سياسية

صار عباس محمود العقاد، بعدذاك، من كبار المدافعين عن حقوق الوطن في الحرية والاستقلال، فدخل في معارك حامية مع القصر الملكي؛ مما أدى إلى ذيع صيته واُنْتخب عضوًا بمجلس النواب. سجُن بعد ذلك لمدة تسعة أشهر عام 1930 بتهمة العيب في الذات الملكية؛ فحينما أراد الملك فؤاد إسقاط عبارتين من الدستور، تنص إحداهما على أن الأمة مصدر السلطات، والأخرى أن الوزارة مسئولة أمام البرلمان، ارتفع صوت العقاد من تحت قبة البرلمان على رؤوس الأشهاد من أعضائه قائلًا:

«إن الأمة على استعداد لأن تسحق أكبر رأس في البلاد يخون الدستور ولا يصونه».

وفي موقف آخر أشد وطأةً من الأول، وقف الأديب الكبير موقفًا معاديًا للنازية خلال الحرب العالمية الثانية، حتى إن أبواق الدعاية النازية وضعت اسمه بين المطلوبين للعقاب، كان العقاد يبشر بانتصار الديموقراطية في الوقت الذي كانت فيها المظاهرات في مصر ترفع شعار «إلى الأمام يا روميل»، وما إن اقترب جنود إرفين روميل من أرض مصر حتى تخوف العقاد من عقاب الزعيم النازي أدولف هتلر، وهرب سريعًا إلى السودان عام 1943 ولم يعد إلا بعد انتهاء الحرب بخسارة دول المحور.

عباس محمود العقاد

اقرأ أيضًا: فان كلويفرت.. الرجل الذي جنّد الأفاعي لصالحه
مؤلفات وتكريمات

من مؤلفات عباس محمود العقاد يذكر «الاقتصاد اليوم» ما يلي:

  • إبراهيم أبو الأنبياء.
  • إبليس.
  • أبو الشهداء: الحسين بن علي.
  • أبو العلاء.
  • أبو نواس.
  • أثر العرب في الحضارة الأوروبية.
  • أشتات مجتمعات في اللغة والأدب.
  • أعاصير مغرب.
  • أفيون الشعوب.
  • الإسلام والحضارة الإنسانية.
  • بالإضافة إلى سلسلة العبقريات الشهيرة.

في أبريل من عام 1934 أقيم حفل تكريم للعقاد في مسرح حديقة الأزبكية حضره العديد من الأدباء ومجموعة من الأعلام والوزراء.

تُرجمت بعض كتبه إلى اللغات الأخرى، فتُرجم كتابه المعروف «الله» إلى الفارسية، ونُقلت عبقرية محمد وعبقرية الإمام علي، وأبو الشهداء إلى الفارسية، والأردية، والملاوية، كما تُرجمت بعض كتبه إلى الألمانية والفرنسية والروسية. وأطلقت كلية اللغة العربية بالأزهر اسم العقاد على إحدى قاعات محاضراتها.

منحه الرئيس المصري جمال عبد الناصر جائزة الدولة التقديرية في الآداب وتسلمها العقاد ولم يرفضها كما يتردد ، لكنه رفض الدكتوراه الفخرية من جامعة القاهرة.

توفي عباس محمود العقاد في مدينة القاهرة في 13-آذار- 1964 عن عمر يناهز 74 عامًا، وتم نقل جثمانه من القاهرة إلى مسقط رأسه في أسوان في نفس يوم وفاته ودفن في إحدى مقابرها.

اقرأ أيضًا:

نوال بخش.. امرأة يُقتفى أثرها

حمد عبد الله الزامل.. فضيلة التعاون 

حياة سندي.. رحلة حافلة بالعطاء والإنجاز

نبوية موسى.. الفتاة التي حازت قصب السبق

عمر عمار.. الرجل متعدد المواهب

الرابط المختصر :
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.