منصة إعلامية عربية متخصصة فاعلة في مجال الاقتصاد بروافده المتعددة؛ بهدف نشر الثقافة الاقتصادية، وتقديم المعلومات والمصادر المعرفية السليمة التي تسهم في نشر الوعي الاقتصادي، ومساعدة أصحاب القرار في اتخاذ القرارات الصائبة التي تقود الاقتصاد نحو تنمية فاعلة ومستدامة.

روجر عطيه: صناعة القادة مفتاح استدامة رؤية السعودية 2030

أكد روجر عطية؛ مدير شؤون العملاء في مكتب التعليم التنفيذي بالرياض في كلية لندن للأعمال، أن القيادة اليوم لم تعد تقتصر على إدارة الأعمال القائمة؛ بل أصبحت تتمحور حول قيادة التحول، والتعامل مع التعقيدات، وبناء مؤسسات قادرة على التكيف المستمر مع المتغيرات.

صناعة القادة

وأضاف خلال مقابلة صحفية، أنه مع دخول رؤية السعودية 2030 مرحلتها القادمة، تزداد طبيعة القيادة تعقيدًا وتتطلب مجموعة متطورة من المهارات والقدرات. وستصبح المرونة الإستراتيجية، والإلمام بالتقنيات الرقمية والذكاء الاصطناعي، والتفكير المنظومي، والقدرة على القيادة عبر القطاعات المختلفة، من المهارات المتزايدة الأهمية في السنوات المقبلة.

وإلى نص المقابلة:

1.في ضوء التحولات الاقتصادية التي تشهدها المملكة في ظل رؤية السعودية 2030، كيف تطورت متطلبات إعداد وتطوير القيادات مقارنةً بالسنوات السابقة؟

لقد انتقلت رؤية السعودية 2030 من مرحلة الطموح إلى مرحلة التقدم الملحوظ. ويشهد اقتصاد المملكة تنوعًا متسارعًا، كما يواصل القطاع الخاص نموه، في الوقت الذي ينضم فيه الكفاءات الوطنية إلى سوق العمل بأعداد غير مسبوقة. ويتمثل التحدي القادم في ضمان امتلاك المؤسسات للقدرات القيادية اللازمة للحفاظ على هذا الزخم وتعزيز متانتها المؤسسية بما يتجاوز عام 2030.

قيادة التحول

لم تعد القيادة اليوم تقتصر على إدارة الأعمال القائمة؛ بل أصبحت تتمحور حول قيادة التحول، والتعامل مع التعقيدات، وبناء مؤسسات قادرة على التكيف المستمر مع المتغيرات. ومع انضمام أكثر من مليوني سعودي إلى القطاع الخاص منذ عام 2020، بلغ الطلب على القيادات المؤهلة مستويات غير مسبوقة؛ إلا أن بناء قاعدة قيادية قوية لا يزال أحد أبرز التحديات التي تواجه المؤسسات. ومن ثم، تتمثل الأولوية في تمكين هذا الجيل الجديد من القادة من خلال تنمية التفكير الاستراتيجي. علاوة على تعزيز المرونة، وترسيخ الرؤية العالمية اللازمة لقيادة التغيير وتحقيق الاستدامة.

2.ما أبرز أوجه القصور التي لم تعد تلبي احتياجات المؤسسات في الوقت الراهن؟

يتمثل أبرز أوجه القصور في التعامل مع التعليم التنفيذي باعتباره نشاطًا تدريبيًا عابرًا يُنفذ من حين إلى آخر، بدلًا من اعتباره ضرورة إستراتيجية واستثمارًا طويل الأمد في بناء القدرات المؤسسية. فالبرامج العامة التي لا ترتبط بأولويات الأعمال ولا تنطلق من احتياجاتها الفعلية، وغالبًا ما تفشل في تحقيق أثر مستدام.

وتحتاج المؤسسات اليوم إلى قادة قادرين على التعامل مع حالة عدم اليقين. وقيادة التحولات، وتحفيز الأفراد وتوحيد جهودهم، وليس فقط تحسين العمليات التشغيلية. لذلك، يجب أن يصبح تطوير القيادات جزءًا أساسيًا من الإستراتيجية طويلة المدى. فالشركات التي تحقق أكبر قدر من التقدم هي تلك التي تستثمر بشكل مستمر في تطوير كوادرها، مدركةً أن بناء القدرات القيادية يمثل ركيزة أساسية للنمو المستقبلي، وليس مجرد مبادرة تعليمية اختيارية.

احتياجات القدرات المستقبلية والناشئة

3.لماذا أصبح من الضروري إشراك أصحاب العمل في تصميم المناهج والبرامج التعليمية التنفيذية، وما القيمة التي يضيفها هذا الإشراك؟

تتطور بيئة الأعمال بوتيرة متسارعة؛ ما يجعل المؤسسات غالباً الأقدر على تحديد احتياجات القدرات المستقبلية والناشئة. وعندما يعمل أصحاب العمل جنبًا إلى جنب مع كليات إدارة الأعمال في تصميم البرامج. يصبح التعليم التنفيذي أكثر ارتباطًا بالأولويات الإستراتيجية والتحديات التنظيمية الفعلية، بما يضمن تحقيق أثر عملي ومستدام.

ويسهم ذلك في إنشاء حلقة تغذية راجعة مستمرة يتطور من خلالها التعلم بالتوازي مع تطورات الاقتصاد. حيث تتحول البرامج إلى أدوات عملية تساعد المؤسسات على تنفيذ استراتيجياتها، وتنمية المواهب. علاوة على تعزيز القدرات القيادية في المجالات التي تكون فيها الحاجة إليها أكبر.

القدرات القيادية المطلوبة

4.كيف يمكن بناء شراكات مستدامة وفعّالة بين الشركات السعودية وكليات إدارة الأعمال بما يضمن تحقيق الأهداف الاستراتيجية لكلا الطرفين؟

تُبنى الشراكات الناجحة على أساس تحقيق نتائج وأهداف مشتركة، ليس على مجرد علاقات تعاقدية أو تعاملات مؤقتة. وتبدأ هذه الشراكات من خلال تحديد القدرات القيادية المطلوبة لمستقبل المؤسسة بشكل مشترك، وتصميم تجارب تعليمية متكاملة، وقياس النجاح من خلال الأثر الذي تحققه على مستوى الأعمال، وليس فقط من خلال معدلات المشاركة.

في كلية لندن للأعمال، نرى أنفسنا بشكل متزايد كشريك طويل الأمد في بناء القدرات. ويعكس حضورنا الدائم في الرياض التزامنا بدعم طموحات المملكة من خلال العمل عن قرب مع المؤسسات لتطوير قادة قادرين على التعامل مع التعقيدات وتحقيق نمو مستدام. ويتمثل طموحنا في تطوير أكثر من 10,000 قائد سعودي، وبناء شراكات مع 100 مؤسسة بحلول عام 2030. انطلاقًا من إيماننا بأن تطوير القيادات يمثل ركيزة أساسية لتحقيق الأهداف طويلة المدى لرؤية السعودية 2030.

5.استنادًا إلى خبرتكم الواسعة في المنطقة، ما أبرز التحديات التي تواجهها الشركات والمؤسسات التعليمية عند تطبيق هذا النموذج التعاوني؟

يتمثل أحد أبرز التحديات في مواءمة التوقعات بين الأطراف المعنية. فالمؤسسات تتطلع بطبيعة الحال إلى تحقيق نتائج سريعة، في حين أن بناء القدرات القيادية يُعد استثمارًا طويل الأمد تتراكم قيمته وأثره مع مرور الوقت.

ويكمن تحدٍ آخر في ضمان دمج تطوير القيادات ضمن استراتيجية المؤسسة ومنظومتها التشغيلية. بدلًا من التعامل معه كمبادرة تابعة لإدارة الموارد البشرية فقط. إذ تتميز البرامج الأكثر نجاحًا بوجود دعم وتبنٍ فعّال من القيادات العليا، وارتباطها المباشر بالأولويات الاستراتيجية للمؤسسة.

وأخيرًا، يتعين على كل من المؤسسات وكليات إدارة الأعمال الحفاظ على قدر عالٍ من المرونة والقدرة على التكيف. نظرًا لأن وتيرة التحول في المملكة العربية السعودية تجعل متطلبات القيادة في تطور مستمر ومتسارع.

رؤية السعودية 2030

6.ما المهارات والكفاءات القيادية التي ترون أنها ستكون الأكثر طلبًا لدى الشركات السعودية خلال السنوات القادمة؟

مع دخول رؤية السعودية 2030 مرحلتها القادمة، تزداد طبيعة القيادة تعقيدًا وتتطلب مجموعة متطورة من المهارات والقدرات. وستصبح المرونة الاستراتيجية، والإلمام بالتقنيات الرقمية والذكاء الاصطناعي، والتفكير المنظومي. والقدرة على القيادة عبر القطاعات المختلفة، من المهارات المتزايدة الأهمية في السنوات المقبلة.

وبالموازاة مع ذلك، تظل القدرات الإنسانية التي لا يمكن للتكنولوجيا أن تحل محلها ذات أهمية بالغة. ومنها قوة الحكم واتخاذ القرار، والمرونة، والتعاون، والذكاء العاطفي، والقدرة على إلهام الآخرين في ظل بيئات تتسم بعدم اليقين. ومع توسع المؤسسات وازدياد ارتباطها بالأسواق العالمية، سيحتاج القادة إلى الجمع بين أفضل الممارسات العالمية والفهم العميق لطموحات المملكة وبيئتها التشغيلية.

ومن المجالات التي تستحق اهتمامًا خاصًا القيادة الشاملة. فقد حققت المملكة العربية السعودية تقدمًا استثنائيًا في مجال مشاركة المرأة في سوق العمل. حيث ارتفعت نسبة المشاركة من 17% في عام 2016 إلى أكثر من 36% حاليًا. ويتمثل التحدي القادم في ضمان استمرار تطور هذه الكفاءات المتنامية ووصولها إلى المناصب القيادية العليا. بما يسهم في تعزيز جودة اتخاذ القرار ورفع مستوى الأداء المؤسسي.

برامج التعليم التنفيذي

7.كيف يمكن قياس الأثر الحقيقي لبرامج التعليم التنفيذي على الأداء المؤسسي بفاعلية، بما يتجاوز المؤشرات التقليدية مثل عدد المشاركين أو الساعات التدريبية؟

يتمثل المقياس الأكثر أهمية في القدرات المؤسسية التي يتم بناؤها. وليس في النشاط التدريبي بحد ذاته. وينبغي تقييم مدى قدرة القادة على تنفيذ الاستراتيجيات بفاعلية أكبر، وتسريع وتيرة التحول، وتعزيز الابتكار. علاوة على تقوية مسارات إعداد القادة البدلاء، وبناء مؤسسات أكثر مرونة وقدرة على مواجهة التحديات.

كما يُعد التغيير السلوكي عنصرًا بالغ الأهمية؛ فهل أصبح القادة يتخذون قرارات أفضل؟ وهل أصبحوا أكثر فاعلية في التعاون وقيادة فرق العمل في بيئات تتسم بالتعقيد؟

وفي نهاية المطاف، ينبغي تقييم التعليم التنفيذي بناءً على القدرات المؤسسية التي يسهم في تطويرها. فالهدف لا يقتصر على تنمية مهارات الأفراد فحسب. بل يتمثل في تعزيز قوة المؤسسات وتمكينها من الحفاظ على أدائها وتحقيق استدامته على المدى الطويل.

8.ما رسالتكم لقادة الأعمال في المملكة العربية السعودية الذين يسعون إلى تطوير فرق قيادية قادرة على مواكبة التحولات الاقتصادية وتحقيق نمو مستدام؟

لقد أثبتت المملكة العربية السعودية ما يمكن أن تحققه الطموحات والاستثمارات والرؤية الواضحة. فقد حققت المملكة بالفعل إنجازات استثنائية، بدءًا من الوصول إلى مستويات قياسية منخفضة في معدلات البطالة، مرورًا بالنمو المتسارع للقطاع الخاص. وصولًا إلى بناء قوة عاملة أكثر تنوعًا. وتتمثل المرحلة المقبلة في ضمان امتلاك المؤسسات للقيادات القادرة على الحفاظ على هذا التقدم وتعزيزه لعقود قادمة. لذلك، ينبغي النظر إلى تطوير القيادات ليس كمبادرة تعليمية فحسب؛ بل كبنية تحتية إستراتيجية تدعم استدامة المؤسسات ونموها. فالمؤسسات التي تستثمر اليوم في تطوير القادة الواعدين، وتعزيز القدرات التنفيذية، وترسيخ مفهوم القيادة الشاملة، ستكون الأكثر قدرة على تحقيق النمو طويل الأمد وبناء قيمة مؤسسية مستدامة.

وفي نهاية المطاف، لن تتحقق المرحلة القادمة من رؤية السعودية 2030 بالطموح وحده. بل من خلال بناء القدرات القيادية القادرة على تحويل الطموحات إلى إنجازات مستدامة.

الرابط المختصر :