منصة إعلامية عربية متخصصة فاعلة في مجال الاقتصاد بروافده المتعددة؛ بهدف نشر الثقافة الاقتصادية، وتقديم المعلومات والمصادر المعرفية السليمة التي تسهم في نشر الوعي الاقتصادي، ومساعدة أصحاب القرار في اتخاذ القرارات الصائبة التي تقود الاقتصاد نحو تنمية فاعلة ومستدامة.

مجدي صادق يكتب: السيناريو الفنزويلي.. هل سيتكرر في كوبا؟

يبدو أن الورقة الكوبية ستكون الملف القادم على المكتب البيضاوي للرئيس الأمريكي دونالد ترامب بعد الأزمة الإيرانية، خصوصًا أن تلك الورقة مُعدٌ لها سلفًا قُبيل تفجر الصراع الأمريكي- الإسرائيلي- الإيراني، والتي ارتفعت نبرتها اليوم.

ويتوقع المراقبون أن السيناريو الفنزويلي باختطاف الرئيس مادورو لمحاكمته في واشنطن سيتكرر بتعديل بسيط مع الرئيس الكوبي المعتزل راؤول كاسترو؛ شقيق محرر كوبا فيدل كاسترو، الذي قام بثورته الناجحة للتخلص من التواجد الأمريكي في كوبا.

كوبا هي التالية

وقد أعلن الرئيس ترامب مرارًا في تصريحاته الصحفية بأن “كوبا هي التالية”، ملمحًا إلى خيارات متعددة، في حين كشفت وزارة العدل الأمريكية، في خطوة تصعيدية لافتة (20 مايو 2026)، عن لائحة اتهام جنائية ضد الرئيس الكوبي السابق راؤول كاسترو (94 عامًا) بتهمة القتل والتآمر لقتل مواطنين أمريكيين، على خلفية إسقاط الجيش الكوبي لطائرتين مدنيتين تابعتين لمنظمة “إخوة الإنقاذ” (مجموعة من المنفيين الكوبيين في ميامي) عام 1996.

850 ألف مهاجر كوبي

وتتهم واشنطن النظام الكوبي بتوفير ملاذ آمن لمنظمات تصنفها الولايات المتحدة كجماعات إرهابية؛ مثل: حماس وحزب الله، بالإضافة إلى عدم التعاون الاستخباراتي والأمني مع الأجهزة الأمريكية، ورفض هافانا استقبال المهاجرين غير الشرعيين الذين ترحلهم الولايات المتحدة؛ ما ساهم في تفاقم أزمة الهجرة؛ حيث تدفق أكثر من 850 ألف مهاجر كوبي نحو أمريكا في السنوات الأخيرة.

غطاء قانوني وسياسي

ويرى الخبراء أن هذا التحرك القضائي يمثل غطاءً قانونيًا وسياسيًا لأي تحرك أمريكي محتمل، على غرار السيناريو الذي استخدمته واشنطن يناير 2026، للتدخل في فنزويلا وإزاحة نيكولاس مادورو والتخلص من نظامه السياسي، ولكن بأدوات اقتصادية وضغوط استخباراتية مكثفة بدلًا من التدخل العسكري المباشر والسريع الذي شهدناه في كاراكاس مطلع هذا العام (عملية “الحزم المطلق” واختطاف مادورو).

وجاءت هذه الخطوة لخنق الشرايين الحيوية لكوبا عبر فنزويلا، التي كانت المورد الأساسي لنحو 70 % من احتياجات الطاقة الكوبية، بعد السيطرة الأمريكية على كاراكاس وتعيين ديلسي رودريجيز؛ حيث قطعت إمدادات النفط تمامًا عن هافانا؛ ما أدخل كوبا في أسوأ أزمة طاقة وتضخم في تاريخها الحديث.

صعود كاسترو والإطاحة بالنظام الموالي لأمريكا

عقب الثورة الكوبية عام 1959 وصعود فيدل كاسترو والإطاحة بالنظام الموالي لأمريكا، نظام “باتيستا”، فرضت الولايات المتحدة حظرًا اقتصاديًا وتجاريًا شاملًا على كوبا بدأ في أوائل الستينيات، ولا يزال مستمرًا؛ ما أدى إلى قطع إمدادات السلع واللحوم، وأصبح اللحم البقري (المكون الأساسي لطبق الروبا فييخا، وهو طبق وطني كان وجبة يومية شعبية في كوبا) شحيحًا للغاية وباهظ الثمن.

وعندما انهار الاتحاد السوفيتي -الداعم الأيديولوجي والسياسي والشريك التجاري الرئيس لكوبا- في بداية التسعينيات بفعل بيروسترويكا جورباتشوف، فرضت أمريكا مزيدًا من العقوبات عبر قوانين مثل قانون “توريسيللي” و”هيلمز – بيرتون”؛ ما أدخل كوبا في أزمة اقتصادية خانقة عرفت بـ”الفترة الخاصة”.

في الوقت الذي تعامل فيه النظام الكوبي منذ انتصار الثورة عام 1959 بقيادة فيدل كاسترو وحتى الإدارة الحالية، رغم التهديدات والضغوط الأمريكية المستمرة (سواء كانت عسكرية أو اقتصادية أو سياسية)، بإستراتيجية متعددة الأبعاد جمعت بين العناد الأيديولوجي والمناورات الجيوسياسية والالتفاف حول العقوبات.

النظام الكوبي والحظر الاقتصادي الأمريكي

حول النظام الكوبي التهديدات الأمريكية، وخاصة الحظر الاقتصادي (الذي يسمى “البلوكيو” أي الحصار)، إلى أداة شرعية سياسية قوية في الداخل، فقد استخدم النظام الحظر الأمريكي لتبرير الإخفاقات الاقتصادية الداخلية، معتبرًا أن أي صوت معارض هو “طابور خامس” يعمل لصالح واشنطن.

وعلى الطريقة الإيرانية، رفع النظام الكوبي شعارات “الموت لأمريكا” عبر ترسيخ مفاهيم أن الاستسلام للشروط الأمريكية يعني عودة كوبا كمستعمرة أمريكية تديرها المافيا والشركات الأمريكية كما كان الوضع قبل عام 1959.

فشل التهديدات العسكرية

وقد فشلت التهديدات العسكرية على مدار تلك السنوات منذ واقعة غزو خليج الخنازير 1961 عبر اللواء 2506، والتي انتهت بنصر ساحق لنظام كاسترو بعد أقل من 72 ساعة بدعم سوفيتي، مدعومة بالدبابات السوفيتية من طراز “تي – 34” والمدفعية الثقيلة، ثم أزمة الصواريخ الكوبية 1962، وهي الـ13 يومًا الأكثر رعبًا في التاريخ الحديث؛ حيث وقف العالم على حافة الهاوية لحروب نووية شاملة، وهو ذات سيناريو ترامب في إيران؛ حيث حاصر الرئيس الأمريكي وقتها جون كيندي، كوبا بحريًا ومنع أي سفن سوفيتية إضافية تحمل معدات عسكرية من الوصول إلى الجزيرة.

 638 محاولة اغتيال لكاسترو

وكان الهدف وراء كل هذا التخلص من نظام كاسترو، ثم فشلت محاولات اغتيال كاسترو؛ حيث تعرض لرقم قياسي مذهل طوال فترة حكمه وصل إلى 638 محاولة اغتيال نجا منها كلها، بدءًا من السيجار الكوبي السام إلى “ماريتا لورينز” الشابة التي زرعتها الاستخبارات الأمريكية لتكون على علاقة عاطفية بكاسترو.

تحالف “ألبا” لمواجهة الولايات المتحدة

أدرك النظام الكوبي مبكرًا أنه لا يستطيع الصمود وحيدًا أمام أعتى قوة اقتصادية على بعد 90 ميلًا بحريًا منه، فاعتمد على التحالفات الخارجية؛ فبعد انهيار السوفييت قادت كوبا مع هوجو تشافيز في فنزويلا تأسيس تحالف “ألبا”؛ حيث حصلت كوبا على النفط الفنزويلي شبه المجاني مقابل إرسال آلاف الأطباء والمستشارين الأمنيين إلى كاراكاس، ومنهم من كانوا في حراسة وحماية “مادورو” قبل اختطافه.

كما اتجهت كوبا للتحالف مع روسيا والصين؛ كحائط صد سياسي واقتصادي ضد الضغوط الأمريكية المستمرة اليوم.

تحول دراماتيكي

شهد مطلع عام 2026 تحولًا دراماتيكيًا في المنطقة بعد الإطاحة بالرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، ونظرًا لأن فنزويلا كانت الشريان المالي والنفطي المغذي لكوبا (حيث كانت تمدها بنحو 27 إلى 35 ألف برميل نفط يوميًا بأسعار تفضيلية)، فإن سقوط مادورو قطع هذا الخط الحيوي تمامًا.

ويرى ترامب في هذا الوضع فرصة تاريخية لا تتكرر لإجبار النظام الكوبي– الذي بات يواجه أسوأ أزمة طاقة وانقطاعات مستمرة للكهرباء– على الانصياع للشروط الأمريكية أو السقوط، في الوقت الذي وقع فيه ترامب في يناير 2026 أمرًا بفرض نظام تعريفات جمركية عقابية على أي دولة في العالم (مثل المكسيك أو غيرها) تقوم ببيع أو تزويد كوبا بالنفط أو غير ذلك.

وفي الأول من مايو 2026 فرض ترامب حزمة عقوبات مشددة جديدة استهدفت بشكل مباشر قيادات الجيش والأجهزة الأمنية الكوبية، وعلى رأسها “جي إيه إيه إس إيه” (المؤسسة العسكرية القابضة التي تسيطر على مفاصل الاقتصاد والسياحة في كوبا)؛ حيث بررت واشنطن ذلك بضلوع هذه الأجهزة في قمع التظاهرات الشعبية وانتهاك حقوق الإنسان وسجن المعارضين سياسيًا.

مبدأ مونرو للهيمنة الأمريكية

أعادت إدارة ترامب صياغة “مبدأ مونرو” الشهير تحت مسمى عُرف بـ”عقيدة ترامب للمنطقة” و”أمريكا للأمريكيين”، لإعادة فرض الهيمنة الأمريكية المطلقة على نصف الكرة الغربي، ومنع أي قوة أوروبية من تأسيس مستعمرات جديدة في نصف الكرة الغربي (أمريكا الشمالية والجنوبية والكاريبي).

وترى واشنطن في كوبا خطرًا أمنيًا مباشرًا كونها تستضيف أكبر مركز تجسس واستخبارات إلكترونية لروسيا خارج حدودها لتجميع المعلومات الحساسة عن أمريكا، وهي تمثل موطئ قدم متزايدًا للنفوذ العسكري والاقتصادي الصيني على بعد 90 ميلًا بحريًا فقط من السواحل الأمريكية.

قاد وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو (المعروف بمواقفه المتشددة للغاية تجاه الأنظمة الشيوعية في أمريكا اللاتينية، وهو من أصول كوبية) هذا التصعيد؛ إذ وجه رسالة باللغة الإسبانية للشعب الكوبي -بمناسبة يوم الاستقلال الكوبي في 20 مايو- هاجم فيها النظام الحاكم بضراوة ووصفه بالفاسد والجشع، معلنًا أن الولايات المتحدة تخلت عن فرضية عدم التدخل المباشر لإحداث تغيير في كوبا.

وعرض روبيو تقديم مساعدات غذائية وطبية بقيمة 100 مليون دولار للشعب الكوبي لمواجهة الأزمة الاقتصادية الخانقة، بشرط توزيع هذه المساعدات عبر الكنيسة الكاثوليكية أو منظمات خيرية موثوقة وليس عبر الحكومة أو ذراعها الاقتصادي العسكري، في الوقت الذي تزامن مع الإعلان عن لائحة اتهام كاسترو، دخلت حاملة الطائرات الأمريكية “نيميتز” رفقة سفن حربية إلى جنوب البحر الكاريبي.

استمرار الحرب الإيرانية

ومع استمرار الحرب الإيرانية، وارتفاع أسعار الوقود عالميًا، وصعود معدلات التضخم في السوق الأمريكية إلى 3.8 %، واجه ترامب ضغوطًا داخلية من ناخبيه؛ إذ يُعد السعي وراء إحداث “تغيير ما” في النظام الكوبي بمثابة انتصار سياسي مجاني وسريع لتهدئة الرأي العام الداخلي؛ لا سيما بوجود صقور في إدارته مثل وزير الخارجية ماركو روبيو الذي يرى في هذه اللحظة فرصة تاريخية لإنهاء حكم النظام الشيوعي في الجزيرة.

فإذا كانت أمريكا قد وجدت ديلسي رودريجيز كشريك مستعدًا للتفاوض والانتقال السياسي، فإن الحالة في كوبا مختلفة؛ حيث النخبة العسكرية ومحيط عائلة كاسترو يبدون تماسكًا أيديولوجيًا وعنادًا أكبر، مع غياب تام لمعارضة منظمة داخل كوبا.

على عكس فنزويلا؛ حيث كانت هناك معارضة قوية ومنظمة قادتها ماريا كورينا ماتشادو، التي حصلت على جائزة نوبل للسلام لتمنحها لترامب تقديرًا لدعمه لقضية بلادها، وقد منحته الميدالية الذهبية الأصلية للجائزة كهدية شخصية له بالمكتب البيضاوي في خطوة غير مسبوقة.

استغلال الضعف اللوجستي

كل المؤشرات تؤكد أن ترامب لن ينتظر انتهاء الحرب الإيرانية، بل يريد استغلال الضعف اللوجستي الإيراني والروسي الحالي لحسم ملف كوبا، بينما يلمح روبيو بعودة الطبق الوطني الشعبي اليومي “الروبا فييخا” في إشارة إلى الحد من المجاعة التي تخنق الشعب الكوبي نتيجة سياسات حكومته، وجعلت من “شعبه” هو الطبق المطهو ببطء والمنسل إلى خيوط رفيعة تشبه الخرق أو الملابس الممزقة، وهو ما يطلق عليه “روبا فييخا”.

الأحداث التصاعدية عبر التصريحات والتحركات وأدوات “الخنق الإستراتيجي والاقتصادي” ستكشف عن “سيناريوهات” الأيام القادمة.

 

 

الرابط المختصر :
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.