منصة إعلامية عربية متخصصة فاعلة في مجال الاقتصاد بروافده المتعددة؛ بهدف نشر الثقافة الاقتصادية، وتقديم المعلومات والمصادر المعرفية السليمة التي تسهم في نشر الوعي الاقتصادي، ومساعدة أصحاب القرار في اتخاذ القرارات الصائبة التي تقود الاقتصاد نحو تنمية فاعلة ومستدامة.

جيسيكا أو.ماثيوز.. سيدة الأعمال التي أعادت تعريف الطاقة المستدامة

عندما نتحدث عن الابتكار في القرن الحادي والعشرين، غالبًا ما يتجه الذهن إلى شركات التكنولوجيا العملاقة أو وادي السيليكون. لكن في قلب هذا المشهد، تبرز شخصية مميزة هي جيسيكا أو. ماثيوز، رائدة أعمال ومخترعة جمعت بين العلم والرؤية المجتمعية لتعيد صياغة مفهوم الطاقة المستدامة.

فهي لم تقدم مجرد اختراعات، بل بنت منظومة متكاملة تهدف إلى جعل البنية التحتية أداة لتحقيق العدالة الاقتصادية والاجتماعية.

ووفقًا لـ Climate & Capital Media، فإن قصتها تعد واحدة من أكثر القصص إلهامًا في مجال الابتكار الاجتماعي.

الشرارة الأولى: كيف بدأت الفكرة؟

عادة ما تبدأ الأفكار الكبيرة من مشكلات صغيرة، وهذا ما حدث مع جيسيكا. ففي عمر التاسعة عشرة، كانت تشاهد أطفالًا في المجتمعات النامية يفتقدون الكهرباء اللازمة للدراسة بعد غروب الشمس.

ومن هنا ابتكرت كرة SOCCKET التي تحول الطاقة الناتجة عن اللعب إلى كهرباء قابلة للتخزين. بحسب تقرير ICBA.org، فقد كان هذا الاختراع نقطة التحول التي جعلت جيسيكا، تدرك أن الحلول التكنولوجية يمكن أن تغير واقع ملايين البشر.

ومن هنا لم يعد طريقها مقتصرًا على الدراسة الأكاديمية فقط، بل اتجهت نحو ريادة الأعمال والبحث عن حلول قابلة للتطبيق على نطاق واسع.

من الابتكار الفردي إلى تأسيس شركة عالمية

الخطوة التالية كانت تأسيس شركتها Uncharted Power (المعروفة سابقًا باسم Uncharted Play). لم تكن مجرد شركة ناشئة تبحث عن الأرباح، بل مؤسسة تسعى إلى بناء حلول للبنية التحتية الذكية.

ووفقًا لـ AAE Speakers، فإن الشركة بدأت بمشروع واحد ثم توسعت لتصبح منصة عالمية تركز على توليد الطاقة وتوزيعها بطرق مبتكرة. وتؤكد “جيسيكا” أن هدفها لم يكن بيع منتجات فقط، بل بناء نموذج أعمال قائم على الاستدامة والعدالة.

التعليم كعامل تمكين أساس

من المهم أن نشير إلى أن نجاح جيسيكا لم يكن وليد الصدفة. فقد درست علم النفس والاقتصاد في Harvard College، ثم حصلت على ماجستير إدارة الأعمال من Harvard Business School.

وبحسب Fast Company Board Profile، فإن هذا المزيج من العلوم الإنسانية والاقتصاد مكنها من فهم سلوكيات الأفراد والمجتمعات، وفي الوقت ذاته تحليل الأسواق والاستثمار فيها بذكاء. أي أن جيسيكا لم تكتف بالجانب التقني للابتكار، بل امتلكت الأدوات اللازمة لتحويل الأفكار إلى شركات ناجحة.

اختراعات تخدم الإنسان أولًا

لا يمكن الحديث عن جيسيكا دون التطرق إلى براءات اختراعها. فهي تمتلك أكثر من 11 براءة اختراع (مسجلة أو قيد الانتظار) في مجالات تخزين وتوليد ونقل الطاقة، وفقًا لـ Climate & Capital Media.
من بين هذه الابتكارات:

  • كرة SOCCKET، التي استخدمت في إفريقيا وأمريكا اللاتينية.
  • حبل القفز Pulse، الذي يولد الكهرباء من الحركة اليومية للأطفال.
  • أنظمة ذكية للبنية التحتية قادرة على تحويل الطرق والممرات إلى مصادر طاقة متجددة.

هذه الابتكارات لم تكن مجرد أفكار نظرية، بل طبقت فعليًا في المجتمعات التي تحتاج إليها؛ حيث تم توزيع ما يقارب نصف مليون جهاز بحلول عام 2017.

اعتراف عالمي ومكانة مؤثرة

لم يمر هذا الجهد دون أن يقدر. فقد حصلت جيسيكا على جوائز وأوسمة عديدة، منها:

  • جائزة Scientist of the Year من جامعة هارفارد عام 2012.
  • إدراجها في قائمة Forbes 30 Under 30 لرواد الأعمال الشباب.
  • اختيارها من قِبل Fortune ضمن أقوى رائدات الأعمال وأكثرهن وعدًا.
  • في عام 2020، حصلت على لقب One Young World Entrepreneur of the Year.

وبحسب Black PR Wire، فإن هذه التكريمات ليست مجرد اعتراف بإنجازاتها الفردية، بل تأكيد على مكانتها كأيقونة في مجال الابتكار الاجتماعي.

جيسيكا أو. ماثيوز

دورها في صياغة سياسات الطاقة

لم تكتف جيسيكا بدور رائدة الأعمال، بل امتد تأثيرها إلى مستويات سياسية وإستراتيجية. ففي عام 2021، تم تعيينها في لجنة استشارية للطاقة بوزارة الطاقة الأمريكية، وفقًا لما نشره AAE Speakers. وهذا المنصب منحها فرصة لتوجيه السياسات المتعلقة بالطاقة المتجددة، مما يعكس ثقة المؤسسات الرسمية في رؤيتها المستقبلية.

تجربة التمويل وكسر الحواجز

من التحديات الكبرى التي واجهتها جيسيكا كونها امرأة سوداء في عالم ريادة الأعمال التقنية؛ حيث تشير الدراسات إلى أن النساء وخاصة النساء ذوات البشرة السمراء يواجهن صعوبات هائلة في الحصول على التمويل.

ومع ذلك، استطاعت في عام 2016 أن تجمع جولة تمويلية Series A قياسية، لتصبح من أوائل النساء السود اللواتي يحققن هذا الإنجاز. وبحسب تقرير ICBA.org، فقد اعتبرت هذه اللحظة علامة فارقة في تمكين رائدات الأعمال من خلفيات متنوعة.

أثر اجتماعي واقتصادي واسع

إذا نظرنا إلى إنجازات جيسيكا من زاوية اقتصادية، نجد أنها لم تكتف بتحقيق أرباح لشركتها، بل ساهمت في خلق قيمة اقتصادية لمجتمعات بأكملها.

فمنتجاتها وفرت الكهرباء لمئات الآلاف، وهو ما ساعد على تعزيز التعليم، ودعم المشاريع الصغيرة، وتحسين جودة الحياة في المناطق النامية.

وبحسب Climate & Capital Media، فإن هذه التأثيرات تتجاوز الجانب الإنساني لتنعكس على النمو الاقتصادي، حيث تُعتبر الطاقة أحد المحركات الأساسية للتنمية.

مشاريع مستقبلية وطموحات لا تتوقف

لم تتوقف جيسيكا عند حدود شركتها، بل ساهمت أيضًا في تأسيس مشروع سد كهرومائي بقدرة 30 ميغاوات في نيجيريا، وهو مشروع يهدف إلى تزويد المجتمعات بالطاقة المستدامة على نطاق أوسع.

كما أنها تخطط لتوسيع نطاق عمل Uncharted Power ليشمل حلولًا للبنية التحتية الذكية في المدن الكبرى، بحيث يمكن تحويل الطرقات ومرافق النقل إلى شبكات طاقة نظيفة.

أسلوب قيادي مختلف

بحسب موقع Inclusive Leadership، فإن جيسيكا تتميز بأسلوب قيادي يجمع بين الإلهام العملي والواقعية. فهي تصف نفسها بأنها “مزيج بين بيونسيه وبيل ناي العالم العلمي”، في إشارة إلى أنها تقدم رسائلها العلمية بروح مرحة وجذابة.

هذا الأسلوب مكنها من الوصول إلى شرائح مختلفة من الجماهير، من المستثمرين إلى الأطفال في المدارس.

دروس مستفادة من رحلتها

قصة “جيسيكا” تحمل العديد من الدروس لرواد الأعمال:

  1. الابتكار يمكن أن يبدأ من مشكلة يومية بسيطة.
  2. التعليم المتعدد التخصصات يمنح قدرة أكبر على حل المشكلات.
  3. المثابرة وكسر الحواجز أمر ضروري للنجاح في بيئة مليئة بالتحديات.
  4. الأثر الاجتماعي ليس متناقضًا مع النجاح الاقتصادي، بل يمكن أن يكون أساسه.

ما وراء الحدود التقليدية

رحلة جيسيكا أو. ماثيوز ليست مجرد قصة نجاح فردي، بل هي نموذج لكيف يمكن للتكنولوجيا أن تعيد صياغة العلاقة بين الإنسان والطاقة.

ووفقًا لمقالة في ICBA.org، فإن ما يميز جيسيكا ليس اختراعاتها وحدها، بل قدرتها على تحويل الابتكار إلى حركة شاملة للتغيير المجتمعي.

لقد كسرت الحواجز العرقية والجندرية في مجال يهيمن عليه الذكور، وأسست شركة تقدر قيمتها بعشرات الملايين، وفي الوقت ذاته لم تنس رسالتها الإنسانية.

قصتها تثبت أن ريادة الأعمال ليست مجرد طريق للثروة، بل وسيلة لبناء مستقبل أكثر عدلًا واستدامة.

الرابط المختصر :