منصة إعلامية عربية متخصصة فاعلة في مجال الاقتصاد بروافده المتعددة؛ بهدف نشر الثقافة الاقتصادية، وتقديم المعلومات والمصادر المعرفية السليمة التي تسهم في نشر الوعي الاقتصادي، ومساعدة أصحاب القرار في اتخاذ القرارات الصائبة التي تقود الاقتصاد نحو تنمية فاعلة ومستدامة.

كيف أنقذ أنطونيو سالازار البرتغال من الهاوية المالية؟

في المشهد المالي العالمي المعاصر، تختلف الأدوات والآليات لحل أزمات الديون، وتتوزع على مسارات رئيسة، منها برامج التكيف الهيكلي التي يقودها صندوق النقد والبنك الدوليين. ومنها إعادة الهيكلة وجدولة الديون وطباعة العملة وإصدار سندات وإعادة التمويل. وأخيرًا مقايضة الديون بـمشروعات تنموية. تتضمن إعفاء الدول النامية من بعض ديونها مقابل التزامها بالاستثمار، لكن هذه الأدوات جميعها لم تثبت نجاحات حقيقية تحتفل بها المنظمات التي تقف خلفها.

صرامة الأستاذ الجامعي ودهاء السياسي المحنك

في هذا الوقت الذي يتسم بالغموض، يوفر لنا تاريخ الاقتصاد السياسي الكثير من الدروس. منها الدرس الذي قدمه أنطونيو أوليفيرا سالازار. الذي يعد من الشخصيات القليلة التي استطاعت أن تدمج بين صرامة الأستاذ الجامعي ودهاء السياسي المحنك.

فعندما تولى حقيبة وزارة المالية في البرتغال عام 1928، لم يكن البلد مجرد غارق في الديون والاضطرابات، بل كان على حافة الفناء الاقتصادي والسياسي الكامل.

ومن رحم تلك الفوضى، استطاع سالازار أن يصنع نموذجًا استثنائيًا في “الدكتاتورية المالية”. لا لكي يستعبد شعبه، بل لكي يمنحه طوق النجاة، محققًا عبقرية اقتصادية جعلت منه قائدًا تاريخيًا استثنائيًا.

حكاية سالازار تبدأ بمشهد قاتم يعكس إرث الجمهورية الأولى (1910-1926). حيث عاشت البرتغال حقبة اتسمت بالفوضى العارمة، وتعاقب الحكومات، ووصول التضخم إلى مستويات فلكية، في وقت استنزفت الخزينة العامة في مغامرات عسكرية غير محسوبة وميزانيات عجز مزمنة.

منقذ من خارج الصندوق

الخلاصة أن الدولة البرتغالية كانت عاجزة تمامًا عن سداد ديونها الخارجية والداخلية، وفقد المواطن البرتغالي الثقة بالعملة الوطنية وبمؤسسات الدولة.

وفي ظل هذا المناخ القاتم، جاء الانقلاب العسكري في 28 مايو 1926، ليبحث قادة الانقلاب عن منقذ من خارج الصندوق. فوقع الاختيار على أستاذ اقتصاد سياسي بجامعة كويمبرا هو أنطونيو سالازار، والذي لم يقبل المنصب بسهولة، بل اشترط سلطة مطلقة غير مشروطة على ميزانيات الوزارات كافة.

وفعليًا، وضع سالازار أساس ما يمكن وصفه بـ “الدكتاتورية المالية”. وهي سياسة صارمة تعتمد على مبدأ لا رجعة فيه: “لا صرف  من دون تغطية. ولا دين بلا خطة سداد”، وفرض سالازار نظام تقشف قاسيًا للغاية، شمل ثلاثة عناصر رئيسة:

الأول، خفض الإنفاق الحكومي وتقليص ميزانيات الوزارات بلا استثناء، بما فيها وزارة الدفاع, والثاني إصلاح النظام الضريبي. لسد الثغرات. وتحصيل الضرائب بكفاءة وعدالة نسبية. لضمان تدفق الإيرادات، والثالث تحقيق التوازن المالي، والذي مكن الميزانية البرتغالية لأول مرة منذ عقود في فائضًا ماليًا في سنواتها الأولى، وهو إنجاز بدا أشبه بمعجزة في ذلك الوقت.

أساس عبقري لمفهوم الاستقلال المالي

سالازار وضع أساس عبقري لمفهوم الاستقلال المالي والاعتماد على الذات. في وقت كانت فيه دول العالم تعتمد بشكل مفرط على القروض الدولية والأسواق المالية المتقلبة – خصوصًا إبان الكساد الكبير عام 1929 – اتخذ سالازار مسارًا مختلفًا تمامًا.

فقد رفض الخضوع لشروط القروض الأجنبية المجحفة التي تفرضها المؤسسات الدولية آنذاك. وبدلًا من الاستدانة، اعتمد على الإنتاج المحلي والادخار الوطني.

استطاعت سياسات سالازار إعادة الثقة في العملة البرتغالية (الإسكودو). حتى أصبحت واحدة من أكثر العملات استقرارًا في أوروبا خلال فترة الثلاثينيات والأربعينيات.

هذا الاستقرار جعل البرتغال بمنأى عن الكثير من الهزات الاقتصادية العالمية، وأثبت أن الاقتصاد القومي يمكنه أن يقف على قدميه إذا توفرت الإرادة السياسية الصارمة.

ولم يقتصر إنجاز سالازار على الأرقام والموازنات فحسب، بل تحولت هذه العبقرية الاقتصادية إلى رافعة سياسية صنعت منه زعامة تاريخية لا تُنسى.

الشرعية الاقتصادية لسالازار

لقد رأى الشعب البرتغالي في شخصيته الزاهدة والمتجردة رمزًا للنظام، والاستقرار، والأمن بعد سنوات من الفوضى. هذا النجاح الاقتصادي مهد الطريق أمامه لتأسيس نظام “الدولة الجديدة” (Estado Novo) عام 1933.

صحيح أن هذا النظام كان ذا طابع سلطوي ومقيدًا للحريات السياسية. إلا أن الشرعية التي استند إليها سالازار طوال عقود حكمه لم تكن مستمدة فقط من القوة العسكرية. بل من الشرعية الاقتصادية؛ فقد استطاع أن يوفر للمواطن البسيط الخبز، والأمان، والاستقرار النقدي.

كذلك نجح سالازار في اتباع سياسة “الحياد الذكي” إبان الحرب العالمية الثانية؛ حيث واصل تجارة المواد الخام الحيوية. مثل مادة التنجستن المستعملة في الصناعات العسكرية. مع طرفي النزاع (الحلفاء والمحور). ما أدى إلى تدفق كميات ضخمة من الذهب والعملات الصعبة إلى الخزانة البرتغالية. لتصبح البرتغال واحدة من أكثر الدول امتلاكًا للاحتياطي النقدي والذهبي في أوروبا آنذاك. خاصة أن الدولة نجحت في تنظيم الاقتصاد من خلال دمج قطاعات العمل وتجميع أصحاب العمل والعمال في “نقابات أو هيئات مشتركة”. تديرها وتراقبها الدولة بصرامة للتحكم في الأسعار، والإنتاج، والأجور، وكذلك منع الإضرابات.

والأهم أن نموذج سالازار الاقتصادي روج بقوة تقديم “الطريق الثالث”. الذي يرفض الصراع الطبقي ذا الخلفية الشيوعية. والذي يرفض الفوضى الرأسمالية القائمة على السوق الحرة المطلقة. فكان يسعى لتحقيق التوازن الاقتصادي والوئام الاجتماعي عبر إخضاع مصالح الأفراد لمصلحة الأمة العليا.

لا شك أن تجربة أنطونيو سالازار الاقتصادية تمثل نموذجًا فريدًا في التاريخ الاقتصادي. استطاع من خلالها شخص امتلاك صلاحيات كبيرة مكنته من صنع معجزة اقتصادية. ما أعطى تلك التجربة وزنًا في تاريخ الاقتصاد السياسي. إذ يمكنها أن تلهم حكومات وزعماء الدول التي تعاني من ديون وتحديات توازن مالي ضخمة. فبرنامج العمل الصارم قد يمكن الدول من الخروج من أعمق الأزمات المالية. إذا ما اقترن العلم الاقتصادي بالإرادة الحديدية والنزاهة المطلقة.

وقد اتفق المؤرخون على أن أهم إرث سياسي لسالازار هو أنه الرجل الذي انتشل البرتغال من قاع الإفلاس. وصنع بقراراته الجريئة صفحة بارزة في تاريخ القيادة الاقتصادية.

 

الدكتور عاطف الشبراوي

أستاذ ريادة الأعمال والابتكار بالجامعة اليابانية المصرية للعلوم والتكنولوجيا

الرابط المختصر :