منصة إعلامية عربية متخصصة فاعلة في مجال الاقتصاد بروافده المتعددة؛ بهدف نشر الثقافة الاقتصادية، وتقديم المعلومات والمصادر المعرفية السليمة التي تسهم في نشر الوعي الاقتصادي، ومساعدة أصحاب القرار في اتخاذ القرارات الصائبة التي تقود الاقتصاد نحو تنمية فاعلة ومستدامة.

هل تصبح جازان أو أبها وجهة سعودية رائدة للتقنيات المتقدمة؟

في ظل التحولات الشاملة التي تشهدها المملكة العربية السعودية، بات من الضروري إعادة النظر في الأدوار الاقتصادية والتقنية لمختلف المناطق، ومع توجه الدولة لتنويع الاقتصاد، لم يعد حكرًا على مدن مثل الرياض أو جدة أو نيوم أن تكون وحدها مراكز للابتكار؛ بل إن مناطق مثل جازان وأبها بدأت تدخل دائرة الاهتمام؛ ما يفتح الباب أمام تساؤل جوهري:

هل تملك جازان أو أبها المقومات اللازمة؛ لتصبح مركزًا متقدمًا للتقنية والابتكار في المملكة؟

الإجابة على هذا السؤال تتطلب تحليلًا دقيقًا للبنية التحتية، السياسات الحكومية، تدفقات الاستثمار، والواقع التنموي في كل من المدينتين.

“جازان”: صعود إلى القمة الصناعية

على مدى سنوات طويلة، لم تكن جازان تدرج ضمن الخطط التنموية الكبرى في المملكة، لكن هذا الواقع تغير جذريًا منذ إطلاق رؤية 2030. 

وقد أصبحت “جازان” إحدى أبرز المناطق التي يتم العمل على تطويرها صناعيًا واقتصاديًا بشكل ممنهج.

إحدى أبرز خطوات التحول تمثلت في إطلاق “المنطقة الاقتصادية الخاصة بجازان” في عام 2023، والتي جاءت ضمن سلسلة من المناطق الاقتصادية التي أنشئت لجذب استثمارات إستراتيجية في قطاعات متقدمة تشمل الطاقة، التقنية، والصناعات التحويلية.

هذا الإعلان كان بمثابة إشارة قوية إلى أن جازان باتت تستهدف أدوارًا أكبر بكثير من كونها مجرد منطقة زراعية أو بحرية.

ووفقًا لتقارير منشورة في مواقع دولية مثل “Construction Week Online” و”Aramco Newsroom”؛ فإن “جازان” استقطبت استثمارات كبرى. أبرزها مشروع مجمع الصناعات التحويلية والطاقة التابع لأرامكو، والذي بلغت قيمته ما يزيد عن 21 مليار دولار. 

هذا المجمع يعد أحد أكبر المشاريع الصناعية في المملكة ويحتوي على تكنولوجيا متقدمة في التكرير وتحويل المنتجات الثانوية إلى طاقة نظيفة.

إلى جانب ذلك، تشير البيانات إلى أن حجم الاستثمارات الصناعية في جازان تجاوز 71 مليار ريال حتى عام 2024. 

وتشمل هذه الاستثمارات مجالات متنوعة؛ مثل الصناعات الغذائية، البتروكيماويات، المعادن، وأنظمة سلاسل الإمداد الذكية.

كما شهد منتدى الاستثمار بجازان في نوفمبر 2023 توقيع مذكرات تفاهم بقيمة تجاوزت 32 مليار ريال، تضمنت مشاريع في الابتكار البيئي، تصنيع التقنيات المتقدمة، واللوجستيات الذكية.

من الناحية التنظيمية، تم تهيئة بيئة محفزة للاستثمار التقني. من خلال بنية تحتية لوجستية متطورة، تشمل ميناء جازان الصناعي، ومدن صناعية حديثة. بالإضافة إلى منظومة دعم حكومية توفر تسهيلات ضريبية وتشريعية للمستثمرين في مجالات التقنية والابتكار.

كل هذه العوامل تجعل من جازان منطقة واعدة للتحول إلى مركز متقدم في مجال التكنولوجيا، لا سيما في تقنيات الطاقة، الروبوتات الصناعية، وأنظمة التصنيع المؤتمت.

أبها: موقع جغرافي مميز.. لكن توجه غير تقني

في المقابل، تبدو مدينة أبها في السعودية في موقع مختلف تمامًا. فعلى الرغم من أهميتها الإدارية باعتبارها عاصمة منطقة عسير، وما تتمتع به من جاذبية سياحية وثقافية؛ فإن حضورها في المشهد التقني والابتكاري لا يزال محدودًا.

أبها تركز حاليًا بشكل أكبر على تحسين جودة الحياة، وتعزيز دورها كوجهة سياحية وموسمية في المملكة العربية السعودية، لكنها حتى الآن لا تمتلك مشاريع صناعية كبرى، أو مناطق اقتصادية خاصة مخصصة لجذب الابتكار والتقنية. 

كما أن التوجه العام للسياسات المحلية في المنطقة يركز على التطوير العمراني والبنية السياحية أكثر من استقطاب الاستثمارات التكنولوجية.

لا توجد، بحسب البيانات المتاحة من المصادر الأجنبية، مؤشرات على شراكات دولية مع شركات تقنية كبرى، أو مبادرات لبناء حاضنات أعمال أو مجمعات صناعية قائمة على التقنية.

وبالرغم من وجود عدد من الجامعات والمؤسسات الأكاديمية في أبها؛ إلا أن الاستثمار في البحث والتطوير والابتكار لم يتحول بعد إلى محور استراتيجي، سواء على مستوى القطاع العام أو الخاص.

وهذا يجعل أبها، حتى اللحظة، خارج نطاق المدن التي يتوقع أن تلعب دورًا رئيسًا في منظومة التقنية الوطنية. ما لم يتم تبني سياسة جديدة توجه المدينة نحو هذا المسار.

قراءة تحليلية في الاتجاه العام

بناءً على المعطيات المتوفرة، يظهر تباين واضح بين المسارين اللذين تتجه نحوهما جازان وأبها.
ففي حين تسير جازان بخطى ثابتة نحو أن تصبح مركزًا استراتيجيًا للصناعة المتقدمة والتقنية. بفضل الدعم الحكومي والبنية الصناعية والتشريعية. لا تزال أبها تفتقر إلى خطة واضحة لتبني هذا الاتجاه.

ومع ذلك، لا يمكن اعتبار هذا الوضع دائمًا أو نهائيًا. فإمكانات أبها السياحية والثقافية قد تتيح لها في المستقبل تطوير نموذج مختلف من الابتكار، مثل مراكز الابتكار السياحي. أو تطوير تقنيات المدن الذكية في البيئات الجبلية. لكن ذلك يحتاج إلى إرادة سياسية واستراتيجية موجهة بشكل دقيق.

الاستنتاج النهائي

من الواضح أن جازان تتحول تدريجيًا إلى مركز سعودي جديد للتقنيات المتقدمة. خاصة في المجالات المرتبطة بالصناعة والطاقة. هذا التحول مدعوم بإرادة سياسية واضحة. وبنية تنظيمية متكاملة، وتدفقات استثمارية كبيرة من الداخل والخارج.

في المقابل، لا توجد حاليًا مؤشرات كافية تدعم فرضية تحول أبها إلى مركز تقني، على الرغم من إمكاناتها الطبيعية والبشرية. ما يستدعي إعادة تقييم إستراتيجيات التنمية في المدينة، إذا كانت ترغب في الدخول إلى منظومة الابتكار الوطنية خلال العقد القادم.

الرابط المختصر :