حرب الطحالب العالمية.. السعودية تسابق الزمن لتأمين موقعها بسوق الوقود الحيوي
في السنوات الأخيرة، لم يعد الحديث عن الوقود الحيوي مجرد ترف بيئي أو تجربة مخبرية، بل أصبح ساحة تنافس عالمي توصف أحيانًا بـ”حرب الطحالب”، حيث تسعى الدول الكبرى لتأمين بدائل مستدامة للوقود الأحفوري، وخفض الانبعاثات الكربونية، وتحقيق أهداف الحياد المناخي.
وبرزت في هذا السباق، المملكة العربية السعودية كقوة صاعدة، تستثمر في مواردها الطبيعية. ومراكزها البحثية، وقطاعها الصناعي، لتكون لاعبًا رئيسيًا في هذه السوق الناشئة.
موارد طبيعية وموقع استراتيجي مثالي
ووفقًا لتقرير منشور في Cell Press عام 2022، تعد المناطق المشمسة مثل شبه الجزيرة العربية بيئة مثالية لإنتاج الطحالب، نظرًا لوفرة الإشعاع الشمسي، وإمكانية استخدام المياه المالحة أو حتى مياه الصرف الصناعي في عمليات الزراعة، مما يحد من الضغط على الموارد العذبة.
كما أن وجود سواحل ممتدة على البحر الأحمر والخليج العربي، ومساحات سبخية غير مستغلة. يتيح فرصًا لإقامة مزارع ضخمة يمكن ربطها بالصناعات القائمة، مثل منشآت البتروكيماويات، للاستفادة من غازات ثاني أكسيد الكربون المنبعثة كمغذيات أساسية للطحالب.
من المختبر إلى مزارع الإنتاج
لكن الطبيعة المواتية تحتاج إلى دعم علمي وتقني. وهنا تلعب جامعة الملك عبدالله للعلوم والتقنية (KAUST) دورًا محوريًا؛ إذ تعمل فرقها البحثية على تطوير أنظمة استزراع لأنواع طحالب محلية، مثل Spirulina وChlorella، باستخدام مياه البحر فقط. مما يقلل التكاليف ويحافظ على الموارد.
وبحسب تقرير نشره AgTech Navigator في فبراير 2024، توسعت الجامعة من إنتاج مخبري محدود إلى مزارع تجريبية بمساحة 42 ألف متر مربع، ما يقرّب هذه الأبحاث من التحول إلى مشاريع صناعية واسعة النطاق.
من جهة أخرى، يقود مشروع SABA الذي تدعمه مدينة الملك عبدالعزيز للعلوم والتقنية (KACST) أبحاثًا لاختيار الطحالب الأكثر إنتاجًا للدهون. ضمن ما يسمى بـ”المصنع البيولوجي المتكامل”، الذي يهدف إلى إنتاج وقود حيوي، وأعلاف حيوانية، ومنتجات كيميائية ذات قيمة اقتصادية. ووفقًا لـEcoMENA، فإن هذا المشروع يسعى إلى خلق صناعة متكاملة تحقق فوائد بيئية واقتصادية وتشغيلية على مدى العقد القادم.
القطاع الخاص يدخل السباق
وبالتوازي مع الجهود البحثية، بدأت شركات ناشئة سعودية دخول هذا القطاع الواعد.
على سبيل المثال، طورت شركة Green Desert Tech أنظمة مراقبة ذكية لظروف زراعة الطحالب. تسمح بالتحكم الدقيق في الإضاءة والحرارة والملوحة، مما يزيد الإنتاجية ويقلل من استهلاك المياه.
ووفقًا لما نشرته Arab News في أكتوبر 2024، فإن هذه التقنيات لا توفر المياه فحسب. بل تعيد تدويرها بالكامل داخل أنظمة الزراعة، ما يجعلها خيارًا أكثر استدامة من الزراعة التقليدية.
من النفط التقليدي إلى الوقود الحيوي
أكبر إشارة على جدية السعودية في خوض “حرب الطحالب” جاءت من شركة أرامكو السعودية، التي أطلقت في عام 2021 أول محطة تجريبية ميدانية لتحويل الطحالب الدقيقة إلى “بايوكراود” (Biocrude). وهو زيت حيوي يمكن معالجته في المصافي وخلطه مع النفط الخام لإنتاج وقود منخفض الكربون.
ووفقًا لتقرير نشره موقع Aramco عام 2023. فإن هذه التجربة تمثل خطوة نحو دمج الوقود الحيوي في سلاسل الإنتاج الحالية، مما يسرّع من تبنيه على نطاق واسع دون الحاجة إلى إعادة بناء البنية التحتية.
سوق ينمو بدعم رؤية 2030
الأرقام تشير بوضوح إلى أن هذه المبادرات بدأت تؤتي ثمارها. فوفقًا لتقرير صادر عن IMARC Group في يونيو 2025. بلغ حجم سوق الوقود الحيوي في السعودية نحو 895.8 مليون دولار في عام 2024. مع توقعات بالوصول إلى 2.5 مليار دولار بحلول عام 2033. بمعدل نمو سنوي مركب يبلغ 10.8%.
هذا النمو مدفوع بالدعم الحكومي القوي من خلال رؤية السعودية 2030 والمبادرة الخضراء السعودية، اللتين تضعان الطاقة النظيفة وتقليل الانبعاثات الكربونية في صلب أولوياتهما.
تحديات الطريق إلى الريادة
ومع ذلك، فإن المنافسة ليست سهلة. وفقًا لدراسة نشرتها ScienceDirect. فإن تكلفة إنتاج الوقود الحيوي من الطحالب لا تزال مرتفعة مقارنة بالوقود الأحفوري، ويرجع ذلك إلى تكلفة عمليات الحصاد والاستخلاص والمعالجة.
كما تواجه المملكة منافسة من دول مثل الولايات المتحدة وأستراليا والصين. التي استثمرت بشكل كبير في هذا المجال.
من مشروع بيئي إلى رهان اقتصادي عالمي
في النهاية، يبدو أن السعودية لا تنظر إلى الطحالب فقط كمصدر بديل للطاقة. بل كجزء من استراتيجية اقتصادية أوسع تهدف إلى تنويع مصادر الدخل الوطني، والمشاركة بفاعلية في الاقتصاد العالمي منخفض الكربون.
ومع استمرار الابتكار، وتوسيع نطاق الإنتاج، وتحسين كفاءة العمليات، قد تتحول المملكة من لاعب ناشئ إلى قائد عالمي في حرب الطحالب خلال العقدين المقبلين.
التعليقات مغلقة.