هل تتحول فرنسا إلى “يونان” جديدة بالاتحاد الأوروبي؟
تعاني فرنسا في الوقت الراهن أزمة اقتصادية تعد الأخطر في تاريخ الجمهورية الفرنسية الخامسة، خاصة في ظل ارتفاع عجز الموازنة وعدم اعتماد ميزانية جديدة، وتزامن ذلك مع تقديم حكومة رئيس الوزراء ميشيل بارنييه استقالتها عقب حجب البرلمان الثقة عنها.
بارنييه وماكرون
وعقب الاستقالة، طلب ماكرون من بارنييه تصريف الأعمال حتى تعيين رئيس وزراء جديد. وبسبب هذه التطورات؛ فثاني أكبر اقتصاد في أوروبا مهدد بالدخول إلى أزمة كبرى، تهدد قدرتها على السيطرة على العجز الضخم في الميزانية.
وخلال الفترة الماضية، ارتفعت توقعات عجز الميزانية في العام الحالي من 5 % إلى ما يزيد على 6 % من الناتج المحلي الإجمالي لفرنسا. وسبق وأن قدم رئيس الوزراء المستقيل “بارنييه” خطة في أكتوبر لخفض عجز الميزانية إلى نسبة 3 % المنصوص عليها في ميثاق الاستقرار الأوروبي بحلول عام 2029.
وقد لجأ “بارنييه” إلى محاولة تمرير الجزء الأول من خطته عبر البرلمان في ميزانية عام 2025؛ لكن النواب في الجمعية الوطنية “البرلمان” اختاروا حجب الثقة عن حكومة “بارنييه” بعد ثلاثة أشهر فقط على توليه مهامه. في خطوة تعمق الأزمة السياسية والاقتصادية داخل البلاد.
الجمهورية الخامسة
ومنذ تأسيس الجمهورية الخامسة تصنف فترة ولاية “بارنييه” كرئيس للوزراء على أنها الأقصر من بين كل فترات رؤساء الوزارات السابقين. وتعد هذه المرة هي الثانية التي يتم فيها التصويت على إصقاط حكومة منذ هذا العهد.
وتضمنت ميزامية “بارنييه” 60 مليار يورو زيادات ضريبية. إضافة إلى خفض الإنفاق لتقليص عجز فرنسا، والذي من المتوقع أن يصل إلى 6 % من الناتج المحلي الإجمالي هذا العام.
وما يعزز من صعوبة الموقف أن الرئيس الفرنسي مطالب في الوقت الراهن بضرورة اختيار رئيس وزراء جديد، في مهمة تصنف على أنها مستحلية في ظل برلمان منقسم إلى ثلاث كتل، لا يقترب أي منها من الحصول على أغلبية حاكمة.
وذكر تقرير نشرته، صحيفة “فايننشال تايمز” البريطانية، أن الأسواق المالية في أوروبا في خطر كبير حاليًا. خاصة ونحن على موعد مع تكرار تجربة اليونان من جديد في أوروبا.
وأكد رئيس الوزراء السابق أن فرنسا في مهب عاصفة مالية قوية حال إسقاط حكومته دون إقرار ميزانيتها. وأضاف: “فتكاليف الاقتراض سيكون الطريق مفتوحًا أمامها لتجاوز 60 مليار يورو العام المقبل”. وهذا الرقم في حد ذاته مرتفعًا عن ميزانية الدفاع الفرنسية.
وذكر التقرير أن تكاليف الاقتراض على السندات الفرنسية لأجل عشر سنوات بلغ أعلى مستوى له في 12 عامًا. وهو ما عكس قلق المستثمرين من الفشل المتوقع لحكومة “بارنييه” وهذا ما حدث فعليًا.
وبحسب التقرير؛ فإن استراتيجيي “يو بي إس” بقيادة فاسيلي سيريبرياكوف قالوا في مذكرة للعملاء، إن التوترات الفرنسبة حاليًا أمرًا لا يدعوا إلى التفاؤل؛ حيث قد ينتج عنه تراجع التدفقات الأجنبية إلى السندات الفرنسية.
ويتزامن ذلك مع تهديد ترامب بتعريفات جمركية جديدة على أوروبا. وهو أمر في المجمل لن تكون نتائجه إيجابية على اليورو.
جمهورية سادسة
بدروه، قال الكاتب الصحفي المقيم في فرنسا نزار الجليدي: “إنه منذ اتخاذ الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون قرارًا بحل البرلمان الفرنسي في يونيو الماضي، عقب سيطرة اليمين المتطرف عليه جعلت من البرلمان الفرنسي بتاريخه العريق شكلًا رمزيًا فقط وليس أداة فعالة وهذا ما نتج عنه أن أصبح الاقتصاد الفرنسي في حاجة ماسة إلى وجود نظام سياسي واضح ومستقر ويحفظ ألية كل سلطة”.
وأضاف “الجليدي”، في تصريحات خاصة لـ”الاقتصاد اليوم”، أن فرنسا أصبحت في الوقت الراهن في حاجة ماسة إلى إنشاء جمهورية سادسة. بدلًا من الجمهورية الخامسة التي تم تأسيسها في عام 1958.
واعتبر “الجليدي” أن المنظومة الحالية أصبحت عاجزة عن مواجهة التحديات والأوضاع الاقتصادية الفرنسية حاليا، والتي وصفها بأنها نتاج طبيعي لحالة عدم الاستقرار التي شملت الحكومات المتعاقبة، أيضًا الخوف السائد بين الطبقة السياسية والنخبة.
وبين “الجليدي” أن الإطاحة بحكومة ماكرون خطوة في سلسلة من الأزمات المتتالية. التي قد ينتج عنها في نهاية المطاف استقالة الرئيس الحالي ماكرون.
معاناة السياحة
ومن جانبه، قال المحلل عبد الغني العيادي: “إن الاقتصاد الفرنسي يعاني في الوقت الراهن أزمة كبيرة خيمت بدورها على الاقتصاد الكلي للبلاد. كما أثرت على قطاعات عدة على رأسها النقل والطاقة والسياحة”.
وأضاف “العيادي”، في تصريحات خاصة لـ”الاقتصاد اليوم”، أنه من أبرز النتائج السلبية التي ظهرت أثرها تعطل الإنتاج بسبب الاضطربات السياسية. وهذا ما أصاب قطاعات، مثل: الصناعية، والخدمية، بحالة من الخلل. وسوق المال وشركات كبرى تأثرت أسهمها على نحو لافت أيضًا. حتى أن بعض الشركات فقدت 10% من القيمة السوقية لها.
ورصد “العيادي” تأثر قطاع السياحة الذي انخفضت الحجوزات به في المدن الكبرى إلى 20 % على مستوى الفنادق والمطاعم وقطاع النقل. وهو قطاع مهم يمثل 8 % من الناتج المحلي الفرنسي. وتزامن مع ارتفاع النفقات الحكومية على عمليات التشغيل بسبب الاضطرابات لتعويض الخسائر؛ ما يمثل عبئًا إضافيًا على موازانة الدولة.
كما شدد “العيادي” على أن الاقتصاد الفرنسي في الوقت الراهن بحاجة ماسة إلى إحداث إصلاحات اقتصادية ضخمة وعميقة، بهدف استعادة الثقة في الاقتصاد الفرنسي وجذب استثمارات جديدة إليه.
واختتم بأن الاقتصاد الفرنسي مثال حي على مدى الضعف الذي قد يصيب أقوى وأكبر الاقتصادات بسبب الأزمات السياسية والاجتماعية.
كتب: مصطفى عبدالفتاح

التعليقات مغلقة.