لماذا لا يستحق معظم الاكتتابات العامة الأولية كل هذه الضجة؟
الضجة المصاحبة للاكتتابات العامة ليست بالأمر الجديد. لمشاهدة ذلك بأم عينيك كل ما تطلبه الأمر هو شركة ذات إمكانيات هائلة، وفرصة للثراء، وجمهور متعطش للشراء. وقد ساهم ازدهار سوق الأسهم في تمهيد الطريق لعروض أكثر جرأة. وقد نجح الأمر.
الاكتتابات العامة الأولية.. لماذا تحدث ضجة؟
تعد فقاعة الإنترنت مثالاً حديثًا ومثاليًا على هذا الجنون. ففي عام 1999 وحده، طرحت 478 شركة للاكتتاب العام. ما يقارب 80% منها كانت أسهم شركات تقنية. أكثر من 70% منها لم تحقق أرباحًا. لكن ذلك لم يُجدِ نفعًا.
فيما بلغ متوسط العائد في اليوم الأول للاكتتابات العامة الأولية عام 1999 نسبة 71%! كانت الظروف مثالية.
أيضًا بلغ الحماس الجماهيري ذروته، ووفر الإنترنت إمكانيات لا حصر لها، ومنحت الأسهم فرصة للثراء السريع. وكان الارتفاع المفاجئ في اليوم الأول مُفتعلًا.
لكن بحلول عام 1999، كانت البنوك الاستثمارية قد أتقنت فن الاكتتابات العامة الأولية.
فقد عرفت ما يلزم لتحقيق افتتاحية قوية وما يصاحبها من اهتمام. انخفاض عدد الأسهم المتاحة للتداول في البداية، وسعر طرح جذاب، وإقبال كبير من المشترين، كلها عوامل ضمنت تقريبًا سعرًا أعلى في اليوم الأول.
لقد نجحت الخطة بشكل مفرط. بعد ثلاث سنوات، خسرت جميع تلك الاكتتابات العامة الأولية تقريبًا أموالًا بعد انفجار الفقاعة.
في الوقت نفسه إن نمط الارتفاعات الكبيرة في اليوم الأول، مع الأداء الضعيف على المدى الطويل، ليس حكرًا على فقاعة الإنترنت.
بل هو أمر طبيعي. تُظهر البيانات من إحصائيات الاكتتابات العامة الأولية لجاي ريتر (الرابط أدناه)، والتي تعود إلى عام 1975، مدى شيوع هذا النمط.
شهدت ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي طفرة في الاكتتابات العامة الأولية. وبلغ متوسط الاكتتابات خلال العقدين حوالي 35 اكتتابًا شهريًا. وسجل شهر أكتوبر من عام 1996 أعلى عدد من الاكتتابات بواقع 104 اكتتابات. في الواقع، شهد عام 1996 اكتتابات أكثر من أي عام آخر خلال تلك الفترة.
هناك أمرٌ واحدٌ جديرٌ بالملاحظة، وهو أن عدد الاكتتابات العامة الأولية شهرياً أقل بكثير مما كان عليه في الفترة من 1980 إلى 2001. والاستثناء الوحيد كان موجة استحواذات الشركات ذات الأغراض الخاصة (SPACs) التي امتدت من 2020 إلى 2021، والتي تراجعت بحلول عام 2022.
في ذروتها، تم طرح أكثر من 100 اكتتاب عام أولي في شهور يناير وفبراير ومارس من عام 2021 وحدها، مع أكثر من 900 اكتتاب خلال العام. وكان ما يقرب من 70% منها عبارة عن شركات استحواذ ذات أغراض خاصة (SPACs).
اكتتاب شركة سبيس إكس؟
جمع طرح أسهم شركة سبيس إكس في البورصة في يونيو 86 مليار دولار، وقُدرت قيمة الشركة المصنعة للصواريخ بأكثر من تريليوني دولار.
وكانت قيمتها السوقية قد انخفضت بالفعل بمئات المليارات من الدولارات قبل أن تعلن الشركة عن أرباح فاقت التوقعات في 4 أغسطس.
ولا يعدّ إدراج سبيس إكس سوى البداية، إذ من المتوقع أن تطرح عدة شركات أخرى للاكتتاب العام هذا العام بقيم سوقية خيالية، من بينها:
- مختبرا الذكاء الاصطناعي Open AI وAnthropic.
- شركة Stripe لمعالجة المدفوعات.
- شركة Databricks لبرمجيات البيانات. وقد لفت حجم هذه الشركات الأنظار في وول ستريت، لكن يبقى السؤال: هل ستحقق أرباحًا للمستثمرين؟
ربما لاحظتم أيضًا نمطًا في الرسمين البيانيين حول فترات انخفاض السوق. يتراجع عدد الاكتتابات العامة الأولية بعد انخفاض السوق.
بينما يتضح هذا جليًا في أعقاب انهيار عام 1987، وانهيار فقاعة الإنترنت، والأزمة المالية العالمية، وسوق الأسهم الهابطة عام 2022. مع ذلك، لا يقتصر هذا النمط على الصدمات السوقية الكبرى.
اتضح أنه لا يتطلب الأمر انخفاضًا كبيرًا في السوق لتقليل عدد الاكتتابات العامة الأولية كما يوضح الرسم البياني أدناه.
بينما ينخفض عدد الاكتتابات، في المتوسط، كلما شهد السوق انخفاضًا شهريًا بنسبة 5% أو أكثر.
إلى جانب أنه ينخفض عدد الاكتتابات العامة الأولية بنحو النصف من الشهر الذي سبق انخفاض السوق إلى الشهر الذي تلاه.
في حين يبدو الأمر كما لو أن البنوك الاستثمارية تدرك أن ارتفاع الأسواق يولد الثقة، وأن زيادة الثقة تؤدي إلى زيادة اهتمام المستثمرين بالاكتتابات.
لذا، فإن تعليق الاكتتابات الجديدة بعد انخفاض السوق، ثم إعادة طرحها مجدداً بعد تعافيه، يصب في مصلحتها.
بينما خسرت 56% من الاكتتابات التي تم شراؤها بسعر العرض أموالها بعد 3 سنوات. وترتفع هذه النسبة إلى 57% بعد 5 سنوات.
وهنا تكون النسب أعلى عند الشراء بسعر إغلاق اليوم الأول: حيث خسرت 60% من الشركات أموالها بعد 3 و5 سنوات. أسوأ من رمي العملة.
نصائح قبل شراء الأسهم في الاكتتابات الأولية
- الارتفاع المفاجئ في اليوم الأول حقيقي. لأنها مصممة لتحقيق هذا الارتفاع. حيث إن محدودية المعروض من الأسهم، وسعر الطرح الجذاب، والطلب المرتفع من المشترين المتحمسين. كلها عوامل تزيد من احتمالية ارتفاع سعر الإغلاق في اليوم الأول للتداول.
- لا يضمن الارتفاع الكبير في اليوم الأول. لا يزال عليك اختيار الاكتتابات العامة الأولية المناسبة لأن نسبة تحقيق مكاسب في اليوم الأول. وإن كانت مرتفعة، ليست مضمونة بنسبة 100%.
- أداؤها أقل من أداء السوق. بينما يتفوق أداء السوق على متوسط أدائها على مدى 3 و 5 سنوات.
- معظمها تخسر أموالًا على المدى الطويل. أكثر من نصفها تخسر أموالًا خلال السنوات الثلاث والخمس الأولى.
- يعتمد نجاحك فيها على أمر واحد مهم: هل لديك إمكانية الوصول؟ الإجابة هي لا بالنسبة لمعظم الناس.
وأخيرًا، اتضح أنه من الأفضل في أغلب الأحيان الانتظار لشراء الأسهم لأشهر أو سنوات بعد طرحها للاكتتاب العام، أو عدم شرائها على الإطلاق. والتأكيد هنا على عدم شرائها إطلاقًا.
المصدر: economist+ novelinvestor
