بين نظافة الطاقة وسلامة البيئة تكمن التنمية المستدامة
تتجه جهود البحث الاقتصادي، نحو استحداث تقنيات متطورة لإيجاد مصادر للطاقة المتجددة، يمكن أن تدعم التوجهات العالمية التي تعنى بنظافة البيئة مع تشجيع الاستثمار فيها لتحقيق التنمية المستدامة.
كتبت- صبحة بغورة:
من أجل إقامة منظومة عالمية جديدة تعنى بنظافة البيئة من التلوث، وتدفع في الوقت نفسه نحو تعميم التنمية المستدامة، اتجهت جهود البحث عن بدائل للطاقة التقليدية الناتجة عن احتراق المستخرجات الأحفورية: غاز، ونفط، وفحم. وهي مصادر آيلة للزوال بطبيعتها غير المتجددة، ومحاولة استحداث مصادر أخرى للطاقة، يمكن الاستفادة منها على نحو اقتصادي أفضل.
وذلك في ضوء بروتوكول “كيوتو” المعتمد كملحق باتفاقية الأمم المتحدة الإطارية، بشأن تغير المناخ خلال انعقاد الدورة الثالثة لمؤتمر الأطراف بمدينة “كيوتو” اليابانية في 11 ديسمبر1997، ثم دخل حيز التنفيذ عام 2005.
جهود التنمية المستدامة
ويهدف إلى تخفيض انبعاثات الغازات الدفيئة في البلدان الصناعية المتقدمة؛ لمنع التدخل البشري الخطير في الإخلال بالنظام المناخي العالمي.
يؤكد خبراء التنمية وعلماء البيئة، أن مصادر الطاقات المتجددة هي التي ستدير مستقبل العالم، والثابت حاليًا ارتباط جهود التنمية المستدامة بسوق الطاقات المتجددة التي تعددت مصادرها لإنتاج الكهرباء في المدن التي تدار وتنار من الطاقة الشمسية. ومن محطات الكهرباء المتولدة وقوة الرياح وشدة اندفاع شلالات مياه السدود. وفي المصانع التي تدار معداتها وآلاتها بطاقة المد والجزر، كما في فرنسا وكندا.
كلها طاقات مستمدة من مصادر وموارد طبيعية قادرة على تجديد نفسها دائمًا. وتمنح البشرية كميات ضخمة وغير محدودة من الطاقة دون توقف. لقد ظهر حديثًا ما أصبح يُعرف بـ”تجارة الطاقات المتجددة”. وهي نوع من أعمال الترويج لها تهدف لتحويل الطاقة المتجددة إلى مصادر للدخل.
وهذا برغم وجود بعض العوائق التي قد تحد من انتشار الطاقات المتجددة، بشكل جماهيري واسع، مثل: الكلفة المرتفعة للاستثمارات. وهناك ما يقارب 65 دولة تخطط بجدية للاستثمار في الطاقات المتجددة. بعدما صارت تقدم إمكانات لتحقيق ذلك. من بينها السماح حاليًا بإنتاج تشكيلة أنواع من المنتجات وحاملات الطاقة.
ويعتبر التنوع في التطبيقات والتكامل الحاصل بين مصادرها وحسن توزيعها الجغرافي من عوامل تحقيق الاستعمال اللامركزي لهذه الطاقات. خاصة وأن الإنتاج اللامركزي يسهل بالاعتماد على الشبكات التقليدية القائمة. كشبكة الكهرباء والغاز والشبكة الحرارية وشبكة وسائط نقل المحروقات.
ويؤكد الأكاديميون وخبراء البيئة، أن الطاقة الشمسية هي أهم مورد للطاقة غير الناضبة بالعالم. وتتميز بوفرتها في معظم أرجاء المعمورة. ويستشهدون على ذلك. بما تتلقاه أراضي المملكة العربية السعودية يوميًا من مائة مليون كيلو وات/ ساعة من الطاقة الشمسية. أي ما يعادل قوة كهربائية مقدارها أربعة بلايين ميجاوات (الميجاوات يساوي مليون وات)، أو تساوي الطاقة الحرارية المتولدة من عشرة مليارات برميل نفط في اليوم الواحد.
كما أن مجمل الطاقة الشمسية على كل مساحة دول الوطن العربي الكبير تصل إلى 30 كيلو وات ساعة/ المتر المربع (الكيلو وات يساوي ألف وات) وهذه الكمية تعادل تسعة أضعاف كمية الطاقة المتاحة من الاحتياطات الكلية المقدرة لحجم النفط في جميع أنحاء العالم.
يشار إلى أن تاريخ استخدام الطاقة الشمسية قديم منذ نجح “أرشميدس” في اختراع مرآة ضخمة بعد تعريضها للشمس في إحراق الأسطول الروماني. ونجح العالم المسلم “ابن الهيثم” من خلال بحوثه المهمة في تطويع الطاقة الشمسية للأغراض المدنية والعسكرية.
وفي عام 1615، تم صنع مجموعة عدسات “الموتور الشمسي” بتركيز أشعة الشمس على الشيء المراد تسخينه. وقبل أفول القرن التاسع عشر، ظهرت أول ماكينة طباعة تعمل بالطاقة الشمسية، واخترع “أريكسون” نظامًا يحمل اسمه يحول الطاقة الشمسية إلى طاقة حركية.
ثم ظهرت المزيد من الأجهزة والمعدات التي تعمل بالطاقة الشمسية. خاصة بعد ظهور ألواح الخلايا الشمسية التي أمكن الاستفادة منها على مدار الساعة دون انقطاع. وظهرت أنواع من البطاريات التي تخزن الطاقة الشمسية ومنها بطارية السيليكون. وهي الأكثر تطورًا بالعالم، وبطارية “كبريتيد” الكاديوم المستخدمة في محطات الفضاء. والأقمار الصناعية والمركبات والصواريخ الفضائية.
وثمة جهود تبذل لاستبدال الكاديوم ذات التأثير السام بـ”سيلفيد الزنك”، وغيرها من البطاريات التي تخزن الطاقة الشمسية، مثل: بطارية خارصينيد الجاليوم القادرة على امتصاص الفوتونات الضوئية، وبطارية فوسفيدالأنديوم، وبطارية كبريتد النحاس.
كما أن استغلال طاقة الرياح ليس حديث العهد. وإنما يعود إلى عصور تاريخية قديمة؛ حيث أوردت المخطوطات أن الفراعنة نجحوا باستغلال الرياح في إدارة طواحين الحبوب وضخ المياه.
واليوم زاد إجمالي الطاقة الناتجة عن إدارة توربينات الرياح عالميًا إلى ما يزيد على 48 ألف ميجاوات. وقد ارتفع متوسط الزيادة السنوية بداية من عام 2000 بنحو 28%.
وهذا يعد مؤشرًا إيجابيًا يكاد ينافس قوة ثورة تكنولوجيا الاتصالات. وساعد خلال العقدين الأخيرين في خفض تكلفة الطاقة المنتجة من 40 سنتًا/ كيلو وات ساعة، عام 1980، إلى أقل من 5 سنتات.
بينما وصل عدد الدول التي تستخدم طاقة الرياح في إنتاج الكهرباء إلى 45 دولة. بعدما ثبُت أن تقنية تطويع الرياح لتوليد الطاقة الكهربائية هي الأسرع نموًا في توليد الكهرباء الجديدة على المستوى العالمي.
وهناك طاقة مساقط المياه أي الطاقة الناتجة من الاندفاع القوي للمياه من أماكن مرتفعة على مدار الساعة. كمياه الشلالات الطبيعية ومياه البحيرات المجمعة خلف السدود التي يمكنها إدارة توربينات إنتاج الكهرباء وتخزينها.
وعلميًا فإن طاقة الوضع تساوي وزن الماء المخزون خلف السد مضروبًا في ارتفاعه عن النقطة التي ستشغل عندها هذه الطاقة. أي (طاقة الوضع = كتلة الماء × الارتفاع × عجلة الجاذبية الأرضية).
وباندفاع الماء المتساقط تتحول طاقة الوضع إلى طاقة حركية. ثم تتحول الطاقة الحركية إلى طاقة ميكانيكية تدير التوربينات وتولد الكهرباء، وتصل كفاءة توليد الطاقة الكهربائية من المساقط المائية إلى 85%، وهي أعلى من كفاءة توليد الكهرباء بواسطة المحطات الحرارية.
إنتاج الكهرباء من الطاقة المائية
وتشير الإحصاءات إلى أن إنتاج الكهرباء من الطاقة المائية على المستوى العالمي. يزيد على 4 آلاف تيرا وات/ ساعة (التيرا وات = ألف مليار وات) وهو أكثر قليلًا من إنتاج الكهرباء بالطاقة النووية.
وفي الإطار النظري يمكن أن تصل إلى أكثر من 14 ألف تيرا وات/ ساعة، من الكهرباء سنويًا. وهو ما يقارب إجمالي إنتاج الطاقة الكهربائية المستخدمة في العالم حاليًا. إلا أنه لأسباب اقتصادية وبيئية. فإن معظم هذه الطاقة لا تستغل حتى الآن، وإن كان الاتجاه العالمي لنموها يتسارع بشكل كبير.
علاوة على ذلك، يتحدث خبراء دوليون عن طاقة حرارة جوف الأرض؛ حيث أوضحوا أنها تنتج من الحرارة العالية التي تتصاعد من باطن الأرض إلى سطحها، وترتفع حرارة هذا التدفق مع ازدياد العمق بمعدل 3.3 درجة مئوية لكل 10 أمتار من العمق في المناطق القارية. وقد يصل هذا الارتفاع إلى عشرة أضعاف.
وتعد أيسلندا الدولة الأولى بالعالم التي نجحت في الاستفادة من هذه الطاقة. فمعظم التدفئة المنزلية في كل مناطقها تتم بواسطة الطاقة الجيو- حرارية التي تنتج بأقل التكاليف. وتقديرات الخبراء تؤكد أن طاقة حرارة باطن الأرض، هي نوع واعد من مصادر الطاقات المتجددة.
كما يمكن أن تصبح مصدرًا أساسًا للطاقة المتجددة لنحو 58 دولة. منها 39 دولة يمكن أن تعتمد بنسبة 100% على هذه الطاقة. خاصة وأن منصات تشغيلها وتخزينها ستوجد في ذات الموقع.
إنها منظومة عالمية جديدة من مصادر الطاقة النظيفة التي تضمن سلامة البيئة. وتحفظ الطبيعة من مخاطر مخلفات مظاهر التلوث البري والجوي والبحري. وهي أيضًا متجددة تزود جهود التنمية ومشاريع التطور بطاقة مستدامة. تضمن المضي في استغلال ذلك الارتباط بين تحقيق التنمية المستدامة بنمو سوق الطاقات المتجددة.

التعليقات مغلقة.