منصة إعلامية عربية متخصصة فاعلة في مجال الاقتصاد بروافده المتعددة؛ بهدف نشر الثقافة الاقتصادية، وتقديم المعلومات والمصادر المعرفية السليمة التي تسهم في نشر الوعي الاقتصادي، ومساعدة أصحاب القرار في اتخاذ القرارات الصائبة التي تقود الاقتصاد نحو تنمية فاعلة ومستدامة.

أحمد فاروق يستعيد مواقف صنعت قوة العلاقات المصرية السعودية

أكد السفير أحمد فاروق، سفير جمهورية مصر العربية السابق لدى المملكة العربية السعودية، أن العلاقات المصرية السعودية تمثل نموذجًا فريدًا للعلاقات بين الدول، مؤكدًا أنها لم تكن يومًا علاقات تقليدية تحكمها المصالح الآنية، وإنما جسدتها روابط تاريخية وإنسانية وثقافية راسخة ووحدة في المصير.

جاء ذلك خلال كلمة ألقاها السفير أحمد فاروق بعنوان «المملكة بعيون شاهد.. تجربة شخصية من سنوات العمل الدبلوماسي». استعرض خلالها تجربته سفيرًا لمصر لدى المملكة. متناولًا محورين رئيسيين، الأول تاريخ العلاقات المصرية السعودية. والثاني تجربته الشخصية والإنسانية خلال سنوات عمله في المملكة.

وفي مستهل كلمته، توجه السفير أحمد فاروق بالشكر إلى الأمير عبد العزيز بن سعود بن نايف، وزير الداخلية السعودي. وإلى القائمين والمنظمين للمؤتمر. معربًا عن تقديره لإتاحة الفرصة له للحديث عن تجربة وصفها بأنها من أبرز محطات مسيرته الدبلوماسية.

العلاقات المصرية السعودية تاريخ من وحدة المصير

وقال فاروق إن العلاقات بين مصر والسعودية تمتد عبر تاريخ مشرق جمع دولتين شقيقتين. ارتبط مصيرهما ببعضهما. وتداخلت بين شعبيهما مشاعر الود والمحبة، مؤكدًا أن هذه الروابط ستظل راسخة عبر الأجيال.

وأضاف أن العبارات الدبلوماسية التقليدية لا تكفي لوصف طبيعة العلاقات بين البلدين، لأنها ليست علاقات عابرة أو فرضتها المصالح في ظرف معين، وإنما رسختها العقيدة والروابط الإنسانية والاجتماعية والثقافية. وعززها التاريخ والأمن ووحدة المصير، وتحافظ عليها قيادات واعية وحكيمة.

وأشار إلى أن البحر الأحمر لم يكن يومًا حاجزًا يفصل بين مصر والسعودية. بل تحول إلى جسر للتواصل الإنساني والثقافي والاقتصادي بين البلدين.

وأوضح أن المملكة تحتل مكانة خاصة في وجدان المصريين، باعتبارها أرض الحرمين الشريفين. مشيرًا إلى أن ملايين المصريين يعيشون ويعملون في المملكة بين أشقائهم السعوديين، في ظل روابط إنسانية واجتماعية ممتدة.

وفي المقابل، أكد أن مصر تتمتع بمكانة خاصة لدى الشعب السعودي. الذي يرتبط بها بعلاقات وثيقة ويعتبرها وجهة مفضلة للاستثمار والاستجمام والإقامة.

 150 اتفاقية توثق عمق الشراكة

وعن عمق الشراكة بين البلدين، قال فاروق، إنه في عام 1926 عقدت أول معاهدة للصداقة بين البلدين. وفي عام 1945 جاءت زيارة الملك المؤسس عبد العزيز طيب الله ثراه لتشكل محطة تاريخية هامة إذ تعتبر هذه هي الزيارة الوحيدة التي قام بها الملك المؤسس خارج شبه الجزيرة العربية

وأضاف، في عام 1953 والملك عبد العزيز على فراش الموت جمع أبنائه وكان من بينما أوصاهم به مصر  وكانت مقولته الشهيرة أوصيكم خيرًا بمصر فإن قامت قمتم.

وكشف فاروق، مستندًا إلى خبرته السابقة في القطاع القانوني الدولي بوزارة الخارجية المصرية. عن وجود أكثر من 150 معاهدة واتفاقية ومذكرة تفاهم تنظم مجالات التعاون بين البلدين. وتشمل الجوانب الاقتصادية والثقافية والاجتماعية والسياحية والتعليمية وغيرها.

مواقف تاريخية تؤكد قوة التضامن

وأكد أن قيمة العلاقات المصرية السعودية لا تظهر في الوثائق أو الأوراق بل تتجلى في مواقف الرجال فعلى سبيل المثال عندما تعرضت مصر للعدوان الثلاثي عام 1956 كانت المملكة سندًا قويًا سياسيًا واقتصاديًا ولا أحد ينسى موقف المملكة والملك فيصل رحمه الله خلال حرب أكتوبر 1973 عندما قدمت المملكة نموذجًا فريدًا ومتميزًا للتضامن وحين اتخذت قرارًا تاريخيًا بوقف تصدير النفط دعماً لمصر وهو القرار الذي أحدث ذويًا عالميًا وكان له تأثيرًا بالغاً وأحدث فارقاً في تطورات الأحداث.

وأضاف، أن مبدأ الأمن بين الدولتين ليس شعارات أو خطابات وأقوال بل مواقف مشرفة لرجال أشداء تترجم على أرض الواقع عند الأزمات والشدائد ،ومن خلال تجربتي أستطيع أن أؤكد أن الدولتين يتمتعان بعناصر تكامل حقيقية وواقعية؛ حيث لا يتعاونان لأن هناك دولة تحتاج الأخرى ولكن يتعاونان لأن كل دولة لها مقومات وقدرات وخبرات تتكامل مع الأخرى.

ويذكر التاريخ مرارًا وتكرارًا إنه عندما تتكامل إمكانيات ومواقف الدولتين تتحول العلاقة من تعاون ثناء تقليدي إلى قوة ضاربة على الساحتين الإقليمية والدولية والهدف دومًا هو الأمن وتحقيق الاستقرار والسلام.

ست سنوات من العمل الدبلوماسي في المملكة

وأنتقل السفير إلى المحور الثاني من الكلمة وهو تجربته الشخصية كمواطن مصري عمل كسفير لدولته في المملكة متناولا التجربة من خلال بعدين: البعد الدبلوماسي ثم البعد الإنساني:

وقال:”لقد أتاحت لي سنوات عملي كدبلوماسي لدى المملكة منذ عام 2019 وحتى 2025 أن أراها من زوايا متعددة وأن أكون شاهد عيان على التطور والتقدم الذي تمر به في الوقت الحالي وقد جاءت الرؤية التي دشنها الأمير محمد بن سلمان ولي العهد  لتبرهن أن هذا الأمن الداخلي مبدأ الأمن الداخلي والإقليمي هو الأساس وأن الازدهار والمستقبل المشرق هو الهدف ليس فقط للمملكة ولكن للشرق الأوسط كافة”.

وتابع :”وخلال عملي لمست أن الأمن والاستقرار هما الركيزتين الأساسيتين في وجدان الدولة والمجتمع السعودي فهما أساس التنمية والازدهار واطمئنان المواطن والمقيم وأن المعيار الوحيد الذي يحكم الكل هو معيار القانون الذي يحقق العدل ويعتبر حجر الزاوية الذي يرتكز عليه الجميع”.

حكاية الجدة التي تحققت بعد عقود

وأضاف :”عندما أنهيت مهمتي كسفير حملت معي ملفات وتقارير وذكريات مهنية عطرة ولكن الكنز الكبير الذي حصلت عليه هو العلاقات الإنسانية والصداقات ومواقف الرجال التي لا تنسى.  وعن هذا الكنز الإنساني أرجو أن تسمحوا لي أن أقص على حضراتكم باللغة العامية المصرية حكاية شخصية حدثت لي في ستينات القرن الماضي حيث كان عمري في ذلك الوقت لا يتجاوز ست أو سبع سنوات الحكاية كان التلفزيون أبيض وأسود شغال في منزلنا  ينقل زيارة لأحد الملوك أو المسؤولين السعوديين للقاهرة وكنت مستلقي في حجر جدتي وشاهد التلفزيون لفت انتباهي الزي السعودي الأبيض الناصع والغطرة فانتفضت وسألت جدتي من هؤلاء الناس وما هذا اللبس؟  أنا أريد زيه في العيد أريد زيه في العيد عندما ردت الجدة بكل عفوية هؤلاء هم أبناء الأكرمين الذين يسكنون أرض الخير والأمان التي فيها سيدنا النبي ولو ربنا يحمد بيحبك يخليك تروح عندهم انتهت الحكاية”.

تمر الأيام والسنين وألتحق  بالعمل الدبلوماسي عام 1985 ولمدة أربعين عاماً انتقلت بين مشارق الأرض ومغاربها إلى أن يأتي يوم 10 مايو 2019  يصدر قرار رئيس جمهورية مصر العربية ليحمل خبر ترشيحي سفيراً لمصر لدى المملكة العربية السعودية يومها تذكرت الدعوة وتذكرت الحكاية جدتي الصافية التي دعت لي بها رحمها الله.

السعودية في وجدان المصريين

وأكد فاروق أن هذه القصة تعكس صورة ذهنية راسخة عن المملكة العربية السعودية في وجدان ملايين المصريين. حتى أولئك الذين لم يغادروا مصر طوال حياتهم.

وقال إن المملكة حاضرة في الوعي المصري باعتبارها «بلد الخير والأمان» وأرض الحرمين الشريفين. مشيرًا إلى أن هذه الصورة تشكلت عبر أجيال متعاقبة من المصريين.

وأضاف أن الجانب الآخر من الحكاية يتمثل في إيمانه بقوة دعوة الأم. مؤكدًا أن الدعوات الصادقة قد تتحقق بعد سنوات طويلة، عندما يحين الوقت المناسب.

الإنسان المصري والسعودي صانعو التاريخ

وفي ختام كلمته، أكد السفير أحمد فاروق أن الإنسان المصري والإنسان السعودي كانا على الدوام عنصرًا أساسيًا في بناء العلاقات بين البلدين. مشيرًا إلى أنهما أسهما في صناعة التميز وصون الأمن وكتابة صفحات مضيئة من التاريخ.

ودعا إلى نقل هذه العلاقات الراسخة إلى الأجيال المقبلة. وتعريفهم بقيمتها التاريخية والإنسانية، والحفاظ على الروابط التي جمعت الشعبين على مدار عقود طويلة.

واختتم فاروق كلمته بتوجيه التحية من مصر إلى المملكة العربية السعودية. قائلًا: «حفظ الله مصر، وحفظ الله السعودية وشعبيهما وقيادتيهما، وأدام بينهما الأمن والمحبة والود لما فيه الخير لهما ولكل الأمة العربية»، مستشهدًا بقوله تعالى: «رَبِّ اجْعَلْ هَٰذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ».

الرابط المختصر :
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.