منصة إعلامية عربية متخصصة فاعلة في مجال الاقتصاد بروافده المتعددة؛ بهدف نشر الثقافة الاقتصادية، وتقديم المعلومات والمصادر المعرفية السليمة التي تسهم في نشر الوعي الاقتصادي، ومساعدة أصحاب القرار في اتخاذ القرارات الصائبة التي تقود الاقتصاد نحو تنمية فاعلة ومستدامة.

آنا مايكس.. سيدة تقود ثورة العلاجات الرقمية

تجسد آنا مايكس (Ana Maiques) صورة مختلفة لرائدة الأعمال؛ فهي لم تنطلق من قاعات المال أو بورصات وول ستريت، بل من أروقة البحث العلمي. داخل Starlab ببرشلونة، اكتشفت آفاق التكنولوجيا العصبية، لتقرر مع فريقها أن هذه الأبحاث لا ينبغي أن تبقى حبيسة المختبرات.

ومن هنا ولدت Neuroelectrics، الشركة التي أصبحت اليوم أحد أبرز الأسماء في قطاع الصحة الدماغية الرقمية (Wired, 2014).

الدماغ تحت السيطرة الرقمية

الابتكار الأساسي لمايكس يتمثل في أجهزة مثل Enobio وStarstim، وهي أدوات تسمح بقياس موجات الدماغ وتحفيزه كهربائيًا بطريقة غير جراحية. هذه التقنية تعني أن مرضى الاكتئاب، والصرع، والألم المزمن يمكنهم الحصول على علاج أكثر دقة، دون الحاجة إلى تدخل جراحي معقد.

ووفقًا لـ Financial Times، يصف خبراء التقنية هذه الأجهزة بأنها “أول خطوة عملية نحو جعل الدماغ جهازًا يمكن التعامل معه مثل أي جهاز رقمي”.

الاستثمار في المستقبل.. رأس المال يلتقي الأعصاب

لا يمكن لأي ابتكار أن يتوسع دون دعم مالي قوي. هنا لعبت مايكس دورًا بارعًا في إقناع المستثمرين بجدوى مشروعها. ففي عام 2021. حصلت Neuroelectrics على تمويل Series A بقيمة 17.5 مليون دولار بقيادة Morningside Ventures (TechCrunch, 2021). التمويل لم يكن مجرد دعم مالي، بل شهادة على أن سوق الرعاية العصبية المنزلية بات محط أنظار صناديق الاستثمار العالمية.

اقتصاديات جديدة للرعاية الصحية

التحول الأهم في نموذج أعمال Neuroelectrics هو الانتقال من المستشفيات إلى المنازل. فبدل أن يزور المريض عيادة متخصصة أسبوعيًا، أصبح بإمكانه تلقي العلاج عبر قبعة ذكية مرتبطة بتطبيق، بينما يشرف الطبيب عن بعد. 

هذا النموذج يحقق مكاسب مزدوجة: خفض التكاليف من جانب، ورفع التزام المرضى بالعلاج من جانب آخر. ووفقًا لتقرير Harvard Business Review عن اقتصاديات الرعاية، فإن مثل هذه الابتكارات يمكن أن تقلل من الإنفاق الصحي العام بما يصل إلى مليارات الدولارات سنويًا.

من بروكسل إلى دافوس

لم يمر نجاح مايكس دون تقدير عالمي. ففي عام 2014، حصلت على المركز الثالث في جائزة المفوضية الأوروبية للنساء المبتكرات (European Commission, 2014). وفي 2024، صنفتها Forbes España ضمن قائمة “35 امرأة إسبانية تقود مستقبل التكنولوجيا” (Forbes España, 2024). أما على الساحة الفكرية. فقد شاركت في فعاليات كبرى مثل المنتدى الاقتصادي العالمي بدافوس ومبادرة الأمم المتحدة AI for Good. حيث دافعت عن فكرة أن الذكاء الاصطناعي يجب أن يكون “أداة للإنصاف الصحي لا أداة للتمييز”.

تحديات معقدة

لكن الطريق أمامها ليس مفروشًا بالورود. فالحصول على موافقات من إدارة الغذاء والدواء الأمريكية (FDA) يتطلب سنوات من التجارب السريرية المكثفة. رغم أن الشركة نجحت في الحصول على تصنيف Breakthrough Device لعلاج الصرع المقاوم عام 2023 (FDA, 2023). كما أن جمع بيانات دماغية دقيقة يطرح قضايا أخلاقية تتعلق بالخصوصية والحوكمة الرقمية. وهو ما أقرت به “مايكس” نفسها في مؤتمر AI for Good بجنيف (ITU, 2022).

تأثير اقتصادي أبعد من الصحة

لا يقتصر إنجاز “مايكس” على الجانب الطبي، بل يمتد إلى إعادة صياغة نموذج اقتصادي كامل. فالأجهزة التي تنتجها Neuroelectrics لا تخلق فقط قيمة علاجية، بل تولد أيضًا بيانات ضخمة يمكن استخدامها في تطوير خوارزميات طبية جديدة أو شراكات مع شركات تأمين صحي.

ووفقًا لدراسة نشرها MIT Technology Review. فإن سوق العلاجات العصبية غير الجراحية مرشح للنمو بمعدلات سنوية تتجاوز 15% خلال العقد المقبل، وهو ما يضع “مايكس” وشركتها في قلب اقتصاد جديد قيد التشكل.

هل يصبح الدماغ منصة رقمية؟

تؤمن “مايكس” أن ما تفعله اليوم مجرد بداية. فهي تتحدث عن مفهوم “التوأم العصبي” (Neuro-twin). أي إنشاء نسخة رقمية لكل دماغ بشري يمكن محاكاتها واختبار العلاجات عليها قبل تطبيقها في الواقع (Neuroelectrics White Paper, 2023). إذا تحقق هذا الوعد، فإن الدماغ سيصبح المنصة الرقمية الأكثر قيمة في القرن الحادي والعشرين.

لكن ما يجعل هذه الرؤية أكثر إثارة هو أنها تفتح الباب أمام صناعة جديدة بالكامل، يمكن تسميتها بـ”اقتصاد الدماغ الرقمي”. حيث تتحول بياناتنا العصبية إلى أصل اقتصادي له قيمة سوقية. وتبنى حوله تطبيقات في الرعاية الصحية، التعليم، وحتى تعزيز القدرات العقلية. هنا، لا يكون الابتكار محصورًا في المختبرات الطبية فحسب. بل يصبح محركًا لتدفقات استثمارية ضخمة من شركات التقنية الكبرى وصناديق رأس المال الجريء.

“آنا مايكس” ليست مجرد رائدة أعمال في التكنولوجيا الطبية، بل رمز لتحويل المعرفة العلمية إلى قيمة اقتصادية واجتماعية. لقد نجحت في نقل علوم الأعصاب من الأبحاث الأكاديمية البحتة إلى منتجات تجارية تخدم آلاف المرضى، وتفتح أسواقًا جديدة أمام التكنولوجيا الحيوية. هذه القدرة على الجمع بين الرؤية العلمية وروح المبادرة تعكس ملامح جيل جديد من رائدات الأعمال اللاتي يخلقن مساحات غير مطروقة في الاقتصاد العالمي.

إن قصتها تذكير قوي بأن الاقتصاد العصبي لم يعد خيالًا علميًا. بل واقعًا يتوسع بسرعة، يقوده شغف علمي ورؤية تجارية جريئة. وما تقدمه “مايكس” اليوم قد يشكل الأساس لمستقبل تصبح فيه العقول البشرية نفسها أصولًا اقتصادية تدار وتستثمر مثلها مثل الطاقة أو البيانات الرقمية.

الرابط المختصر :

التعليقات مغلقة.