منصة إعلامية عربية متخصصة فاعلة في مجال الاقتصاد بروافده المتعددة؛ بهدف نشر الثقافة الاقتصادية، وتقديم المعلومات والمصادر المعرفية السليمة التي تسهم في نشر الوعي الاقتصادي، ومساعدة أصحاب القرار في اتخاذ القرارات الصائبة التي تقود الاقتصاد نحو تنمية فاعلة ومستدامة.

سباق الإنفاق على الذكاء الاصطناعي.. شركات التكنولوجيا تتجاوز حدود المنطق

في وقت تواجه فيه حكومات العالم تحديات اقتصادية واجتماعية متزايدة، تتسابق شركات التكنولوجيا الكبرى في الولايات المتحدة لإنفاق مبالغ خيالية على تطوير تقنيات الذكاء الاصطناعي.

وفقًا لصحيفة ” the guardian”. تجاوز إجمالي إنفاق هذه الشركات على الذكاء الاصطناعي 155 مليار دولار في عام 2025 وحده. وهو مبلغ يفوق ما أنفقته الحكومة الأمريكية خلال الفترة نفسها على التعليم، والتوظيف، والتدريب المهني، والخدمات الاجتماعية مجتمعة.

النفقات الرأسمالية: حيث تبنى مراكز المستقبل

الجزء الأكبر من هذه الاستثمارات يصنف ضمن ما يعرف بالنفقات الرأسمالية، وهي الأموال التي تُخصص لبناء وتطوير أصول مادية كبرى مثل مراكز البيانات.

هذه المراكز تعتبر العمود الفقري لتشغيل نماذج الذكاء الاصطناعي المتقدمة، نظرًا لما تتطلبه من قدرات ضخمة في الطاقة والتبريد وأشباه الموصلات.

Google، على سبيل المثال، صرحت خلال مكالمة أرباحها الأخيرة أن معظم إنفاقها الرأسمالي موجه إلى البنية التحتية التي تدعم الذكاء الاصطناعي.

أما Meta فقد شهدت قفزة مضاعفة في الإنفاق. حيث أنفقت 30.7 مليار دولار حتى منتصف العام، مقارنة بـ15.2 مليار خلال الفترة نفسها من عام 2024. وبلغ إنفاقها في الربع الأخير وحده 17 مليار دولار، وهو ضعف ما أنفقته في الربع المماثل من العام السابق.

Alphabet هي الأخرى أنفقت ما يقارب 40 مليار دولار في النصف الأول من 2025. بينما تصدرت Amazon الإنفاق حتى الآن بـ55.7 مليار دولار.

Microsoft لم تكن بعيدة عن الركب. وأعلنت أن نفقاتها في الربع الحالي وحده ستتجاوز 30 مليار دولار، بزيادة قدرها 50% عن نفس الفترة من العام الماضي.

إنفاق متصاعد في 2026: لا سقف للطموحات

الخطط المستقبلية لهذه الشركات تكشف عن أرقام أكثر جرأة.

Microsoft، على لسان رئيسها التنفيذي ساتيا ناديلا، أعلنت نيتها إنفاق 100 مليار دولار في السنة المالية المقبلة فقط على الذكاء الاصطناعي.

Meta تخطط لإنفاق يتراوح بين 66 و72 مليار دولار، بينما رفعت Alphabet توقعاتها إلى 85 مليار دولار بعد أن كانت تقدرها بـ75 مليار.

أما Amazon فتتجه نحو قفزة كبيرة في الإنفاق قد تصل إلى 118 مليار دولار. نتيجة توسع ضخم في خدمات Amazon Web Services.

وبهذا، فإن إجمالي ما ستنفقه الشركات الأربع خلال عام واحد سيتجاوز 400 مليار دولار. أي ما يعادل تقريبًا ميزانية بعض الدول الكبرى. 

السوق تستقبل هذا الجنون بترحيب غير متوقع

رغم ضخامته، لم يقابل هذا الإنفاق المتسارع بالقلق، بل بالترحيب من قبل المستثمرين.
في الواقع، شهدت أسهم Microsoft وMeta وAlphabet ارتفاعات قوية بعد إعلاناتها، حيث فسر المحللون هذا الإنفاق على أنه استثمار استراتيجي طويل المدى في التقنية التي ستشكل الاقتصاد العالمي في العقود القادمة.
Microsoft، على سبيل المثال، وصلت قيمتها السوقية إلى 4 تريليونات دولار فور إعلان نتائجها المالية، في إشارة إلى ثقة السوق في رهانات الشركة.

Apple تدخل المنافسة بخطى محسوبة

رغم تحفظها التقليدي، بدأت Apple تتخذ خطوات جدية نحو الدخول في سباق الذكاء الاصطناعي.
خلال الربع الأخير، ارتفعت نفقاتها الرأسمالية إلى 3.46 مليار دولار. مقارنة بـ2.15 مليار في نفس الفترة من عام 2024.

وأكد الرئيس التنفيذي تيم كوك أن الشركة بدأت بالفعل في إعادة توزيع عدد كبير من موظفيها للتركيز على الذكاء الاصطناعي. مشيرًا إلى أن دمج هذه التقنية في أجهزة Apple هو “قلب إستراتيجيتنا المقبلة”.

ورغم امتناعه عن الكشف عن أرقام محددة، أكد أن الاستثمار في هذا المجال يتوسع “بشكل كبير”.

الشركات الناشئة تحاول اللحاق

في ظل هذا السباق المحموم بين عمالقة التكنولوجيا، تحاول الشركات الناشئة أن تجد لنفسها موطئ قدم.

OpenAI، الشركة التي أشعلت شرارة هذا التحول العالمي بإطلاق ChatGPT في عام 2022. أعلنت أنها جمعت 8.3 مليار دولار ضمن جولة تمويلية تستهدف 40 مليار دولار، مما رفع تقييم الشركة إلى 300 مليار دولار.ِ

ماذا يعني كل هذا؟ التحول الأكبر في الاقتصاد العالمي

ما نشهده ليس مجرد سباق بين شركات التكنولوجيا تتنافس على منتج تقني جديد، بل هو تحول بنيوي شامل في طبيعة الاستثمار والتقدم الاقتصادي والتكنولوجي.

الذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد أداة للمساعدة أو الترف التقني، بل أصبح المحرك المركزي في إعادة تشكيل الهياكل الاقتصادية العالمية، ومعها موازين القوة الجيوسياسية.

في عالم يتجه نحو الرقمنة الشاملة. أصبحت البيانات هي النفط الجديد، والخوارزميات هي مناجم الثروة القادمة. من يملك القدرة على معالجة البيانات وفهمها وتوجيهها. يملك النفوذ الحقيقي، لا فقط في الأسواق. بل حتى في المشهد السياسي العالمي.

وفي الوقت الذي تضطر فيه حكومات عديدة إلى خفض ميزانياتها في قطاعات التعليم والصحة والإسكان. تتسابق الشركات التكنولوجية الكبرى إلى ضخ مئات المليارات لبناء بنية تحتية ذكية. قائمة على مراكز بيانات عملاقة، وسلاسل توريد معقدة، وتطوير مستمر لقدرات النماذج اللغوية والمرئية والرياضية التي تشكل عماد الذكاء الاصطناعي الحديث.

هذا لا يعني فقط أن السلطة الاقتصادية تنتقل تدريجيًا من القطاع العام إلى الشركات العملاقة. بل يعني أيضًا أن القرارات الاجتماعية والثقافية والعلمية قد تصبح خاضعة لمنطق السوق. ولمصالح عمالقة التكنولوجيا الذين أصبحوا. عمليًا. يمتلكون أدوات التأثير الجماهيري والتشغيلي والسياسي في نطاق لم يسبق له مثيل.

الذكاء الاصطناعي لم يعد مشروعًا تكنولوجيًا فقط. بل تحول إلى مشروع حضاري بكل ما تحمله الكلمة من معنى.
نحن نشهد بدايات عهد جديد. فيه تتحول الشركات إلى دول داخل الدول. وتحل البنية التحتية الرقمية محل البنية التحتية التقليدية. ويصبح النفوذ مرتبطًا لا بعدد الجيوش أو السفن أو الصواريخ، بل بعدد الخوادم، وحجم البيانات، وقوة النماذج.

الرابط المختصر :

التعليقات مغلقة.