منصة إعلامية عربية متخصصة فاعلة في مجال الاقتصاد بروافده المتعددة؛ بهدف نشر الثقافة الاقتصادية، وتقديم المعلومات والمصادر المعرفية السليمة التي تسهم في نشر الوعي الاقتصادي، ومساعدة أصحاب القرار في اتخاذ القرارات الصائبة التي تقود الاقتصاد نحو تنمية فاعلة ومستدامة.

الاقتصاد الرمزي

الاقتصاد الرمزي Token Economy مصطلح حديث نسبيًا، اكتسب شعبية كبيرة خلال السنوات القليلة الماضية؛ كمفهوم عميق جدًا، يرتبط بموضوعات عدة، خاصةً عالم المال blockchain والعملات المشفرة؛ إذ يوفر حوافز للمشاركين؛ للمساهمة في النظام البيئي.

 

 

قد يعجبك.. اقتصـــــاد الفضــــاء

 

 

يستخدم الاقتصاد الرمزي الرموز المميزة فيه؛ كوسيلة للتبادل داخل نظام بيئي معين، ويعتمد كأي اقتصاد على مبادئ الطلب والعرض؛ إذ يُحدِّد السوق قيمة رموزه المميزة؛ لتجسيد الأشياء؛ كالخدمات المختلفة، أو الأصول، أو حتى حقوق التصويت؛ حيث غالبًا ما يتم إنشاء الرموز المميزة علىBlockchain؛ ما يعزز الشفافية والأمان في عمليات التبادل المختلفة.

 

 

تقنية Blockchain  

عبارة عن دفتر أستاذ لا مركزي، يتم فيه تسجيل المعاملات بطريقة شفافة وآمنة؛ حيث يستخدم نظام التشفير لضمان سلامة البيانات وصحتها، كما يقاوم التلاعب والقرصنة. وغالبًا ما ترتبط تقنية Blockchain  بالعملات المشفرة؛ مثل Bitcoin البيتكوين، وتطبيقات أخرى كالتصويت، والتحقق من الهوية، وإدارة سلسلة التوريد.

 

ويمكن للاقتصاد الرمزي الاستفادة من تقنية blockchain بعدة طرق  كإنشاء العقود الذكية التي يمكن برمجتها للتنفيذ تلقائيًا عند استيفاء شروط معينة؛ حيث يمكن استخدام العقود الذكية لأتمتة توزيع الرموز والمكافآت والحوافز، كما تتيح تقنية blockchain إنشاء تطبيقات لا مركزية، يمكنها التفاعل مع العقود الذكية.

 

ويمكن استخدام الاقتصاد الرمزي بطرق عديدة، سواء كان الشخص مهتمًا بالاستثمار فيه، أو بإنشاء اقتصاد خاص به، ولكنه يعتمد أساسًا على فهم مكونات النظام، ومعرفة كيفية إنشاء الرموز المميزة، وكيفية توزيعها، وطرق استخدامها، بالإضافة إلى هيكل الإدارة واقتصاديات النظام.

 

وكمثال على ذلك، يتم إنشاء الرموز المميزة في الاقتصاد الرمزي وتوزيعها على المشاركين في النظام البيئي، والحصول عليها بطرق مختلفة؛ كتقديم الخدمات، وأداء المهام؛ وذلك في إطار النظام البيئي، وهو ما يُحدَّد بناءً على قاعدة الطلب والعرض؛ بتحديد قيمة الرموز المميزة عن طريق السوق.

 

 

تعديل السلوك

ويُعدُ الاقتصاد الرمزي أحد أهم تقنيات تعديل السلوك، وتحليل السلوك التطبيقي على مدار الأربعين عامًا الماضية؛ إذ وجد أنه من الطرق السريعة والمفيدة جدًا مع الأطفال عندما نريدهم اتباع التعليمات المدرسية، أو أداء الأعمال المنزلية، أو الامتناع والحد من سلوك ما؛ كالضرب عند الغضب؛ إذ نجد أن الاقتصاد الرمزي أداة تأديبية فعالة وقائمة على مبدأ التعزيز؛ وبالتالي يمكننا تعريف الاقتصاد الرمزي بأنه ذلك النظام التعزيزي المعقد الذي تُقدَّم فيه وتُسحَب منه المعززات الرمزية عند حدوث السلوك المستهدف؛ حيث تُستبدل فيما بعد بالمعززات الحقيقية.

 

 

وتنقسم المعززات إلى:

  1. معززات أولية طبيعية.
  2. معززات ثانوية: ويطلق عليها المعززات الشرطية؛ أي تلك التي اكتسبت خاصية التعزيز؛ لاقترانها المكرر بمعززات أولية.
  3. المعززات المعممة: وهي مثيرات اكتسبت صفتها؛ لارتباطها بمعززات أولية أو ثانوية متعددة.
  4. معززات يزول أثرها سريعًا.
  5. معززات يستمر أثرها طويلًا؛ مثل النقود حيث تُستبدَل بالطعام أو أي شيء محبب للأفراد.

 

 

مكونات الاقتصاد الرمزي

وللاقتصاد الرمزي 3 مكونات رئيسة:

  • تحديد السلوك المراد تعزيزه.
  • تحديد نوع المعزز الرمزي.
  • تحديد المعززات الحقيقية التي يمكن استبدال المعزز الرمزي بها فيما بعد.

فما هي المعززات الرمزية التي يمكن استخدامها أو الاعتماد عليها؟

 

يشير اصطلاح “الرمزية” إلى المثيرات؛ أي المعززات؛ مثل الأشياء المادية البسيطة والملموسة التي يمكن حملها في اليد، فيمكن أن يكون الاقتصاد الرمزي من المعززات المادية؛ مثل التذاكر، أو النقاط، أو العلامات، أو قطع بلاستيكية، أو البطاقات المطبوعة ذات الوجوه المبتسمة أو القطع المعدنية، أو ختم يوضع على ورقة، وجميعها يمكن أن تشكل نقودًا يمكن الشراء بها، أو استبدال بعضها بمعززات متنوعة يكون الشخص في حاجة إليها.

 

 

المعززات البديلة

هي المعززات التي يحصل عليها الطفل؛ باستبدالها (شرائها) بالرموز، ويمكن أن تكون معززات مادية، نشاطية، حسية.. إلخ. ويجب أن يكون المعزز الرمزي آمنًا، خاصةً مع الأطفال؛ إذ قد يحاول بعضهم بلعها أو قضمها؛ ما يتطلب اختيار معزز رمزي غير مؤذٍ، وأن تقدم ممن يطبق النظام مع الطفل كالوالدين، أو من قبل المشرف أو الأخصائي، كما يجب أن تكون بسيطة من حيث الشكل حتى لا تفسح المجال للطفل باستعمالها كأداة للهو، وأن تكون متوفرة ومن السهل الحصول عليها.

 

ويمكن للقواعد اللفظية تحويل المثيرات المحايدة إلى معززات رمزية بشكل سريع، عن طريق الوصف اللفظي للمنظومة السلوكية والتي تشمل توضيحًا لكل مكونات الاقتصاد الرمزي وآلية عملها؛ فعلى سبيل المثال: عند إنجاز الواجب المنزلي، يتم الحصول على نقطة، وعند تجميع عشر نقاط، يتم استبدالها بالمعززات المفضلة.

 

ويجب أن يتم تحديد السلوكيات المستهدفة غير المرغوب فيها التي سيتم التخلص منها، بالإضافة إلى معدل الخسارة الرمزية لكل حالة من هذه السلوكيات؛ وذلك بمثابة مكون لتكلفة الاستجابة، والتي تعني عقوبة أو غرامة تُفرض على الطفل؛ بأخذ معزز رمزي منه؛ لخرقه القواعد أو الانخراط في سلوكيات غير مرغوب فيها، على أن يكون الطفل على دراية بالقواعد قبل استخدام أي تكلفة استجابة، كما لا يجب استخدام أسلوب تكلفة الاستجابة إذا لم يكن لدى الطفل معززات رمزية بالفعل.

 

 

فوائد الاقتصاد الرمزي

 

وللاقتصاد الرمزي فوائد عدة يمكن ذكر بعضها:

  1. يؤثر بشكل إيجابي في مجال التعليم والرعاية الصحية؛ لأنه وسيلة فعالة لتحفيز السلوك المرغوب، ومكافأة الأفراد على جهودهم؛ من خلال تقديم الرموز كمكافأة لإكمال مهمة أو تحقيق هدف؛ إذ من المتوقع أن يبذل الفرد أقصى جهده للحصول على المكافأة، وهو ما ينطبق بشكل خاص على الأطفال والطلاب، الذين يستجيبون جيدًا للتعزيز الإيجابي؛ فعندما يقدم المعلم –مثلًا- رموزًا للطلاب الذين أدوا واجباتهم المنزلية في الوقت المحدد، أو شاركوا في مناقشات الفصل؛ فإن المشاركة وبيئة التعليم تكون أكثر إيجابية.
  2. تحسين نتائج التعلم؛ باستخدام الرموز لمكافأة السلوك الإيجابي؛ إذ من المؤكد تكرار نفس السلوك في المستقبل؛ وهو ما يمكن مشاهدة تأثيره بصفة خاصة في مجال التعليم؛ بمكافأة الطلاب الذين حققوا درجات جيدة من خلال تحفيز التعلم؛ حيث من المرجح أن يبذل الطلاب الجهد المطلوب لتحقيق النجاح.
  3. تحسين نتائج المرضى؛ كقيام المستشفى بتقديم رموز للمرضى الذين يلتزمون بخططهم العلاجية، أو يحضرون في المواعيد؛ ما يحسن من نتائجهم؛ من خلال تحفيز السلوك الإيجابي لديهم، بل من المرجح في هذه الحالة، قيام المرضى بدور أكثر نشاطًا في الرعاية الصحية الخاصة بهم، ومتابعة خطط علاجهم.
  4. تعزيز العمل الجماعي؛ بتقديم رموز للعمل معًا، وتحقيق هدف مشترك؛ إذ من المرجح أن يعمل الأفراد معًا ويدعمون بعضهم البعض.
  5. يزيد من ولاء العملاء في الشركات الناشئة؛ بتقديم الرموز كمكافأة لشراء المنتجات أو الخدمات، ولا سيما في مجال البيع بالتجزئة؛ حيث يعد ولاء العميل هامًا جدًا للاستمرار ولتحقيق النجاح.

 

 

تحديات وسلبيات

 

لا يزال الاقتصاد الرمزي وتكنولوجيا blockchain في مراحلهما الأولى من التطوير؛ لوجود عدة تحديات :

  • مخاوف بشأن الخصوصية والأمان؛ لعدم حصانة تقنية blockchain ضد الهجمات والاختراقات.
  • وجود نقص في التوحيد القياسي والتنظيم في مجال الاقتصاد الرمزي؛ ما قد يؤدي إلى ارتباك وعدم يقين لدى الشركات والمستهلكين.
  • وجود مشكلات تتعلق بقابلية التوسع في تقنية blockchain، قد تحد من اعتمادها في التطبيقات واسعة النطاق.
  • خضوع الرموز المميزة لتقلبات السوق؛ ما قد يؤدي إلى تقلبات في الأسعار؛ وبالتالي صعوبة قيام الشركات بتسعير منتجاتها وخدماتها؛ فتتأثر قيمة رموزها المميزة.
  • تستخدم الرموز المميزة من منصات وأنظمة بيئية مختلفة قد لا تكون متوافقة مع بعضها البعض؛ ما قد يحد من فائدتها واعتمادها.

 

تذليل التحديات

ولتذليل هذه المخاوف، يجب على الشركات ما يلي:

  1. استخدام العملات المستقرة أو الرموز المميزة المدعومة بعملات ورقية أو أصول أخرى؛ إذ يعتمد الاقتصاد الرمزي- ليكون ناجحًا- على سياسة التبني على نطاق واسع، على الرغم من أن التبني قد يكون بطيئًا بسبب نقص الوعي والثقة والبنية التحتية.
  2. التركيز على بناء الثقة مع عملائها، وتثقيفهم بخصوص فوائد الاقتصاد الرمزي، والاستثمار في البنية التحتية؛ مثل البورصات، والمحافظ المالية، وبوابات الدفع.
  3. تطوير معايير وبروتوكولات قابلة للتشغيل البيني، تسمح بنقل الرموز واستخدامها عبر منصات مختلفة.

 

ولأن الاقتصاد الرمزي معقد ومرهق للبعض أحيانًا؛ لذا يجب تدريب الكوادر، والمتابعة المستمرة، مع إيقاف استخدامه في بعض الحالات التي لم تحقق النتائج المرجوة؛ حيث يكون هناك حاجة لتحديث المعززات النهائية بين الحين والآخر؛ فعندما تفقد المعززات النهائية قيمتها، يفقد النظام فاعليته؛ لذلك يغرس القائمين على الاقتصاد الرمزي التعزيز الاجتماعي، فضلاً عن قيامه بعملية التعزيز الذاتي.

 

     د. إســلام جـمال الـديـن شـــوقي

    خبير الاقتصاد ومحلل أسواق المال

عضو الجمعية المصرية للاقتصاد السياسي

 

مقالات ذات صلة:

رؤية تحليلية لأسواق الكربون ونتائج مؤتمر Cop28

 

 

 

الرابط المختصر :

التعليقات مغلقة.