رؤية تحليلية لأسواق الكربون ونتائج مؤتمر Cop28
لقد تسببت الأنشطة البشرية المتمثلة في إزالة الغابات وحرق الوقود الأحفوري، في زيادة معدلات الكربون وتركزها في الغلاف الجوي بشكل يُعجِز مصارف الكربون الطبيعية للكرة الأرضية عن امتصاصه؛ ما يؤدي إلى حدوث ظاهرة الاحتباس الحراري وتغير المُناخ.
قد يعجبك.. اقتصـــــاد الفضــــاء
ووفقًا للأمم المتحدة، فإن مصارف الكربون هي كل ما يمكنها أن تمتص من الغلاف الجوي أكبر كمية من الكربون تُطلَق من الأرض؛ كالمحيطات، والغابات، والتربة، والأراضي الرطبة التي تمثل أكبر مصارف الكربون؛ ما يعني ضرورة العمل على حماية وتوسيع تلك المصارف؛ لأنها تمثل استراتيجية رئيسة في مواجهة التغيرات المُناخية وتحقيق الاستقرار على الأرض.
ولقد اعتبرت تقنيات احتجاز الكربون، أو التقاط انبعاثات غاز ثاني أكسيد الكربون من العناصر الأساسية في استراتيجيات المُناخ للعديد من دول العالم لإبعاد الكربون عن الغلاف الجوي؛ تنفيذًا للالتزامات الدولية بإزالة الكربون بحلول عام 2050.
ولكن حتى الآن، لم تثبت الجدوى الاقتصادية لهذه التقنيات، علاوةً على أنها مرتفعة التكاليف، مع صعوبة الترويج لها بين الأفراد العاديين.
الفرق بين إزالة الكربون واحتجازه
تُعدُ إزالة الكربون عملية تُزال من خلالها انبعاثات الغازات الدفيئة من الغلاف الجوي؛ من خلال عدة إجراءات؛ كزراعة الأشجار أو التقاط وعزل الكربون من مصانع الطاقة الحيوية والوقود الحيوي؛ ما قد يبطئ من تغير المُناخ أو يحُد منه، إلا أنها لا تُعد بديلًا عن خفض غازات الاحتباس الحراري.
أما احتجاز الكربون فهو عملية لأخذ الانبعاثات الناتجة عن النشاط الصناعي أو الناتجة عن توليد الطاقة والعمل على تخزينها في أعماق الأرض.
ويمكن القول بإيجاز إن إزالة الكربون تعني القضاء على انبعاثات الكربون بعد دخولها في المجال الجوي، بينما احتجاز الكربون هو محاصرة انبعاثات الكربون بعد انبعاثها مباشرةً، ولكن قبل الدخول إلى المجال الجوي.
وهناك 3 أنواع رئيسة لتقنيات احتجاز الكربون:
- الالتقاط بعد الاحتراق: يتم التقاط ثاني أكسيد الكربون من الغازات الناتجة عن طريق المداخن؛ بحرق الوقود الأحفوري في محطات توليد الطاقة أو المنشآت الصناعية؛ وهو ما يتم غالبًا باستخدام المواد الماصة أو المذيبات الكيميائية، قبل انبعاث الكربون إلى الغلاف الجوي.
- الاحتجاز قبل الاحتراق: يُحجز الكربون قبل حرق الوقود، وفي بعض أنظمة توليد الطاقة يُحوَّل الوقود- مثل الغاز الطبيعي أو الفحم- إلى خليط من الهيدروجين وثاني أكسيد الكربون قبل الاحتراق، ثم التقاط ثاني أكسيد الكربون قبل حرق الهيدروجين.
- حرق الوقود بالأكسجين: يتم حرق الوقود بالأكسجين بدلًا من الهواء؛ حيث ينتج غاز مداخن يتكون بشكل رئيس من ثاني أكسيد الكربون وبخار الماء، ثم يُكثف بخار الماء فيترك تيارًا من ثاني أكسيد الكربون غالبًا ما يكون نقيًا؛ حيث يمكن التقاطه، ثم نقله وتخزينه عادةً في التكوينات الجيولوجية العميقة تحت الأرض؛ حيث يظل محتجزًا لفترة طويلة.
تكلفة التقاط وتخزين الكربون
وفقًا لوكالة الطاقة الدولية، تتراوح تكلفة التقاط وتخزين الكربون بين15 و 120 دولارًا لكل طن/ متر، حسب مصدر الانبعاثات، أما مشاريع الالتقاط المباشر من الهواء فتتراوح تكلفتهاة بين 600 و 1000 دولار للطن/ متر؛ ما يجعلها أكثر تكلفة؛ نظرًا لكمية الطاقة اللازمة لالتقاط الكربون من الغلاف الجوي.
وقد وُجِد أن تقنيات الانبعاثات لا تحقق معدلات الالتقاط الكاملة؛ إذ تشير الدراسات- التي أُجريت في هذا الشأن- إلى أن تقنيات احتجاز الكربون تحل نصف مشكلة خفض الانبعاثات فقط بحلول عام 2050، ناهيك عن التكلفة المرتفعة جدًا والتي قد تصل إلى تريليون دولار سنويًا على مستوى العالم.
لذلك قدمت بعض الدول دعمًا حكوميًا لتنفيذ مشاريع التقاط الكربون؛ مثل الولايات المتحدة الأمريكية، فيما تم إيقاف مشاريع بدول أخرى؛ مثل كندا والنرويج بسبب التكلفة المالية، فضلًا عن عدم كفاية تلك التقنيات لحل المشكلة بمفردها؛ ما يتطلب الاستثمار في مصادر الطاقة المتجددة.
وهناك مفهوم «المساهمات المحددة وطنيًا»، الذي تضمنته خطة العمل المناخي التي قدمتها الدول الموقعة على اتفاق باريس؛ حيث أدرجت المادة 6 مفاوضات كوب 21 في عام 2015 والتي تتعلق بفكرة أسواق الكربون التي نشأت في كيوتو 1997 لمساعدة الأطراف على خفض انبعاثات الغازات الدفيئة؛ حيث تتضمن المادة 6 فقرات مهمة تختص بتنظيم أسواق الكربون.
سوق الكربون
والآن يطرح سؤال: ماهي أسواق الكربون، وما علاقتها بالمادة 6 من اتفاقية باريس لتغيرات المناخ؟
تُعرف اللأمم المتحدة سوق الكربون بأنه نظام تجاري يتيح للدول شراء أو بيع وحدات من انبعاثات غازات الاحتباس الحراري في الحدود الوطنية المسموح بها للانبعاثات؛ وذلك بموجب اتفاقية كيوتو وغيرها من اتفاقيات موقّعة بين دول الاتحاد الأوروبي؛ حيث يتم التركيز في هذا المصطلح على أن غاز ثاني أكسيد الكربون هو غاز الاحتباس الحراري السائد، مع قياس انبعاثات الغازات الأخرى بوحدات تُسمَّى مكافئات ثاني أكسيد الكربون.
مثال على ذلك: إذا افترضنا أنّ انبعاثات أسبانيا من الغازات الدفيئة 110 ملايين طن، وتشتمل المساهمات المحددة وطنيًا لها على 130 مليون طن؛ فذلك يعني تمكنها من خفض انبعاثاتها عن الحد الأقصى بـ 20 مليون طن.
من جانب آخر، دولة مثل ألمانيا، وصلت انبعاثاتها إلى 140 مليون طن؛ أي تجاوزت الحد الأقصى من الانبعاثات بـ 10 ملايين طن. في هذه الحالة، تستطيع ألمانيا شراء أرصدة الكربون المتبقية لإسبانيا؛ فتحقق بذلك أهدافها المناخية، كما تستفيد أسبانيا ماديًا. ويتم تحديد سعر الانبعاثات من خلال ديناميكيات العرض والطلب داخل السوق.
أنواع أسواق الكربون
لأسواق الكربون نوعان:
- أسواق الامتثال: تقوم الحكومات والشركات والجهات الأخرى –غير الملتزمة بخفض نسب الانبعاثات- بشراء تعويضات الكربون؛ امتثالًا بالحدّ الأقصى لإجمالي الانبعاثات؛ حيث تنشط هذه الأسواق في أوروبا وأمريكا.
- الأسواق الطوعية لتعويضات الكربون: وفهي أسواق تشارك فيها منظمات تحمل على عاتقها الخفض الذاتي للانبعاثات الكربونية وغازات الاحتباس الحراري؛ حيث تسمح تلك الأسواق بدخول الحكومات والشركات والأفراد في استثمارات لمشروعات صديقة للبيئة، مقابل الانبعاثات التي ولّدها استخدامهم الشخصي.
وتُعدُ تعويضات الكربون حلًا مؤقتًا للتغلب على الانبعاثات، إلّا أنه حلّ غير مستدام؛ لأن الحكومات والشركات التي تلجأ إليه تقوم بممارسة “الغسل الأخضر” للاستثمارات القائمة على الوقود الأحفوري.
المادة 6 في اتفاقية باريس:
تتضمن المادة 6 في اتفاقية باريس عدة فقرات؛ أهمها الفقراتة الثانية والرابعة والثامنة وهي كالآتي:
الفقرة الثانية: تسمح للدول الموقعة على الاتفاقية بتداول أرصدة الكربون فيما بينها، بدون إشراف دولي، وبصورة طوعية.
الفقرة الرابعة: يتم تداول أرصدة الكربون تحت إشراف الأمم المتحدة.
الفقرة الثامنة: تحفيز الشركات والمؤسسات على خفض انبعاثاتها عن طريق تطبيق الضرائب على الانبعاثات.
سندات الكربون
تنادي الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا بخفض انبعاثات غازات الاحتباس الحراري؛ بالتخلص التدريجي من الوقود الأحفوري، والاستثمار في الطاقة المتجددة،؛ حيث يواصلان تشغيل المصانع والإنتاج عن طريق استخدام الوقود الأحفوري، ثم إغراء الدول الفقيرة والنامية بالمال من أجل شراء تصاريح الانبعاثات الكربونية.
وفي ذات الوقت، لايمكن للدول الفقيرة والنامية الاستثمار في التكنولوجيا الحديثة للطاقة المتجددة، دون الرجوع إلى الدول الكبرى التي تمتلك حقوق الملكية الفكرية لتلك التكنولوجيا؛ وبالتالي تقوم بالشراء من الدول الكبيرة، التي ستعوض المبالغ التي دفعتها في شراء تصاريح انبعاثات الكربون؛ ببيع التكنولوجيا المتقدمة والحديثة في مجال الطاقة المتجددة لهذه الدول مرة أخرى.
وفي هذه الحالة، تحقق الدول الكبرى الهدف الذي تسعى إليه؛ وهو الحصول على الوقود الأحفوري (البترول والغاز الطبيعي) بثمن زهيد جدًا؛ عن طريق خفض الطلب العالمي عليه.
ولأن الدول المنتجة للنفط بشكل عام- ودول الخليج بشكل خاص- تدرك تخطيط الدول الكبرى لتلك السياسة؛ فإنها تمارس ضغوطًا من أجل الاستمرار في إنتاج الوقود الأحفوري، بالإضافة إلى الاستثمار في تكنولوجيا تقنيات تنظيف الانبعاثات، وهذا هو الرأي المرجح والواقعي الذي سيلقى قبول الغالبية.
مؤتمر المنُاخ Cop28:
توصل Cop28 إلى عدة نتائج هامة؛ أبرزها:
- الموافقة على التحول عن الوقود الأحفوري بالكامل في العقد الحالي بطريقة عادلة ومنظمة ومنصفة، والإسراع في التحول إلى الطاقة النظيفة؛ للوصول إلى صافي انبعاثات الغازات الدفيئة الصفرية بحلول عام 2050.
- اتخاذ إجراءات للحد من الانبعاثات؛ بعمل تخفيضات عميقة وسريعة ومستدامة لانبعاثات الغازات المسببة للاحتباس الحراري، وفق اتفاقية باريس بمعدل 1.5 درجة مئوية، من خلال تسريع تقنيات الانبعاثات الصفرية والمنخفضة، واستخدام أنواع وقود خالية من الكربون ومنخفضة الكربون قبل عام 2050، واستخدام الهيدروجين وتسريع الجهود نحو التخفيض التدريجي لإنتاج واستخدام للفحم، ومضاعفة قدرة الطاقة المتجددة ثلاث مرات، ومضاعفة معدلات كفاءة الطاقة بحلول عام 2030.
- تفعيل صندوق الخسائر الذي تم الاتفاق على إنشائه في مؤتمر شرم الشيخ بمصر كوب27؛ حيث بلغ إجمالي المساهمات المقدمة 726 مليون دولار لتعويض دول الجنوب الأكثر تضررًا من تغير المناخ، وتخفيف التوترات المتعلقة بالتمويل بين دول الشمال والجنوب.
- التوقيع على 11 اتفاقية تغطي مختلف جوانب العمل المناخي؛ بداية من التمويل إلى الزراعة والصحة وقعت عليها 153 دولة، مع التعهد بمبلغ 2.7 مليار دولار لقطاع الصحة، وإقرار تعهد التبريد العالمي من 66 دولة.
ازدواجية المعايير في Cop28:
كان من نتائج Cop28 الاتفاق بشأن التحول عن الوقود الأحفوري بالكامل في العقد الحالي، لكنه في نفس الوقت لم يتناول التخلي عن الفحم أو البترول أو الغاز؛ وهو ما طالبت به أكثر من 100 دولة، بعد رفض السعودية والكويت والعراق أي اتفاق يمس بالبترول أو الغاز الطبيعي، كما تم الاعتراف بدور مصادر الطاقة الانتقالية؛ أي الغاز، في ضمان “أمن الطاقة” في الدول النامية؛ حيث ما زال نحو 800 مليون شخص محرومين من الكهرباء، وفي نفس الوقت يتم الدعوة إلى تسريع التكنولوجيات ذات انبعاثات “صفر كربون”، ومن ضمن ذلك الهيدروجين والطاقة النووية وتقنيات احتجاز الكربون وتخزينه، والتي ما زالت محل دراسة.
ولقد رفضت دول خليجية مقترح التخلي عن الوقود الأحفوري والتي تمتلك أكثر من 30 % من احتياطيات النفط في العالم، فضلاً عن أكثر من 20 % من إجمالي احتياطات الغاز الطبيعي؛ لأنه يمثل المصدر الرئيس للنمو؛ إذ تتخطى إيراداته أكثر من 60 % م الإيرادات الحكومية؛ حيث لم ينص الاتفاق على التخلص الفوري أو المتدرج من الوقود الأحفوري، بل نص على عملية تحول؛ بإعطاء كل دولة الحق في اختيار المنهجية التي تحافظ على مصالحها؛ نظرًا لأهمية البترول والغاز كمصدر لإنتاج الكهرباء في دول الخليج؛ ما يجعلها ترفض أي قرار يتعلق بالاستغناء عن الوقود الأحفوري، علاوة على أن تكلفة الاستثمارات الموجهة نحو الطاقة الخضراء كبيرة جدًا، كما أنها غير مضمونة النتائج.
ومن اللافت للانتباه ويدل على ازدواجية المعايير لدى الدول الغربية التي تنادي بالتخلص من الوقود الأحفوري، أنها أول من استخدمته في تحقيق مصالحها خلال الحرب الروسية الأوكرانية؛ فعندما قطعت روسيا الغاز عن أوروبا، لجأت أيرلندا وألمانيا وبولندا إلى استخدام الفحم في توليد الكهرباء؛ فأين إذًا اتفاقيات المناخ؟! وأين تنفيذ صفر انبعاثات أو صفر كربون؟!
من الواضح أن المواقف المعلنة من الدول الكبرى تسير في اتجاه، وما يدور في الكواليس في اتجاه آخر؛ وهو الاستمرار في استهلاك انتاج الوقود الأحفوري، مع الاستثمار في التكنولوجيا القائمة على تنظيف الانبعاثات وتقنيات الطاقة المتجددة والتي ما زالت محل دراسة وجدل بسبب ارتفاع تكلفتها من اتجاه، ومن اتجاه آخر لا يمكن لكل الدول الاعتماد عليها؛ وخير مثال على ذلك هو مجال الطاقة الشمسية فهناك دول تعاني من قلة معدل السطوع الشمسي لديها؛ وبالتالي لن تحقق شروط إنتاج الطاقة الشمسية.
وختامًا، أرى أن المعيار الحقيقي لقياس مدى نجاح مؤتمر كوب28 من عدمه يتوقف على مدى التزام الدول بتنفيذ توصياته التي سوف تبقى مرهونة لإرادة الدول الكبرى، ورغبتها في تنفيذ ما تم الاتفاق عليه في المؤتمر، بالإضافة إلى توفير التمويل المناسب والتأكد من تنفيذ التعهدات المتفق عليها، مع توفير آلية رقابة فعالة؛ للتأكد من تنفيذ المتفق عليه؛ للمضي قدمًا في المسار الصحيح، وتصويب أي انحرافات قد تحدث.
د.إسلام جمال الدين شوقي
خبير الاقتصاد وأسواق المال
عضو الجمعية المصرية للاقتصاد السياسي
مقالات ذات صلة:
الآثار الاقتصادية للعدوان الصهيوني على غزة
التعليقات مغلقة.