الابتكار.. ديمومة حيوية للشركات

0

إنَّ الشركات التي تخلق ميزة تنافسية، يصعب على المنافسين استنساخها بسهولة من خلال الابتكار والتطوير، قد يكون الابتكار في المنتج (مثل أبل)، أو إعادة تصميم سلسلة القيم (مثل شركة زار للملابس)، أو من خلال نموذج الأعمال (مثل المراعي وIBM).

وللإجابة على السؤال المحوري: لماذا تمتاز بعض الشركات بالابتكار؟ نجد ستيف جوبز؛ رئيس شركة أبل، يجيب بأنه:” مجرد ربط الأشياء”، ويعرفه بيتر دراكر؛ مؤلف كتاب Concept of Corporation بأنه” التغيير الذي يخلق أبعادًا جديدة للأداء”، بينما تعيش بعض الشركات حالة من الجمود! وقبل هذا السؤال نتساءل ماهي ضرورة الابتكار؟

جرير،IBM،IKEA
من السمات المشتركة بين هذه الشركات معدل النمو المستمر، وارتفاع هوامش الربح، وارتفاع العلاوة مقارنة بالسوق.

هذه السمات الإيجابية أنتجت روح الابتكار؛ فجرير استطاعت من خلال قوة الابتكار أن تعيد تعريف المكتبة، فهي لم تتنافس مع العبيكان أو مكتبة المكتبة، بل قدمت نموذجًا جديدًا للمكتبة IKEA ، وحققت النجاح في تجارة المفروشات في قطاع التجزئة؛ لأنها قدمت فكرة أعمالها بنفسها؛ فالابتكار ضرورة لنجاح الشركات الجديدة؛ إذ أثبتت الدراسات الأكاديمية أن فشل أغلب الشركات الجديدة يعود لافتقارها استراتيجية مبتكرة تختلف تمامًا عن الشركات الرائدة في نفس القطاع، فبنك الإنماء لم يحقق نجاحًا يذكر؛ لأنه لم يستطع تقديم استراتيجية مبتكرة، فهو يحاول منافسة البنوك القائمة. وفي المقابل، استطاع مصرف الراجحي تحقيق نجاحات سريعة ومتتالية؛ لأنه ركز على تقديم خدمة مختلفة؛ وهي البنوك الإسلامية.

قوانين اللعبة
يقول البروفيسور Constantions C. Markides، بجامعة لندن للأعمال في كتابه Game-changing Strategy : “من خلال دراسة للشركات الناجحة، اكتشفت أن الشركات الناجحة هي التي لا تحاول لعب نفس اللعبة بطريقة أفضل، بل تغير قوانين اللعبة من خلال الابتكار.

ويعتقد البروفيسور Govindarajan؛ أبرز العلماء الذين يتحدثون عن الابتكار وله عدة كتب في هذا المجال، لكن كتابه “حل الصناديق الثلاثة”، يعد مثيرًا، ويتطلب بعض التأمل؛ إذ يشير إلى أن الشركة، لكي تكون مبتكرة، عليها التعامل مع ثلاثة صناديق:

الأول: لإدارة الشركة في الوقت الحاضر.
الثاني: النسيان الانتقائي للماضي، وهو يشكل تحديًا ويحتاج إلى فهم عميق؛ لأن عوامل نجاح الشركة، قد تحجبها عن رؤية المستقبل وتكون سبب في فشلها، فشركة نوكيا، سقطت لغياب الرؤية الاستراتيجية، واعتمادها على نجاحات سابقة.
الثالث: يتعلق بخلق المستقبل.

والتحدي هو الملازمة بين الصناديق الثلاثة، فعلى الشركة تحقيق أقصى كفاءة إنتاجية في الوقت الحاضر، وابتكار نموذج جديد لممارسة أنشطة الشركة مستقبلًا، متحررةً من قيود الماضي.

وفي اعتقادي أن شركة مايكروسوفت، استطاعت أن توازن بين هذه الصناديق الثلاثة؛ ما جعلها أكبر الشركات العالمية؛ إذ تبلغ قيمتها السوقية ترليون دولار!

بين الابتكار والجمود
نعود للتساؤل السابق: لماذا تمتاز بعض الشركات بالابتكار، بينما تعيش أخرى حالة جمود؟

تكمن الإجابة ببساطة في “التحدي والقلق الإيجابي”، ولشرح هذا المفهوم نستعين بقصة جاك ويلش؛ الرئيس التنفيذي لشركة جنرال إلكتريك، فعندما استلم قيادة الشركة في 1980م وكان أداؤها جيدًا من حيث المؤشرات المالية، خلق ما يُسمَّى بـ “المشكلة الإيجابية” ؛ من خلال إعادة هيكلة كبيرة ومؤلمة، جعلت الشركة من أفضل الشركات الأمريكية، وارتفع سعر سهمها من دولار واحد في عام 1980 إلى 5.3 دولار في عام 1990م.

وعلى الرغم من هذا النجاح الكبير، لكنه لم يتوقف عنده، بل قام بهيكلة كبيرة في عام 1997م ؛ لتنسجم مع أهداف نوعية أخرى بالرغم من نجاح ها الكبير، قياسًا بالعائد على حقوق المساهمين والبالغ 25%، فارتفع سعر سهمها ليسجل في أكتوبر 1997م 24.5 دولار.

لقد لخص جاك ويلش الفكرة في خطابه في مدينة نيويورك: ” النمو السريع في اقتصاد النمو البطيء “؛ لذا ارتفعت قيمة الشركة خلال فترة قيادته (1981-2001) بنسبة 4000%.

عشرة أسباب
أشار أحد الأبحاث إلى عشرة أسباب تجعل الشركات تفتقر إلى روح الابتكار؛ أهمها: الخوف والافتقار إلى فعالية القيادة، ونقص المعرفة المهنية، بالإضافة إلى البيروقراطية، فالشركات التي تعيش حالة جمود، وتفتقر إلى روح الابتكار، لم يتوافر لها قيادات جريئة تتمتع برؤية ومعرفة فنية، تجعلها تتبنى أهدافًا طموحة، وتدير المخاطر بدلًا من تجنبها؛ إذ يقول نورمان فيسنت: ” أعظم مخاطرة في الحياة، هي عدم المخاطرة”.

إن الرئيس التنفيذي لشركة جنرال إلكتريك، كان يتمتع بمعرفة مهنية عالية، فقد كان مهندسًا ميكانيكيًا، وكان لديه رؤية وجرأة في اتخاذ قرار ينطوي على مخاطر عالية، تمثلت في إعادة الهيكلة المؤلمة، وتبني أهداف طموحة.

إنَّ الشركات التي تفتقر إلى الابتكار، تستهدف إبقاء حالة الاستقرار، وتكتفي بالرضا عن الإنجازات السابقة، وتتسم بالثقة المفرطة، وتعمل بقوة المخزون المعرفي ضمن أطر بيروقراطية، كما أنَّ نموذجها العقلي يولد تفكيرًا غير نشط، يُعسِّر عليها مواجهة التغيرات، علاوة على عجزها عن التنبؤ بالتحديات المستقبلية.

وفي العادة تستمر إدارتها العليا- وخصوصًا رئيسها التنفيذي، ورئيس مجلس إدارتها- في قيادة الشركة طويلًا، فتحجب نجاحاتُها الماضية، رؤيةَ المستقبل؛ وبالتالي تفتقر إلى أهداف طموحة.

لنتأمل قول DOW ؛ مؤسس شركة داو الكيميائية: ” إذا كنت لا تفعل ذلك بالشكل الأفضل، فلماذا تفعله؟”، إنه قول يعكس الأهداف الطموحة، ويجسّد الالتزام بالابتكار، وتحمٌّل مخاطر عدم اليقين؛ من أجل توليد فرص تحقق النمو المستدام”.

مؤشرات مالية جيدة
إنَّ الشركات التي تفتقر إلى الابتكار، ليست بالضرورة تفتقر إلى مؤشرات مالية جيدة، فشركات الأسمنت مثلًا تمتاز بارتفاع العائد على حقوق الملكية، وارتفاع الأرباح الموزعة، مستفيدة من دعم مدخلات الإنتاج، ولكنها في الوقت نفسه تفتقر إلى روح الابتكار؛ ما يجعلها عاجزة عن مواجهة تحديات؛ مثل تخفيض إعانات مدخلات الإنتاج، أو انكماش الطلب على الأسمنت؛ وهو ما يحدث حاليًا، فمثل هذه التحديات تضعها أمام خيارات صعبة.

نهدف من هذا المقال إلى تشجيع الشركات على تبني ثقافة الابتكار، وجعلها أحد قيمها التي على أساسها تقيس إنجازاتها، مع عدم الاكتفاء بالمقاييس المالية للنجاح؛ إذ يتطلب ذلك تغيير منحى التفكير في اختيار القادة ومكافأتهم وقياس أدائهم، كما يتطلب تغييرًا في الهياكل التنظيمية، بحيث تكون أكثر مرونة، وأقل بيروقراطية، مع خلق بيئة تشجع الأفكار الرائدة.

إنَّ مثل هذا الشركات هي فقط التي تنتج قادة يتخذون قرارات تتسم بالجرأة، وتخالف الاتجاهات العامة في التفكير، وتشجيع وتقبل مخاطر هذه القرارات في جميع اتجاهات الحياة؛ لأن مثل هذه القرارات هي ما يُحدث قفزات يُستفاد منها بشكل كبير، ويستمر تأثيرها طويلًا.

راضي الحداد
خبير مالي

الرابط المختصر :
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.