التوازنات الاقتصادية..والتوافقات السياسية

0 155

 

تُبنى المواقف السياسية للدول على أساس درجة ومستوى التقارب الحاصل بينها والممثل في طبيعة وجملة علاقات التعاون، سواء على المستوى الثنائي من خلال اتفاقيات التعاون التي تربطها ببعضها البعض في مختلف المجالات، أو على مستوى العلاقات متعددة الأطراف انطلاقًا من الالتزامات المنشأة بحكم اعتبارات الانتماء الإقليمي أو العضوية المشتركة في المنظمات العالمية.

التضخم.. سرطان الاقتصاديات الحديثة

وتتعزز جملة هذه العلاقات بحزمة روابط مختلفة جغرافية وتاريخية وعقائدية واعتبارات المصير المشترك، وجميعها تُكسِب هذه العلاقات طابع الأهمية الاستراتيجية، وتُضفي عليها الحيوية الضرورية؛ كي تشكل في مجموعها المبرر الموضوعي لتحديد نوعية وحجم المصالح، وتعتبرها كل دولة في تعاونها مع الدول الأخرى وسيلة لتجسيدها ماديًا، وسبيلًا لتفعيلها، وأداة لتحقيق تنميتها واستمرار رقيها.

وعلى قدر تنوع هذه المصالح وتوسعها، تتطور العلاقات أكثر، وتتشابك على نحو يصعب جدًا التراجع عنها أو حتى مجرد إعادة النظر فيها، قبل تمام بلوغ الهدف الذي كان وراء تشكيلها؛ لأن هذا التراجع قد يضر بمصلحة الطرف الآخر.

صبحة بغورة تكتب.. عـالم المبيعات

يعتمد تحديد المصلحة المراد تحقيقها من وراء إقامة العلاقات بين مختلف الدول على معيار التقدير المسبق والسليم لطبيعة الفائدة المرجوة من ورائها، وعلى حجم المنفعة المأمولة العائدة عليها والمكاسب المتوقعة منها، وعلى معيار التوقع الموضوعي والصحيح للمقابل الواجب تقديمه، وعلى الاعتراف الذاتي والنزيه بدرجة الاستعداد للوفاء به.

إنه التبصر الصحيح لواقع الأمور والاستشراف العلمي لمستقبلها والذي عليه يتبلور مفهوم المنافع المتبادلة، وتتحدد المصالح المشتركة، ويتحقق التبادل المتكافئ، وتتجسد علاقات التعاون المثمرة، وينشأ الاستثمار الحقيقي والشراكة المنتجة للثروة.

ومع ذلك، لا تكفي كل هذه الاعتبارات لتضمن للعلاقات الدولية القابلية المطلوبة للتطبيق النموذجي النزيه في الواقع العملي؛ إذ غالبًا ما يعترضها كثير من الاختلافات في وجهات النظر التي تعود الى إرادة كل طرف في تعظيم مكاسبه، وحرصه على تقليل حجم الالتزامات الواجبة عليه، وتقليل سقف الخسائر المحتملة إلى أدنى حد يمكن أن يتحمله اقتصاد هذا الطرف أو ذاك، مع ضمان عدم المساس بشؤونه الداخلية إلى المستوى الذي لا يمكن أن يتقبله مبدأ الحفاظ على السيادة.

طبيعة التوازنات

وبين حيوية تأثير هذه الاعتبارات، وقوة انعكاساتها، تتأرجح طبيعة التوازنات كتحديات لا مفر من مواجهتها، وتبرز معالمها في سلم المصالح، سواء في شكل قوى إيجابية مشجعة للرقي بالعلاقات الدولية في سهولة، أو في صورة عوامل سلبية ضاغطة، أو أسباب مقيدة لها وكابحة للآمال المعقودة عليها؛ كأن ترتبط بتسهيلات اقتصادية غالبًا ما تكون أقرب إلى التنازلات الاضطرارية أو تتعلق بمطالب خاصة أقرب في طبيعتها إلى الشروط، وأخطرها مراجعة التوجهات الرئيسة لنظام الحكم على مستوى السياسة الخارجية، أو تتصل بأمور جوهرية تمس  الأوضاع الداخلية للدول التي تتعلق بالخصوصيات المحلية الحساسة المعبرة عن وحدة الأمة؛ كالتعرض إلى المسائل  الخاصة بالحفاظ على أمن المرجعية الدينية ووقايتها من التزييف والتطرف، والحفاظ على سلامة الهوية الثقافية من التشويه والانحلال، وضمان متانة الروابط الاجتماعية المشتركة ، فمثل هذا التعرض لمقومات الشخصية الوطنية أمر مريب؛ لأنه يكاد يلامس حدود تدخل خارجي في الشؤون الداخلية؛ أي يحمل سمات المؤامرة.

نوعية التوازنات

إن تحديد حجم ونوعية التوازنات الاقتصادية للدول على نحو دقيق؛ للتوفيق بين حاجة التنمية المحلية ومقتضيات الظروف الدولية علم وفن ومهارة مطلوبة؛ لأنها الأساس في بناء اقتصاد قادر على قيادة قاطرة التنمية، ومواجهة الصدمات المفاجئة والظروف الدولية الطارئة؛ اقتصاد مبني على التناسق بين أجهزته، ومنسجم في توجهاته، ومتوافق بين قدراته العملية وإمكانياته الواقعية وبين مهامه الأساسية.

الاقتصاد السياسي

وعلم الاقتصاد السياسي كسائر العلوم، له أسسه ومفاهيمه وقواعده التسييرية والاستشرافية والتخطيطية، أما التمتع بالرؤية العميقة الشاملة للأمور والنظرة الثاقبة لها، والكياسة في الإدارة الاقتصادية فهي التي تمنح الفرصة للسياسات الاقتصادية للدول؛ كي تُبنى على أساس سليم؛ بمعنى التمكن أولًا من بلورة الأهداف لتحقيق توازناتها ورسم معالم المراحل الواجب قطعها، وتحديد طبيعة الإجراءات اللازمة لها والتي قد تأخذ طابعًا معينًا حسب الوضع الاقتصادي لكل دولة:

* كأن تتسم بالطابع الطارئ في حالات الدول الهشة اقتصاديًا، الطابع الذي يفرض عليها الإجراءات الاستعجالية الظرفية في صورة مسكنات للتوترات الداخلية ومهدئات للاحتقان الاجتماعي، وغالبًا ما يكون الاقتراض الخارجي هو سبيلها لذلك؛ بسبب عجز جهازها الإنتاجي ويعني استمرار عجزه بقاء الدولة رهينة الاستدانة الخارجية؛ وبالتالي تأخذ سياساتها الطابع الظرفي التكتيكي قصير المدى لمحاولة تجاوز مشاكل مرحلة معقدة لم يكن هناك مفر من تجنبها؛ بسبب قصور الهيكل الإنتاجي.

*  أن تكتسي بالطابع الاستراتيجي الدائم الذي ينم عن أن النظام الاقتصادي قوي بتعدد نشاطاته الإنتاجية وبتنوع مصادر دخله التي تتيح للسلطة السياسية رسم خطط التنمية طويلة المدى، ويمنحها قدرًا من الأمن في علاقاتها الدولية، ويُكسبها مكانة ريادية عالمية؛ لأن آفاق الاختيارات أمامها رحبة.

 الاستغلال المالي

وعلى هذا يمكن تصور مدى فاعلية أوراق الضغط التي تستغلها الدول ذات الاقتصاديات القوية على الدول الأضعف؛ لأنها الأقل شأنًا؛ وعليه يمكن تصور السيناريو لطبيعة الاستغلال المالي لأوضاع اقتصادية متعثرة لتحقيق أهداف سياسية؛ حيث يرى أصحاب هذه النظرة أن تحقيق التنمية الاقتصادية يأتي أولًا؛ لأنه سيؤدي تلقائيًا إلى خلق أجواء من الاستقرار يمكن أن تشكل مناخًا مناسبًا لتطبيق نموذج الديمقراطية في كنف الهدوء، ولكن هذه الطبيعة الاستغلالية في حد ذاتها كانت مدعاة لحدوث الاستقطاب النوعي بين الدول من نفس المستوى كمجموعة الدول الثمانية الأكثر تصنيعًا في العالم، أومن ذات نوع النشاط كدول منظمة “أوبك” المصدرة للنفط، والمجموعة الاقتصادية لغرب إفريقيا (إيكاواس)، فمنهم نلاحظ التقابل بين من يمتلكون الإمكانيات العلمية والقدرات التكنولوجية الصناعية وبين من يمتلكون أكبر الحصص من مصادر إنتاج الطاقة ويبصرون تمتعهم بإمكانيات طبيعية كبيرة.

هذا الوضع خلق حاجة ملحة لدى كل طرف للاستفادة من إمكانيات الطرف الآخر، وبقدر اشتداد هذه الحاجة عند أحد الطرفين، بقدر ما تمثل ورقة ضغط في يد الآخر لتحقيق أهداف سياسية.  وما استخدام الدول العربية المنتجة للنفط سلاحًا لحظر تصدير مواد الطاقة للغرب أثناء حرب أكتوبر 1973 إلا مثالًا لما يمكن أن تفضي اليه التضحية بالتوازنات الاقتصادية الداخلية الكبرى للدول؛ كي تكون هي- في حد ذاتها- ورقة ضغط لتحقيق أهداف سياسية دولية.

 التحديات الأمنية

ومثل هذا التوافق التاريخي يصعب تصور تكراره بنفس المستوى التنسيقي العالي وروح المسؤولية والالتزام، بعدما تعددت التحالفات الدولية، وتشكلت التكتلات الإقليمية، وتباينت مصالحها الاقتصادية فيما بينها تباينًا شديدًا، انعكس على مواقفها السياسة من القضايا الدولية، خاصة بعد بروز أشكال جديدة من التحديات الأمنية العابرة للأوطان؛ كاتساع نطاق التطرف العنيف، والإرهاب المسلح، وتفاقم قوافل الهجرة السرية، وتنامي أشكال الجريمة المنظمة، وتعدد مظاهرها حتى أصبحت جميعها تشكل عوامل ضغط على اقتصاديات الدول الغنية قبل الفقيرة، وعلى مكانة الأمم القوية قبل الضعيفة، ثم صارت مدعاة لتعالي أصوات التضامن الإنساني الدولي لمكافحة هذه الظواهر، ونداءات المطالبة بتضافر الجهود العالمية في مختلف المجالات لمحاربتها.

 التنمية الاقتصادية

ويشير الوضع الدولي الراهن إلى أن ثمة انتقال نوعي في العلاقات مظهره الاستغلال المالي لأوضاع أمنية صعبة؛ لتحقيق أهداف سياسية ؛ إذ يرى أصحاب هذه النظرة أولوية استرجاع الأمن واستعادة السلام لخلق الأجواء الفضلى للاتجاه نحو إرساء أسس نظام حكم ديمقراطي سليم في كنف الاستقرار، يسمح بالانطلاق في التنمية الاقتصادية، ولا يخلو مثل هذا الشكل من الاستغلال من احتمالات التعرض لبعض مظاهر المساومات، قد تبلغ حد المساس بالسيادة الوطنية، خاصة بالنسبة للدول الضعيفة أمنيًا، والهشة اقتصاديًا، أو تلك التي تُعرف حاليًا بالفاشلة سياسيًا؛ حيث تتعاظم  الخشية من أن يؤدي استسلامها- مُجبرةً أو راضيةً – إلى وقوعها لاحقًا ضحيةً للابتزاز غير المحدود الذي يصادر إرادتها.

التوافق السياسي

إنَّ التوافق السياسي مكسب كبير في حياة الشعوب ووجود الأمم، وجهود دعمه وتعزيزه تعني التزامًا أصيلًا بصيانة الوحدة الوطنية، كما أن القناعة بضرورة التمسك ببقائه قائمًا هو مسعى نبيل في مقصده وشريف في هدفه، فالاختلاف من سنن الحياة، فلولا الخوف ما عرفنا طعم الشعور بالأمن والسلام، ولولا الألم ما تذوقنا طعم الراحة، ولولا الحزن ما تمتعنا بالسعادة، ولولا الخلاف ما قدَّرنا قيمة نعمة التوافق.

#صبحة بغورة

                  صبحة بغورة

 

الرابط المختصر :
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.