يوم التروية.. لماذا سمي بذلك؟ وماذا يفعل الحجاج في مشعر منى؟
مع بزوغ شمس اليوم الإثنين، الموافق الثامن من ذي الحجة 1447هـ، توافدت جموع حجاج بيت الله الحرام إلى مشعر مِنَى غرب المملكة العربية السعودية؛ ليبدأ يوم التروية مع بداية أعظم رحلة إيمانية في حياة المسلمين وهي مناسك الحج.
ويشارك قرابة مليوني حاج في هذه الرحلة الروحانية العميقة، حاملين معهم أشواقهم ودموعهم وآمالهم، وسط تجهيزات هائلة أعدتها المملكة بعناية.
يوم التروية
ويقضي ضيوف الرحمن يوم التروية في مشعر مِنَى، وهو أول خطوات مناسك الحج التي تمتد على مدار ستة أيام. اقتداءً بسنة نبينا محمد -صلى الله عليه وسلم- الذي شرب من الماء في هذا اليوم استعدادًا لمناسك الحج.
ويعيد البعض تسمية يوم التروية إلى قيام الحجاج فيه بالارتواء بالإيمان والتقوى. كتهيئة روحية ليوم عرفة، أعظم أيام الحج، الذي يحل في التاسع من ذي الحجة غدًا الثلاثاء.
كما سمي بذلك لأن الحجاج كانوا قديمًا يتروون من الماء فيه في مكة ويحملونه معهم إلى مشعر “منى” وإلى “عرفات.
وطوال يوم التروية، ينشغل الحجاج بالدعاء والذكر والتلبية والتهليل، مرددين تلبية الحج: “لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك”.
ماذا يفعل الحجاج في مشعر منى؟
ويؤدي الحجاج في مشعر مِنَى الصلوات الخمس قصرًا دون جمع ويبيتون فيها، استعدادًا للتوجه إلى مشعر عرفة بعد شروق شمس اليوم التاسع من ذي الحجة.
حيث يتوجه حجاج بيت الله الحرام في اليوم الثامن من ذي الحجة، المعروف بـ”يوم التروية”. إلى صعيد مِنى محرمين على اختلاف نسكهم (متمتعين، وقارنين، ومفردين)، اقتداءً بسنة النبي -صلى الله عليه وسلم-.
كما يستحب للحجاج التوجه إلى مِنى قبل الزوال (أي قبل صلاة الظهر)، حيث يصلون فيها الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر، قصرًا للصلاة الرباعية دون جمع. ولا فرق في ذلك بين أهل مكة المكرمة وغيرهم، والسنة أن يبيت الحاج في مِنى ليلة عرفة. بحسب “واس”.
وفي هذا اليوم، يستحب للحاج المتمتع أن يحرم من مسكنه ضحى يوم التروية، وكذلك الحال بالنسبة لأهل مكة ومن أراد الحج منهم. فعن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: (أمرنا النبيُ -صلَّى الله عليه وسلَّمَ- لمّا أحلَلْنا أن نحرمَ إذا توجَّهنا إلى مِنى، قال: فأهلَلْنا من الأبطحِ).
أما القارن والمفرد اللذان لم يتحللا من إحرامهما، فيبقيان على إحرامهما الأول. بينما يسن للحاج في هذا اليوم الاغتسال والتطيب، وتجديد نية الإحرام، وترديد التلبية بقول: “لبيك حجًا”. وإن كان الحاج يخشى عائقًا يمنعه من إتمام نسكه. فله أن يشترط بقوله: “فإن حبسني حابس فمحلي حيث حبستني”.
وإذا كان يحج عن غيره، ينوي بقلبه ثم يقول: “لبيك حجًا عن فلان”، ثم يكثر من التلبية: “لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك”.
ما يستحب للحاج
كذلك يستحب للحاج الإكثار من التلبية أثناء توجهه إلى مِنى، اقتداءً بالنبي -صلى الله عليه وسلم- الذي كان يصلي الصلوات الخمس في مِنى. كما ثبت في حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه: (فلمّا كان يوم الترويةِ توجَّهوا إلى مِنى، فأهلُّوا بالحجِّ. وركب رسولُ اللهِ -صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ- فصلَّى بها الظهرَ والعصرَ والمغربَ والعشاءَ والفجرَ، ثمّ مكث قليلًا حتى طلعتِ الشمس).
وعند طلوع شمس يوم عرفة، يسير الحجاج من مِنى إلى عرفات، ملبين ومكبرين، كما كان يفعل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم.
وبالتالي، يمثل مشعر منى أحد أهم المواقع المقدسة المرتبطة بمناسك الحج. كما يحظى بمكانة خاصة في قلوب المسلمين لما يحمله من دلالات تاريخية وروحية. حيث يشهد على استمرار الشعائر من عهد سيدنا إبراهيم الخليل -عليه السلام- وحتى الآن.
في حين يقع مشعر منى بين مكة المكرمة ومزدلفة، ويبعد عن المسجد الحرام نحو 7 كيلومترات. وهو وادٍ مبارك تحيط به الجبال ويتم إحياؤه بالإيمان خلال أيام الحج. كما يقيم الحجاج ليالي التشريق ويؤدون فيه شعائر مثل رمي الجمرات والنحر والحلق أو التقصير.
مشعر منى ورحلات الحج
ويتميز مشعر منى بهويته المكانية الخاصة؛ حيث تحتوي طبيعته الجغرافية والشعائر التي يؤديها الحجاج على أهمية كبيرة.
كما تمتد الخيام البيضاء على جنباته كعلامة بارزة لمنظومة الحج الحديثة. مصممة وفق معايير عالية للسلامة والراحة لتستوعب ملايين الحجاج في بيئة آمنة مجهّزة بكفاءة.
ولكن في الماضي، كانت الخيام تنصب من مواد بسيطة وتفتقر لعوامل السلامة. أما اليوم فتوجد أكثر من 100 ألف خيمة ثابتة مصنوعة من الألياف الزجاجية المقاومة للحرارة والاشتعال. مجهّزة بالكامل بأنظمة تكييف وترقيم يسهل الوصول إليها ويعزز السلامة والتنظيم.
جهود المملكة
كما شهد مشعر منى تطورًا مستمرًا منذ عهد الخلفاء الراشدين وصولًا إلى رعاية المملكة التي أحدثت تغييرًا كبيرًا في البنية التحتية والخدمات المقدمة.
علاوة على ذلك، تتضمن رؤية المملكة تحسين تجربة الحج عبر تطوير الخدمات والبنية التحتية والتقنيات الذكية. بما يسهم في تنفيذ رؤية المملكة 2030 لتمكين الحجاج من أداء مناسك الحج بسهولة وأمان.
ويبقى مشعر منى رمزًا للتضحية والطاعة ويمثل في ذاكرة الأمة الإسلامية ميدانًا للإيمان والتقوى. حيث يعيش الحجاج أيامًا ملؤها السكينة والطمأنينة وهم يلهجون بالذكر والدعاء في رحاب أعظم أيام الله.



