منصة إعلامية عربية متخصصة فاعلة في مجال الاقتصاد بروافده المتعددة؛ بهدف نشر الثقافة الاقتصادية، وتقديم المعلومات والمصادر المعرفية السليمة التي تسهم في نشر الوعي الاقتصادي، ومساعدة أصحاب القرار في اتخاذ القرارات الصائبة التي تقود الاقتصاد نحو تنمية فاعلة ومستدامة.

لماذا يجب على الشابات المساهمة في تشكيل مستقبل الهندسة؟

تشكل الهندسة القوة الدافعة وراء بناء المستقبل، من خلال تصميم الأنظمة، ومعالجة التحديات المعقدة، وتوسيع آفاق الابتكار والإمكانات البشرية.

ومع ذلك، ظل هذا المجال، عبر مراحل طويلة من تاريخه، يفتقر إلى التمثيل المتوازن بين الجنسين. ورغم التقدم الملحوظ الذي تحقق خلال العقود الأخيرة، لا تزال النساء، ولا سيما الشابات، ممثلات بنسبة أقل في العديد من التخصصات الهندسية.

ومن هنا، لم يعد الحديث يقتصر على كسر الحواجز وإزالة العقبات، بل أصبح يتمحور حول تعزيز المشاركة الفاعلة، وترسيخ القيادة، وتوسيع دائرة التأثير.

مستقبل الهندسة

لا يتطلب مستقبل الهندسة إشراك الشابات فحسب، بل تمكينهن من المساهمة في رسم ملامح هذا المستقبل وصياغة مسار تطور القطاع.

يطور المهندسون حلولًا وتقنيات تخدم شرائح متنوعة من المجتمع، وعندما تقتصر عملية الابتكار على فئة ديموغرافية محدودة، فإن ذلك قد ينعكس على نطاق الرؤى التي تبنى عليها هذه الحلول.

وتسهم الشابات في إثراء القطاع الهندسي بوجهات نظر وتجارب مختلفة، تعد أساسية لتصميم حلول أكثر شمولًا وفاعلية وتركيزًا على احتياجات الإنسان.

التنوع داخل فرق الهندسة

فالتنوع داخل فرق الهندسة لا يعزز الإبداع والابتكار فحسب، بل يساعد أيضًا على اكتشاف تحديات قد لا تكون ظاهرة للجميع. مثل اعتبارات السلامة، وسهولة الاستخدام، وإمكانية الوصول، ما يؤدي إلى تطوير حلول أكثر استجابة لاحتياجات المجتمع بمختلف فئاته.

لم يعد كافيًا أن تطرق الشابات أبواب الهندسة طلباً للفرصة، بل ينبغي أن يكنّ جزءًا فاعلًا في رسم ملامح هذا المجال وإعادة تشكيل مستقبله.

ومع ذلك، لا يزال حضور المرأة في العديد من التخصصات الهندسية ينظر إليه باعتباره استثناءً لا ضرورةً استراتيجية.

وإذا كانت الهندسة مطالبة اليوم بمواجهة تحديات عالم سريع التغير. فإن ذلك يتطلب تمكين الشابات ليس فقط من دخول هذا المجال، بل من المساهمة في تحديد أولوياته، وتوجيه مساراته، وصياغة الحلول التي تؤثر في مستقبل المجتمعات والأجيال القادمة.

مشاركة الشابات في مجال الهندسة

لسنوات طويلة، ركز الخطاب السائد حول المرأة في مجال الهندسة على فكرة “كسر الحواجز”. ورغم أن هذا الطرح يقر بالتحديات التي واجهتها المرأة في الماضي، إلا أنه لم يعد يعكس الواقع الكامل؛ فالشابات اليوم لا يكتفين بدخول عالم الهندسة، بل يشاركن بفاعلية في تشكيل مساره، لا سيما في مناطق مثل الشرق الأوسط، حيث تعيد عمليات التنمية المتسارعة صياغة ما يمكن للهندسة تحقيقه.

تحتل الهندسة مكانةً جوهريةً في الإستراتيجيات الوطنية الطموحة في جميع أنحاء الشرق الأوسط. إذ تبرز مبادرة الإمارات الإستراتيجية لتحقيق الحياد المناخي بحلول عام 2050 ومشاريع التطوير الضخمة -مثل “مدينة مصدر”- التزامًا راسخًا بالابتكار المستدام.

ولا تقتصر متطلبات هذه المشاريع على الخبرة الفنية فحسب. بل تتطلب أيضاً وجهات نظر متنوعة لضمان تقديم حلول شاملة وفعالة وذات أثر اجتماعي إيجابي. وتساهم الشابات العاملات في مجال الهندسة بشكل متزايد في هذا التحول.

جامعة هيريوت وات

تشكل الجامعات حلقة وصل محورية بين تطلعات الطلبة ومتطلبات سوق العمل. وقد تبنت جامعة هيريوت وات مبدأي الشمول والمساواة بين الجنسين كجزء أساسي من هويتها المؤسسية.

فقد كانت من أوائل المؤسسات التعليمية في اسكتلندا التي فتحت أبوابها أمام النساء للالتحاق بتخصصات العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات ، في خطوة عكست مبكرًا قناعة راسخة بأن التعليم الهندسي يجب أن يكون متاحًا لكل من يمتلك الموهبة والطموح والقدرة على الإنجاز.

واليوم، تواصل الجامعة، عبر فروعها الدولية بما في ذلك حرم دبي. توسيع نطاق الوصول إلى التعليم من خلال المنح الدراسية، والمبادرات الطلابية الداعمة للشمول، والفعاليات الموجهة للنساء، بما يسهم في تمكين الطالبات من بناء الثقة وتطوير شبكات مهنية فاعلة منذ المراحل المبكرة من دراستهن.

ينبغي للشابات أن يشاركن في صياغة مستقبل الهندسة، لا أن يكتفين بمجرد الانضمام إليه. فالتحديات التي تواجهها دولة الإمارات والعالم بأسره -بدءاً من إزالة الكربون من أنظمة الطاقة ووصولًا إلى تصميم مدن قادرة على الصمود أمام التغير المناخي- ليست تحديات فنية بحتة، بل هي قضايا اجتماعية وأخلاقية وسياسية.

فالمهندسون هم من يحددون الأولويات بشأن احتياجات الأفراد، والمخاطر المقبولة، وآليات توزيع المنافع.

وعندما تتولى النساء إدارة مكامن النفط، أو قيادة مشاريع الطيران والفضاء، أو رئاسة فرق الإنشاءات. فإنهن يثرين هذه القرارات برؤى وتجارب حياتية مختلفة. وحين تدعمهن جامعات مثل “هيريوت وات” بالمنح الدراسية وتزويدهن بالمهارات والخبرات والمعرفة. فإنها تضمن ألا تظل أصواتهن معزولة، بل تصبح جزءًا من صوت جماعي متنامٍ ومؤثر.

تجاوز الحواجز

يعني تجاوز الحواجز، الانتقال من مرحلة الاحتفاء بـ “الأوائل” سواء كانت أول مهندسة إنشائية. أو أول مهندسة مكامن نفطية، أو أول دفعة نسائية في برنامج ما  إلى مستقبل يزخر بأعداد كبيرة منهن.

وتثبت دولة الإمارات وجامعة “هيريوت وات” أن هذا التحول قد بدأ بالفعل؛ إذ تكمن المهمة الآن في الحفاظ على هذا الزخم، لكي تتمكن الفتيات في الجيل القادم حين ينظرن إلى ناطحات السحاب أو محطات الطاقة الشمسية أو المركبات الفضائية من رؤية ما تم إنجازه، وفي الوقت ذاته، رؤية دورٍ لأنفسهن في بناء ما هو قادم.

 

أولغا بوتابوفا-كرايتون، أستاذة مساعدة في كلية الهندسة والعلوم الفيزيائية، جامعة هيريوت-وات دبي

الرابط المختصر :
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.