ضربة موجعة.. تداعيات وقف إنتاج حقل تمار الإسرائيلي بعد طوفان الأقصى
المخاطر الأمنية، التي أعقبت عملية طوفان الأقصى، وعدوان قوات الاحتلال الإسرائيلي على الشعب الفلسطيني في قطاع غزة، أدت إلى ارتفاع أسعار الغاز لأعلى مستوى منذ 8 أشهر، وخاصًة بعد قرار قوات الاحتلال بإيقاف توريد الغاز من حقل تمار، ما يؤدي إلى تراجع الإمدادات، وتأثر العديد من دول العالم.
قد يعجبك.. طوفان الأقصى يقود أسعار النفط إلى الارتفاع
وأكبر دليل على ذلك ارتفاع أسعار الغاز في أوروبا بنسبة 40%، عند 56 يورو، ما يعادل 59.2 دولار. لكل ميجاواط/ ساعة، عقب اندلاع حرب إسرائيل- غزة في 7 أكتوبر 2023. إذ أخذ المتداولون في اعتبارهم حجم التداعيات التي قد تصيب القارة الأوروبية والأردن ومصر، جراء توقف حقل «تمار» عن الإنتاج.
الغريب في الأمر أنه رغم ارتفاع الأسعار، لم يتم تحقيق المكاسب الطبيعية، منذ يومين، إذ وصلت إلى 46.5 يورو. ما يعادل نحو 50 دولارًا لكل ميجاواط/ ساعة، بسبب مساعي احتواء الصراع في الشرق الأوسط، وتوقعات الأرصاد الجوية في أوروبا. بطقس معتدل، وتعافي الإمدادات من النرويج، المصدّر الأكبر في أوروبا للغاز.
لهذه الأسباب يجري التوسع في بيع إنتاج الغاز لمدد طويلة الأجل، تزيد على 10 سنوات مقبلة، لضمان الإمدادات. على المدى الطويل في ظل التغيرات الجيوسياسية إقليميًّا وعالميًّا، ووسط خطط الحكومات نحو تحول الطاقة وزيادة الاعتماد على الغاز. بوصفه مصدرًا منخفض الانبعاثات الكربونية، يأتي توقف بعض الحقول عن الإنتاج ليزيد من الضغوط على قطاع الغاز العالمي.
في حين يشهد قطاع النفط والغاز في أوروبا صعودًا متواصلًا منذ بدء تطور النزاع في الشرق الأوسط. كما سجل أعلى مستوياته في 9 سنوات يوم الاثنين الماضي، وقفز نحو 7 % منذ 7 أكتوبر. بينما ربحت أسهم شركات النفط الأوروبية الكبرى: «بي بي»، و«شل» و«توتال إنرجي» ما بين 4.5 % و7 % منذ بدء الحرب.
إنتاج حقل تمار
يذكر أن حقل تمار ينتج نحو 10 مليارات متر مكعب من الغاز، يستخدم نحو 85 % منها للسوق المحلية. ويصدر نحو 15 % المتبقية إلى الأردن بهدف توليد الكهرباء، ومصر بهدف الإسالة والتصدير لأوروبا.
كما يقع حقل «تمار» للغاز على بعد 25 كيلومترًا قبالة مدينة أسدود على ساحل البحر المتوسط جنوب إسرائيل. في حين تمتلك شركة شيفرون الأمريكية التي تدير الحقل، حصة 25%. كما تمتلك شركة إسرامكو 28.75%، وشركة مبادلة للطاقة الإماراتية 11%، و«يونيون إنرجي» 11%. و«تمار بتروليوم» 16.75 %، و«دور غاز» 4 %، و«إيفرست» 3.5 %.
في حين قررت دولة الاحتلال في 9 أكتوبر تعليق الإنتاج بحقل غاز «تمار» الذي أنتج 10.25 مليار متر مكعب. من الغاز عام 2022، تم استخدام 85 % منها في السوق المحلية، وتصدير نسبة 15% إلى مصر والأردن.
كما قالت شركة «شيفرون» في 10 أكتوبر إنها أوقفت تصدير الغاز الطبيعي عبر خط أنابيب غاز شرق المتوسط. (إي إم جي) بين إسرائيل ومصر، وإنها ستورده من خلال خط بديل يمر بالأردن. في حين يمتد خط أنابيب غاز شرق المتوسط من مدينة عسقلان بجنوب إسرائيل، على مسافة نحو 10 كيلومترات شمالي غزة. إلى العريش في مصر؛ إذ يتصل هناك بخط أنابيب بري. ولتعويض الفقد في الإنتاج من حقل تمار، تعمل حقول الغاز قبالة سواحل شمال الأراضي الفلسطينية المحتلة بكامل طاقتها. يذكر أن الكشف عن الغاز في لوثيان عام 2010 قد ساهم في تحويل إسرائيل إلى مصدر للطاقة.
احتياجات المملكة الأردنية من الغاز
قرار سلطات الاحتلال، بتعليق العمل في حقل تمار، يؤثر على احتياجات المملكة الأردنية من الغاز. إذ تعتمد بشكل كبير على انتاج الحقل. كانت الأردن قد تلقت أول إمدادات من الغاز الإسرائيلي في يناير من عام 2020، عن طريق شركة نوبل إنرجي الأمريكية. وبموجب اتفاق شراء وقّعه الأردن في 2016 لشراء الغاز الطبيعي من إسرائيل بداية من عام 2020. يزود كونسرتيوم أميركي- إسرائيلي، الأردن، بالغاز، لمدة 15 عامًا من حقل «لوثيان» الواقع في البحر المتوسط.
في حين تنص الاتفاقية على شراء الأردن ما مجموعه 300 ألف مليون وحدة حرارية بريطانية من الغاز الطبيعي يوميًّا. أي نحو 80% من احتياجات الغاز الطبيعي لتوليد الكهرباء في البلاد، بإجمالي 10 مليارات دولار.
كما حدد سعر الغاز وقتها بتسعيرة ذات شرائح متعددة مرتبطة بسعر برميل خام القياس العالمي، برنت. بحد أدنى للسعر عند 5.56 دولار لكل مليون وحدة حرارية بريطانية، عندما يكون سعر النفط 30 دولارًا للبرميل. أو أقل، في حين أن الحد الأقصى تم وضعه عند 11 دولارًا لكل مليون وحدة حرارية بريطانية. عند سعر نفط 320 دولارًا للبرميل أو أعلى.
بينما تستورد الحكومة الأردنية نحو 95% من احتياجاتها من الطاقة، مع ازدياد الطلب على الكهرباء سنويًّا. بمعدلات تدور بين 6-7% وتعتمد على الغاز الطبيعي وحده بنحو 80% لتغطية احتياجاتها من الكهرباء.
في حين يتحدد مدى إمكانية حدوث أزمة كهرباء بالأردن حسب إطالة أمد حرب إسرائيل- غزة، وتوقف حقل تمار عن الإنتاج. وسط مباحثات أردنية- مصرية، عن إمكان تعويض الغاز الإسرائيلي عن طريق الغاز المصري.
النسبة الأكبر لواردات الأردن من الغاز الإسرائيلي كانت من حقل لوثيان، ونسبة مهمة أيضًا من حقل تمار. في حال استمرار الحرب تتضح كمية الغاز الذي يحتاجه الأردن، والنسبة التي تقصر إسرائيل في ضخها. مع العلم بأن هناك اتفاقيات بين البلدين، وقد تكلف دولة الاحتلال تعويضات باهظة في حال عدم الالتزام بها.
مكاسب مصر
في سياق متصل بدأت مصر، استيراد الغاز من إسرائيل لأول مرة عام 2020، في صفقة قيمتها 15 مليار دولار. بين شركة «نوبل إنرجي» -التي استحوذت عليها «شيفرون» في 2020- و«ديليك دريلينغ»، وشركة «دولفينوس» القابضة المصرية.
ووقعت مصر بناء على هذه الاتفاقية، في يونيو 2022 مذكرة تفاهم مع الاتحاد الأوروبي وإسرائيل. لزيادة صادرات الغاز إلى الاتحاد الأوروبي، بهدف إمداد أوروبا بالغاز الإسرائيلي عبر محطات الإسالة المصرية بإدكو ودمياط على البحر المتوسط.
كما ارتفعت كميات الغاز الطبيعي المستوردة على مدار العام المالي 2021- 2022 بنسبة 45.69 % إلى 191 مليار قدم مكعبة. مقابل 131.1 مليار قدم مكعبة في العام المالي 2020- 2021.
ووسط مساعي مصر للعودة لتصدير الغاز بداية من شهر أكتوبر الجاري للقارة الأوروبية، بعد توقفها على مدار موسم الصيف. الذي يرتفع فيه الطلب محليًّا، جاء توقف إنتاج حقل «تمار» ليؤجل خطط القاهرة في استئناف صادراتها من الغاز، وسط ترقب أوروبي.
في حين توقعت مصادر أن هذا التأجيل يصاحبه ارتفاع في الأسعار، نظرًا لشح الإمدادات في السوق العالمية. وهو ما تستفيد منه القاهرة على المدى المتوسط، نظرًا لدخول موسم الشتاء، والذي يقل فيه الطلب على الغاز محليًّا. وترتفع فيه شحنات التصدير.
يشار إلى أن وزارة الطاقة الإسرائيلية كانت قد أعلنت أغسطس الماضي، أنها ترفع حجم صادراتها من حقل «تمار» إلى مصر. لتصل إلى 3.5 مليار متر مكعب سنويًّا لمدة 11 عامًا، أي بإجمالي يبلغ 38.7 مليار متر مكعب. مع إمكان زيادة هذه الكمية إلى 44 مليار متر مكعب.
أزمة القارة العجوز
رغم أن تدفقات الغاز من مصر تبلغ نحو 1.5 % فقط من واردات غرب أوروبا من الغاز الطبيعي المسال. خلال العام الجاري، فإن مساعي القارة الأوروبية لتقليل اعتمادها على روسيا موردًا رئيسيًّا للغاز، يجعل التداعيات ذات تأثير. إذ أن الولايات المتحدة وقطر وروسيا يستحوذون على نصيب الأسد من توريد الغاز للقارة العجوز. في حين خفضت روسيا إمداداتها من الغاز إلى أوروبا بنحو الثلثين، وسط تداعيات سياسية بشأن أوكرانيا.
كما كانت أوروبا تستعد لزيادة وارداتها من الغاز الإسرائيلي عبر مصر، خلال الشتاء المقبل، مع خطط استئناف مصر لصادراتها. من الغاز ورفع وارداتها من الغاز الإسرائيلي، إلا أن تداعيات الحرب قضت على هذه الخطط حتى الآن.
ارتفاع أسعار الغاز نتيجة تطور النزاع في الشرق الأوسط، دعمه تراجعت صادرات النرويج خلال سبتمبر الماضي. لأدنى مستوى منذ أكثر من عامين؛ حيث خفضت أعمال الصيانة المقررة وإرجاء بدء الإنتاج دخل تصدير الغاز الطبيعي. وتوقعات باستئناف الإضرابات في منشآت الغاز الطبيعي المسال التابعة لشركة شيفرون في أستراليا هذا الأسبوع. كما أدى ارتفاع المخزونات في دول الاتحاد الأوروبي، إلى تخفيف المخاوف بشأن العرض.
مقالات ذات صلة:
ذكريات مؤلمة.. اضطرابات الشرق الأوسط تنذر بأثار طويلة الأجل على أسعار النفط
التعليقات مغلقة.