حَمَام الحرم في مكة.. شاهد تاريخي على ذاكرة المكان
ترسم أسراب الحمام في سماء مكة المكرمة وساحاتها مشهدًا مألوفًا ارتبط بالعاصمة المقدسة عبر قرون.
في حين وثقت حضوره كتب التاريخ ومؤلفات الرحالة. ليبقى أحد ملامحها البصرية المميزة.
بينما لا يقتصر حضور حمام الحرم على الجانب الجمالي. بل يمتد إلى أبعاد تاريخية وثقافية وشرعية، كشفت عنها المدونات المكية التي سجلت أخباره ورواياته والأحكام المرتبطة به.
فيما تتحرك أسراب الحمام في محيط المسجد الحرام والأحياء والشوارع القريبة منه. وتحلق فوق الساحات والمباني، قبل أن تستقر في مواقع مختلفة للراحة والتعشيش، وسط اهتمام الزوار بتوثيق مشاهدها، بحسب وكالة أنباء السعودية (واس).
شواهد تاريخية
كما يعود توثيق حضور الحمام في مكة المكرمة إلى قرون مضت. إذ تضمنت المصادر التاريخية إشارات مبكرة إلى حمام مكة وحمام الحرم، وما ارتبط بوجوده من أخبار وأحكام.
كذلك أورد المؤرخ المكي أبو الوليد محمد بن عبد الله الأزرقي في كتابه «أخبار مكة وما جاء فيها من الآثار». روايات متعددة تناولت حمام الحرم وأحكام صيده داخل حدوده.
فيما تكتسب هذه الروايات أهميتها من مكانة كتاب الأزرقي. بين المصادر المبكرة التي وثقت تاريخ مكة، وشملت المعالم والأحداث والأحكام وجوانب الحياة الاجتماعية والعمرانية.
كما تناول المؤرخ المكي محمد بن إسحاق الفاكهي في كتابه «أخبار مكة في قديم الدهر وحديثه». أخبارًا وأشعارًا تتصل بحمام مكة وأحكام التعامل معه.
علاوة على ذلك كشفت النصوص التي أوردها الفاكهي عن معرفة أهل مكة بالحمام. وملاحظتهم سلوكه وأماكن وجوده، فضلًا عن حضوره في الثقافة المحلية والذاكرة الأدبية.
وامتد اهتمام المؤرخين إلى تسجيل الروايات والأشعار المرتبطة بهذه الطيور. بما أتاح التعرف على جوانب من الحياة الاجتماعية والثقافية في مكة خلال فترات تاريخية متعاقبة.
شهادة الرحالة
بينما قدم الرحالة محمد لبيب البتنوني في كتابه «الرحلة الحجازية». الصادر عام 1329هـ الموافق 1911م، وصفًا تفصيليًا لانتشار حمام الحرم خلال تلك الفترة.
في حين أشار البتنوني إلى وجود الحمام فوق أسطح المسجد الحرام وفي منافذه وطاقاته. وتجمعه في جهات مختلفة من الصحن، إلى جانب مواقع مخصصة لشربه وإطعامه.
وتكتسب مشاهداته أهميتها من توثيق تفاصيل انتشار الحمام ومواضع استقراره وحركته، لتشكل شهادة تاريخية تكمل الروايات التي حفظتها المصادر المكية القديمة.
وعُرف حمام الحرم في بعض المصادر والتعبيرات المحلية بتسميات متعددة، من بينها «حمام الحمى» و«حمام رب البيت»، المرتبطة بالموروث الشعبي المتصل بمكة.
كما ارتبط وجوده بخصوصية البلد الحرام من الناحية الشرعية. إذ تتضمن أحكام الحرم النهي عن صيده وتنفيره، وهو ما تناولته كتب الفقه وأخبار مكة.
التكيف مع العمران
يندرج الحمام الذي يعيش في البيئات الحضرية ضمن الطيور القادرة على التكيف مع النشاط البشري. مستفيدًا من المباني والفراغات المفتوحة للاستقرار والراحة والتعشيش.
وتوفر البيئات العمرانية مواقع متعددة لانتشار الحمام. تشمل الأسطح والحواف المعمارية والفتحات المرتفعة والساحات، بما يساعده على العيش بالقرب من التجمعات البشرية.
وتناولت الكاتبة روزماري موسكو في كتابها «A Pocket Guide to Pigeon Watching»، الصادر عام 2021م، تاريخ الحمام وعلاقته بالإنسان وسلوكه وقدرته على التكيف.
ويساعد هذا المنظور العلمي على تفسير استمرار وجود الحمام في المدن. بفضل قدرته على الاستفادة من المنشآت العمرانية والتحرك في أسراب بحثًا عن الغذاء والماء.
وفي مكة المكرمة، تتخذ أسراب الحمام من الساحات والمناطق المفتوحة والأحياء والشوارع مواقع للراحة والتجمع.
فيما يظل تحليقها فوق المباني مشهدًا مألوفًا للسكان والزوار.
ذاكرة اجتماعية
تجاوز حضور الحمام في مكة المكرمة جانبه الطبيعي والتاريخي. ليصبح جزءًا من الذاكرة الاجتماعية المرتبطة بتجارب السكان والحجاج والمعتمرين والزائرين.
ويحرص كثير من الزوار على تصوير أسراب الحمام خلال وجودهم في العاصمة المقدسة، خصوصًا بالمواقع المحيطة بالمسجد الحرام، لتظل مشاهدها حاضرة في ذكريات الزيارة.
ومع استمرار وجود الحمام في المواقع العامة، برزت أهمية المحافظة على النظافة والإصحاح البيئي، خصوصًا بالأماكن التي تشهد كثافة في حركة المشاة.
وتتزايد أهمية هذا الجانب مع تقديم بعض الأشخاص الغذاء والمياه للحمام بصورة غير منظمة، وما قد ينتج عن ذلك من تراكم المخلفات وبقايا الأطعمة.
جهود النظافة
تنفذ أمانة العاصمة المقدسة أعمالًا دورية ومستمرة لتنظيف المواقع التي تشهد تجمعات الحمام. ضمن جهود المحافظة على نظافة الساحات والأرصفة والممرات العامة.
كذلك تشمل الأعمال الميدانية غسل الساحات والمواقع، وإزالة المخلفات وبقايا الحبوب والأطعمة. إلى جانب متابعة مستويات النظافة وتعزيز الإصحاح البيئي في الأماكن العامة.
وتكتسب هذه الجهود أهميتها في ظل الكثافة البشرية التي تشهدها مكة المكرمة على مدار العام، وما تتطلبه من متابعة مستمرة للمواقع العامة.
وتسهم الممارسات الواعية في تحقيق التوازن بين العناية بالحياة الفطرية ومتطلبات النظافة، بما يحافظ على المشهد الحضري وسلامة مرتادي المواقع التي يتجمع فيها الحمام.
وبينما سجل الأزرقي والفاكهي أخباره ورواياته، ووثق البتنوني مشاهداته قبل أكثر من قرن، استمر حمام الحرم حاضرًا ضمن ملامح الحياة اليومية بمكة.
ويظل هذا الحضور شاهدًا على جانب من ذاكرة العاصمة المقدسة، جامعًا بين ما حفظته المصادر التاريخية وما يشاهده السكان والزوار اليوم، وسط استمرار جهود العناية بالبيئة الحضرية.