الهيدروجين الأخضر في المملكة.. مستقبل طاقة جديد يقوده الطموح
الهيدروجين الأخضر أصبح أحد الركائز الأساسية في إستراتيجية المملكة للتحول نحو الطاقة النظيفة، لطالما كانت المملكة لاعبًا رئيسًا في سوق النفط العالمي، لكن التغيرات المناخية والاتجاه الدولي نحو تقليل الانبعاثات دفعتها إلى تبني سياسات جديدة تتماشى مع رؤية 2030، مع التركيز على تطوير الهيدروجين الأخضر كمصدر طاقة مستدام وتنويع اقتصادي.
وفي هذا السياق، برز الهيدروجين الأخضر كأحد الحلول الواعدة لمستقبل الطاقة.
ما هو الهيدروجين الأخضر؟ ولماذا يراهن عليه العالم؟
الهيدروجين الأخضر ينتج عبر التحليل الكهربائي للماء باستخدام طاقة متجددة بالكامل مثل الشمس أو الرياح، دون أي انبعاثات كربونية.
ووفقًا لتقرير نشرته PV Magazine في يناير 2024؛ فإن هذا النوع من الوقود يمثل مكونًا استراتيجيًا في جهود الدول لتحقيق الحياد الكربوني، لا سيما في القطاعات الصناعية والنقل الثقيل؛ حيث يصعب الاعتماد على الكهرباء وحدها.
إستراتيجية السعودية.. خطط طموحة وخارطة طريق واضحة
وأعلنت السعودية رسميًا عن إستراتيجيتها الوطنية للهيدروجين عام 2020، والتي تركز على تطوير سلسلة إنتاج الهيدروجين الأخضر وتصديره.
وبحسب تقرير صادر عن مكتب “Baker McKenzie” القانوني؛ فإن المملكة تهدف إلى إنتاج نحو 4 ملايين طن من الهيدروجين منخفض الكربون سنويًا بحلول عام 2030.
بالإضافة إلى تغطية 10% من الطلب العالمي المتوقع في هذا القطاع خلال الفترة نفسها.
نيوم ومشروع هيليوس: حجر الأساس للتحول الصناعي
ويعد مشروع “هيليوس” الواقع ضمن مدينة نيوم أحد أهم المبادرات في مجال الهيدروجين الأخضر على مستوى العالم. وهو مشروع مشترك بين شركة “أكوا باور”، و”نيوم”، وشركة “إير برودكتس” الأمريكية. ووفقًا لبيان صحفي رسمي صادر عن Air Products، تبلغ القيمة الاستثمارية للمشروع نحو 8.4 مليار دولار.
وبحسب PV Magazine، فإن المشروع سيعتمد على أكثر من 4 جيجاواط من الطاقة الشمسية وطاقة الرياح لإنتاج ما يقارب 650 طنًا من الهيدروجين الأخضر يوميًا. يتم تحويلها إلى نحو 1.2 مليون طن سنويًا من الأمونيا الخضراء بهدف التصدير للأسواق العالمية، ومن المتوقع بدء التشغيل التجاري في عام 2026.
توسع خارجي وشراكات إستراتيجية.. من الإنتاج إلى النفاذ العالمي
لم تكتفي المملكة بتطوير مشاريعها داخليًا؛ بل سعت إلى تعزيز وجودها في السوق العالمية للهيدروجين من خلال اتفاقيات تعاون مع عدة دول.
ووفقًا لتقرير صادر عن Reuters وقعت السعودية اتفاقية شراكة مع الحكومة الإيطالية تهدف إلى تصدير الهيدروجين الأخضر عبر موانئ متخصصة وخطوط أنابيب تربط المملكة بأوروبا.
كما أشار تقرير “Baker McKenzie” إلى أن السعودية عقدت اتفاقيات مماثلة مع كوريا الجنوبية، فرنسا، الهند، ومصر. في خطوة تهدف إلى بناء شبكة توزيع دولية للهيدروجين الأخضر وتعزيز الاستثمارات في البنية التحتية للطاقة النظيفة.
ميزة تنافسية قوية: التكلفة المنخفضة وجودة المورد
كما تعد المملكة من الدول القليلة التي تمتلك مزيجًا فريدًا من المزايا التنافسية في إنتاج الهيدروجين الأخضر. على رأسها انخفاض تكلفة الكهرباء المنتجة من الطاقة الشمسية، ووفرة الأراضي الصحراوية الواسعة المناسبة لبناء محطات ضخمة.
وبحسب دراسة صادرة عن KAPSARC (مركز الملك عبد الله للدراسات والبحوث البترولية) نشرت في 2024؛ فإن تكلفة إنتاج الهيدروجين في السعودية أقل بنسبة تصل إلى 25% مقارنة بتكلفته في ألمانيا؛ ما يعزز فرص المملكة في السيطرة على جزء كبير من السوق العالمي في السنوات القادمة.
تحديات حقيقية
ورغم الإمكانيات الكبيرة والطموح الوطني، لا يخلو الطريق من تحديات معقدة، أبرزها:
- ارتفاع تكاليف التكنولوجيا المستخدمة، خاصة أجهزة التحليل الكهربائي (Electrolyzers).
- ندرة المياه اللازمة للإنتاج، ما يستلزم استثمارات موازية في تحلية المياه.
- ضعف البنية التحتية لنقل وتخزين الهيدروجين محليًا ودوليًا.
- غياب إطار تنظيمي محدد لسوق الهيدروجين في المملكة.
- محدودية الطلب المحلي على الهيدروجين، ما يجعل السوق التصديرية أساسية في المراحل الأولى.
ووفقًا لمقال بحثي نشر في مجلة ScienceDirect؛ فإن تجاوز هذه التحديات يتطلب مزيجًا من الحلول التقنية، التشريعات الحكومية. علاوة على الاستثمار المستدام في البحث والتطوير.
إلى أين تتجه السعودية خلال العقد القادم؟
كما تشير التوقعات الدولية إلى أن السعودية ستكون من بين أكبر منتجي الهيدروجين الأخضر عالميًا بين عامي 2030 و2035.
ووفقًا لتقرير تحليلي صادر عن PV Magazine، فإن المملكة، من خلال مشاريعها الضخمة وإستراتيجيتها الدولية، في موقع مثالي لتلبية احتياجات أوروبا وآسيا من الطاقة النظيفة في العقود القادمة.
دور المملكة في سوق الطاقة العالمية
ما تشهده السعودية اليوم ليس مجرد تطور في مصادر الطاقة؛ بل تحول استراتيجي في دورها الاقتصادي والدولي.
فبدلاً من الاقتصار على صادرات النفط، تستثمر المملكة في مستقبل الطاقة النظيفة. وتؤسس لنفسها مكانة جديدة كلاعب رئيسي في معادلة الطاقة العالمية.
وإذا ما استمرت المملكة في تنفيذ إستراتيجيتها بكفاءة؛ فإنها ستكون من أوائل الدول التي ساهمت فعليًا في قيادة التحول الطاقي العالمي، ووفرت نموذجًا يحتذى به في المزج بين الاستدامة، والابتكار، والسيادة الاقتصادية.
التعليقات مغلقة.