العلاقات السعودية الكورية.. لمحة تاريخية واتفاقيات اقتصادية
تتسم العلاقات السعودية الكورية بالتطور والتقدم المضطرد؛ ولعل ما يسهم في هذا، وما يدفع بها قُدمًا، عمق العلاقة بين البلدين، وطول أمدها التاريخي؛ إذ ليست هذه العلاقات وليدة اليوم، وإنما هي نتيجة عقود طويلة من التعاون في المجالات الاقتصادية والتجارية والسياسية أيضًا.
موضوعات متعلقة:
27.7 مليار ريال حجم التبادل التجاري بين السعودية وكوريا 2021


ولعل ما يدفع بهذه العلاقات السعودية الكورية قُدمًا، زيارة مون جيه إن؛ الرئيس الكوري الجنوبي، إلى المملكة العربية السعودية، والتي تأتي ضمن جولة شرق أوسطية ستشمل كلًا من الإمارات ومصر.
كوريا الجنوبية: صادرات البلاد ترتفع بنسبة 25.8%
وتأتي زيارة مون جيه-إن بدعوة من الأمير محمد بن سلمان بن عبد العزيز؛ ولي العهد السعودي نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الدفاع، وهي الزيارة الأولى منذ سبع سنوات.
وتواكب الزيارة الحالية للرئيس الكوري مون جيه إن إلى الرياض، الذكرى الستين لتأسيس العلاقات الدبلوماسية بين المملكة العربية السعودية وجمهورية كوريا، التي بدأت في 16 أكتوبر 1962م.
تاريخ العلاقات السعودية الكورية
أكثر ما يميز العلاقات السعودية الكورية تطورها الإيجابي المتسارع؛ وذلك مواكبةً للتنسيق السياسي والاقتصادي المستمر بين قيادتي البلدين الصديقين تجاه مختلف القضايا الدولية ذات الاهتمام المشترك، فضلًا عن اتصافها بالثبات والاستقرار والنمو الجيد المستمر.
وأبرمت المملكة وكوريا، خلال مسيرة علاقاتهما المتميزة، عددًا من الاتفاقيات الاقتصادية والاستثمارية المشتركة بين الشركات السعودية والكورية، إضافة إلى تبادل الخبرات في المجالات الثقافية، والرياضية، وتنظيم زيارات الوفود الشبابية بين البلدين.
وعزّزت القمة السعودية الكورية التي عقدت في الرياض العام 2015م، مسيرة العلاقات السعودية الكورية، والتي ركزت في بدايتها على المجالات الاقتصادية الخاصة بقطاعي النفط والإنشاءات، ثم تطورت، عبر السنين، لتشمل مجالات الثقافة، والأغذية، والصحة، والتجارة، والصناعة، والطاقة المتجددة والذريّة، وأسهمت في تحقيق مزيد من التقدم والتطور.
وقد أسهم في ازدهار التبادل التجاري زيادة التعاملات المرتبطة بالنهضة التنموية التي تعيشها المملكة، وما يجري في إطارها من تنفيذ لعدد من المشاريع الاقتصادية الحيوية والعملاقة، وتوسعة بعض المصانع والمنشآت النفطية، والبتروكيماوية والصناعية، والاستفادة من اقتصاديات المعرفة، وتطبيقات الحكومة الإلكترونية التي تملك الشركات الكورية خبرات واسعة فيها.
وأسهم المنتدى الاقتصادي والتجاري الأول بين المملكة وكوريا المنعقد عام 2014م، في إعطاء بعد جديد في العلاقات السعودية الكورية؛ إذْ أسهم في تعزيز التعاون في مجالات الصحة، والطب، وتنمية القوى البشرية، والطاقة النووية، والاستثمار في مختلف المجالات، خاصة الصناعي والتقني.
وعلى مستوى التعاون الحكومي، أسس البلدان اللجنة السعودية الكورية المشتركة قبل أكثر من 40 عامًا تقريبًا، ويكمن دورها في تعزيز المصالح العلاقات السعودية الكورية، وتعقد هذه اللجنة اجتماعاتها كل سنتين بالتناوب بين الرياض وسيئول، كان آخرها عقد الدورة الـ19 في شهر ديسمبر 2019م بالرياض.
الرؤية السعودية الكورية 2030
ولا يمكن الحديث عن العلاقات السعودية الكورية، من دون التطرق إلى الرؤية السعودية الكورية 2030؛ حيث أطلق البلدان (الرؤية السعودية الكورية 2030)، في شهر أكتوبر عام 2017م، وتم تشكيل لجنة مشتركة من ممثلي الجهات والهيئات الحكومية ذات العلاقة من البلدين؛ لمراجعة التقدم في هذه الشراكة، واعتماد مشروعات الرؤية وخططها التنفيذية، وتذليل الصعوبات في تنفيذها، وبذلك تعد جمهورية كوريا واحدة من ثماني دول تتعاون مع المملكة لتحقيق رؤية 2030.
وتوافق البلدان من خلال لجنة (الرؤية السعودية الكورية 2030) على 40 مشروعًا ومبادرة مبدئية لتأسيس الشراكة بينهما، وتتوزع هذه المشروعات على خمس مجموعات فرعية لحوكمة اللجنة؛ وذلك بغرض متابعتها ودعمها للوصول إلى أهدافها المرجوة، وهذه المجموعات هي: مجموعة الطاقة والتصنيع، ومجموعة البنية التحتية الذكية والتحول الرقمي، ومجموعة بناء القدرات، ومجموعة الرعاية الصحية وعلوم الحياة، وأخيرًا مجموعة المنشآت الصغيرة والمتوسطة والاستثمار.
وتسعى وزارتا الدفاع في البلدين، من خلال لجنة التعاون العسكري السعودية الكورية، إلى تعزيز التعاون في المجالات العسكرية والدفاعية؛ بما يخدم المصالح المشتركة للبلدين في هذا المجال.
وبدأ البلدان التعاون في مجال الصناعات العسكرية؛ إذْ وقّعت شركة (SAMI) السعودية مذكرة تفاهم مع ثلاث شركات تابعة لمجموعة “هانوا” الكورية، لتوطين الصناعات العسكرية في المملكة.
ولدى المملكة وجمهورية كوريا خطط متماثلة لمكافحة تغيُّر المناخ والاحتباس الحراري؛ حيث أعلنت سيئول عن خطتها لتحقيق الحياد الكربوني وخفض الانبعاثات الكربونية إلى مستوى الصفر في غضون العام 2050م، ويتوافق ذلك مع مبادرتي السعودية الخضراء والشرق الأوسط الأخضر، وإعلان المملكة عزمها تحقيق الحياد الكربوني بحلول العام 2060م.
صادرات وواردات
وأولى بنا أن نتطرق إلى حجم التبادل التجاري بين البلدين، طالما أننا نتحدث عن العلاقات السعودية الكورية؛ لا سيما وأن المملكة العربية السعودية تعد المصدر الرئيس لواردات البترول في جمهورية كوريا؛ حيث ارتفعت واردات كوريا من الخام السعودي بنسبة 2.1% على أساس سنوي (نوفمبر 2020م) إلى 24.41 مليون برميل، مقارنة بكمية الواردات المسجلة في الشهر نفسه من العام 2019م.
وتعد شركة أرامكو السعودية من أكبر الشركات السعودية المستثمرة في السوق الكورية؛ إذْ تستثمر في أكبر شركة نفطية كورية (S-Oil)، بامتلاكها نحو 60% من القيمة السوقية للشركة.
وحصلت شركة سامسونغ للهندسة ومجموعة هيونداي الكوريتان على عقد؛ لتنفيذ بعض أعمال مشروع حقل الجافورة للغاز في المملكة، بقيمة تفوق 11 مليار دولار. كما دخلت شركة هيونداي للصناعات الثقيلة شريكًا في مشروع إنشاء مجمع الملك سلمان العالمي للصناعات والخدمات البحرية في رأس الخير، الذي يعد أكبر مشروع من نوعه في المملكة والمنطقة من حيث القدرة الإنتاجية.
وتعد المملكة من أوائل الشركاء التجاريين لجمهورية كوريا في منطقة الشرق الأوسط، فبناءً على البيانات الأولية الصادرة من الهيئة العامة للإحصاء حتى شهر أكتوبر من العام 2021م، فقد بلغ حجم التبادل التجاري بين المملكة وكوريا أكثر من 242 مليار ريال سعودي (64 مليار دولار أمريكي) خلال الثلاث سنوات الماضية.
وبلغت قيمة صادرات المملكة إلى كوريا 69 مليار ريال سعودي (18 مليار دولار أمريكي) مقارنة مع 54 مليار ريال سعودي (15 مليار دولار أمريكي) في عام 2020م، فيما بلغت واردات كوريا إلى المملكة 10 مليارات ريال سعودي (3 مليارات دولار أمريكي).
وبلغ حجم التبادل التجاري غير النفطي (إجمالي الصادرات والواردات غير النفطية) بين البلدين، نحو 14 مليار ريال سعودي (4 مليارات دولار أمريكي).
ونما حجم التبادل التجاري بين البلدين بنسبة 14% ليبلغ 79 مليار ريال سعودي (21 مليار دولار أمريكي)، وشكّلت صادرات المملكة غير النفطية لكوريا (من إجمالي الصادرات لكوريا) نسبة 5% خلال العام الماضي 2021م، فيما بلغت قيمة الميزان التجاري 15.5 مليار دولار لصالح المملكة.
ولعل ما عزز العلاقات السعودية الكورية، وزيادة حجم التجاري تحديدًا، زيادة التعاملات المرتبطة بالنهضة التنموية التي تعيشها المملكة، وهو ما أدى بدوره إلى تعزيز مسيرة العلاقات التاريخية بين البلدين القائمة على أسس الاحترام المتبادل والتفاهم المشترك لكل ما يدفع بعلاقات الصداقة بين البلدين إلى آفاق أوسع.
اتفاقيات ومشاريع
ولا شك أن جمهورية كوريا تعد واحدة من أهم الشركاء التجاريين للمملكة؛ حيث حلت ضمن المراتب العشر الأوائل استيرادًا وتصديرًا من المملكة وإليها، إضافة إلى وجود 120 مشروعًا سعوديًا كوريًا مشتركًا بقيمة ما يقرب من المليار دولار أمريكي، منها 20% مشاريع صناعية إضافة إلى مشروعات تجارية واستثمارية أخرى في المملكة.
ومن جانبه، أكد اتحاد الغرف التجارية السعودية، أن زيارة فخامة رئيس جمهورية كوريا إلى المملكة ستعزز من حجم التعاون الثنائي، وستدفع بالعلاقات السعودية الكروية قُدمًا، وتفتح آفاقا اقتصادية واستثمارية جديدة بين البلدين خاصة أن كوريا تنفذ العديد من المشروعات العملاقة في المملكة، منها: مترو الرياض، ومشروع محطة الشعيبية لتحلية المياه وتوليد الطاقة، إضافة إلى مشروع بناء حوض السفن في رأس الخير.
وتُوِّجت العلاقات المتميزة بزيارة صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز ولي العهد نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الدفاع إلى كوريا عام 2019م التي شهدت العديد من الأنشطة السياسية والاقتصادية وتوقيع 15 اتفاقية، بلغت قيمتها 31.1 مليار ريال.
وتتضمن الاتفاقيات التعاون في شتى المجالات ومن أهمها: مجال تقنيات الاتصال والمعلومات، والحكومة الإلكترونية، والسيارات، ومجال اقتصاد الهيدروجين، والتأمين الطبي، والثقافة، والإشراف على المؤسسات المالية، والصناعات والبحوث والتقنيات العسكرية، إضافةً إلى برنامج الإستراتيجية الوطنية للملكية الفكرية، وتعاون بين المركز الوطني للدراسات الإستراتيجية مع المعهد الكوري للتنمية.
وبلغ حجم التبادل التجاري بين البلدين في الربع الثالث من عام 2021م حوالي 27.7 مليار ريال، لينمو بنسبة 66% مقارنة بالربع نفسه من العام السابق (أثناء ذروة الجائحة)، أمّا بالنسبة للأعوام السابقة، فقد ارتفع متوسط التغير النسبي في حجم التبادل التجاري بين البلدين للمدة بين (2010-2020)، حيث ارتفع بشكلٍ طفيف بنسبة 1.2 %.
ويرجع ذلك النمو الطفيف إلى الأزمات الاقتصادية العالمية التي تخللت هذه الأعوام، إضافة إلى الأزمة الحالية الناتجة عن جائحة (كوفيد-19) أثناء عام 2020م.
وأشارت دراسة مركز الدراسات الاقتصادية في اتحاد الغرف التجارية السعودية إلى أن كوريا احتلت المرتبة الرابعة في الربع الثالث لعام 2021م، للدول التي تصدر إليها المملكة والمرتبة العاشرة بالنسبة إلى الواردات، فيما يبلغ إجمالي الصادرات غير البترولية إلى كوريا 1.2 مليار ريال، إذ تصدرت الصادرات غير البترولية “منتجات الصناعات الكيماوية وما يتصل بها” الترتيب بمبلغ يقدر ب781 مليون ريال، يليها “معادن عادية ومصنوعاتها” بمقدار 221 مليون ريال.
