اقتصاد الصين على حافة الركود.. العقارات تنهار والناس يكبحون الإنفاق
تتعمّق أزمة اقتصاد الصين يومًا بعد يوم، مع تراجع الإنفاق الاستهلاكي بشكل حاد، واستمرار أزمة العقارات التي تثقل كاهل الاقتصاد بأسره منذ خمس سنوات على الرغم من وعود السلطات بإصلاح الوضع.
بدأ الانهيار عندما حاولت بكين كبح جماح المطوّرين العقاريين المتهورين، إلا أن النتيجة كانت عكسية. حيث تواصلت موجة الانخفاض في أسعار المساكن منذ أغسطس 2021، مع تسارع وتيرتها الشهر الماضي في إشارة إلى أن السوق لم تصل بعد إلى القاع.
ووفقًا لوكالة بلومبرغ، شهد الاستثمار العقاري هذا العام أكبر تراجع منذ أزمة كورونا عام 2020. وفي تطور لافت، تم شطب مجموعة “إيفرغراند”، التي كانت يومًا أكبر مطور عقاري في الصين ورمزًا لازدهار سوق الإسكان، من البورصة لتتحول إلى مجرد اسم فاشل آخر.
خطط إنقاذ اقتصاد الصين تتعثر
اتخذت السلطات إجراءات متعددة لإنعاش السوق، من بينها تسهيل الاقتراض، وخفض أسعار الفائدة، وتجربة نموذج سكني مستوحى من سنغافورة. لكن هذه الجهود لم تفلح.
وفي سبتمبر الماضي، تعهد الرئيس شي جين بينغ واللجنة السياسية العليا بوقف التراجع، وتحقيق الاستقرار، غير أن الأسعار واصلت الانخفاض. ما زاد من اهتزاز ثقة الشارع.
تداعيات الأزمة طالت المستهلكين، الذين لا يزالون متأثرين بصدمة إغلاقات عام 2022. حيث تراجع الإنفاق بشكل واضح. وقد انخفضت القروض البنكية إلى حد غير مسبوق منذ 20 عامًا، بل إن إجمالي القروض تراجع للمرة الأولى، في ظل تفضيل المواطنين سداد ديونهم القديمة بدلًا من الحصول على تسهيلات جديدة.
وعلى صعيد الاستهلاك، ارتفعت المبيعات بالتجزئة في يوليو بنسبة 3.7% سنويًا، كما ارتفع الإنتاج الصناعي 5.7%، لكن الإنفاق الشهري تراجع للشهر الثاني على التوالي، وهو ما لم يحدث منذ فترات الإغلاق. وجاءت الزيادة المحدودة بفضل برنامج حكومي لتجديد الأجهزة المنزلية، لكن التمويل المخصص له بات على وشك النفاد.
بيانات القروض تكشف هشاشة أعمق
تكشف بيانات الإقراض عن مشكلات أعمق، إذ إن الزيادة الطفيفة في يوليو تعود إلى إصدار الحكومات المحلية سندات لتغطية ديونها، لا إلى نشاط اقتصادي منتج.
وحذّر خبراء جي بي مورغان، بقيادة جهانغير عزيز وتينغتينغ غي، من أن أكثر من نصف القروض الجديدة تستخدم لسداد فوائد ديون قديمة. وعند استبعاد ذلك، فإن النمو الحقيقي للقروض لا يتجاوز 3.5% مقارنة بمتوسط 8% بين 2016 و2023. واعتبروا أن هذا “مؤشر خطير على مستقبل الشركات والنمو الاقتصادي عمومًا”، ودليل على ضعف الطلب الداخلي.
التجارة الخارجية توفر متنفسًا مؤقتًا
على نحو مفاجئ، ارتفعت الصادرات في يوليو بنسبة 7.2% مقارنة بالعام الماضي. متجاوزة توقعات المحللين الذين رجحوا تراجعًا. وساعدت الزيادة في الشحنات إلى الاتحاد الأوروبي وجنوب شرق آسيا وأستراليا في تعويض التراجع المستمر نحو الولايات المتحدة. حيث أبقى الرئيس دونالد ترامب على التعريفات الجمركية كاملة.
لكن هذا التعافي يظل هشًا، إذ عبّر قادة أوروبيون عن استيائهم من السياسات التجارية الصينية. ما يثير التساؤلات حول قدرة الأسواق الخارجية على الاستمرار في امتصاص الفائض الصيني.
ضغوط مالية وتحذيرات من ركود طويل الأمد
ويتساءل مراقبون عن سبب عدم إقدام بكين على تبني إجراءات أوسع وأكثر جرأة. مثل دعم مباشر للأسر أو إنقاذ شامل لقطاع العقارات. ويعزو البعض ذلك إلى محدودية القدرة المالية. حيث تسببت الضغوط الانكماشية في تراجع إيرادات الضرائب، بينما نما الناتج المحلي الإجمالي الاسمي بنسبة 3.9% فقط في الربع الأخير. وهو أدنى معدل منذ بدء رصد هذا المؤشر عام 1993 (باستثناء سنوات الوباء).
وفي مفارقة لافتة، حققت اليابان، التي لطالما اعتبرت المثال التحذيري للركود المزمن. نموًا اسميًا أعلى بلغ 4.2% في نفس الفترة، متجاوزة الصين للمرة الأولى منذ عقود.

التعليقات مغلقة.