منصة إعلامية عربية متخصصة فاعلة في مجال الاقتصاد بروافده المتعددة؛ بهدف نشر الثقافة الاقتصادية، وتقديم المعلومات والمصادر المعرفية السليمة التي تسهم في نشر الوعي الاقتصادي، ومساعدة أصحاب القرار في اتخاذ القرارات الصائبة التي تقود الاقتصاد نحو تنمية فاعلة ومستدامة.

نظرية «تأثير الفراشة».. وأزمة أوكرانيا

 تقوم نظرية تأثير الفراشة (Butterfly Effect Theory) على أن الأشياء الصغيرة التي تنجم عن حدثٍ قد يبدو بسيطًا، قد ينتج عنه سلسلة نتائجِ وتطورات يفوق حجمها نقطة بداية الحدث.

اقرأ أيضًا..السعودية تتصدر الاقتصاديات العشرة الأكثر إصلاحًا
تأثير الفراشة

وبمعنى أدق؛تجري نقطة بداية الحدث في مكان، وتكون عواقبه ونتائجه في أماكن أخرى، بل يمتد تأثيره ليتخطى الزمن؛ فقد يحدث التغيير بعد يوم أو شهر أو سنة، وكما قالَ الشاعرُ: “ومُعظَمُ النارِ مِنْ مُستَصْغرِ الشَررِ”.

الاقتصاد.. وألوانه الثمانية (1-2)
نشأة النظرية

تأسست النظرية على يد عالم الرياضيات والأرصاد الجوية «إدوارد لورينز» في عام 1961؛ إذ كان يُجري عملية حسابية للتنبّؤِ بالطقسِ، وبدلًا من أن يُدخل بالكمبيوتر العدد (142,357128) كاملًا، اختصرهُ إلى (142,357)؛ أي أهمل 3 خانات من أصل 6 بعد الفاصلة اختصارًا للوقت، معتقدًا أن هذه الكسور الصغيرة جدًا لن تغير النتيجة؛ لبساطة تأثيرها، إلا أنهُ فوجئ بفارق هائل في النتيجة!

استنتج «إدوارد لورينز»، أن الأحداث الصغيرة تتطوّر وتكبر لتصبح ضخمة جدًا؛ فالفرق بين السلسلتين كان صغيرًا جدًا لدرجة تشبه رفرفة جناحي الفراشة في الهواء؛ لذا أطلق على الحدث اسم نظرية “تأثير الفراشة”؛ فكانت بمثابة اللبنة الأساسية لعلم الفيزياء الحديث؛ إذ تعتمد على الفروقات الصغيرة لإحداث نتائج كبيرة.

ورغم أن هذه النظرية توجد في أدبيات الأرصاد الجوية بكثرة، إلا أنها قد دخلت في مجالات عديدة كالرياضيات، والفيزياء، وكذلك في إدارة الأزمات والاقتصاد.

تأثُّر الاقتصاد

يُعد الاقتصاد الدولي نظامًا يؤثر كل جزء منه في الأجزاء الأخرى؛ فهو نظام معقد لا يقتصر إلا على النتائج فقط؛ مثل النمو، والتضخم، والكساد وغيرها من المفاهيم الاقتصادية.

ومع ظهور العولمة وتطور تكنولوجيا الاتصالات، أصبحت اقتصادات الدول أكثر ترابطًا من ذي قبل؛ فقد تتسبب حركة واحدة في سوق دولة ما، في حدوث مشكلات للنظام العالمي بأكمله؛ إذ يشير “تأثير الفراشة” في الاقتصاد إلى التأثير المضاعف للتغييرات الصغيرة؛ فيكاد يستحيل إجراء تنبؤات دقيقة حول المستقبل أو تحديد السبب الدقيق للتغييرات غير المفهومة.

الأزمة المالية العالمية 2008

ومن أشهر الأمثلة على أثر الفراشة في علم الاقتصاد، الأزمة المالية العالمية في عام 2008؛ حيث أدت الثقة الزائدة في التنبؤات المالية إلى زيادة عمليات الاقتراض بشكل كبير؛ ما أدى إلى حدوث الأزمة، وانهيار الأسواق المالية العالمية، وإفلاس 19 بنكًا في الولايات المتحدة الأمريكية، وارتفاع معدلات البطالة، وركود اقتصادي في أغلب دول العالم، استمر لعدة سنوات؛ ما دفع الحكومات لاتباع كثير من الإجراءات للعودة إلى الانتعاش مرة أخرى.

فيروس كورونا

بعد الأزمة المالية العالمية، ظهرت فراشة فيروس كورونا بتأثيراتها، ليست المالية فقط، بل والصحية أيضًا؛ فحدثت كارثة صحية واقتصادية؛ ففي بداية ظهوره الفيروس انتشر بشكل كبير في الصين فقط؛ ما أدى إلى انهيار اقتصادها نتيجة عملية الإغلاق، ثم تأثر الاقتصاد العالمي وانهارت الأسواق المالية، وتأثرت عوائد السياحة العالمية، وانخفضت أرباح معظم الشركات؛ ما يؤكد على أن حدوث أمر في دولة واحدة، قد يؤدي إلى انهيار الاقتصاد العالمي.

 

أزمة أوكرانيا

وكمثال حي على “تأثير الفراشة” على الاقتصاد،أزمة أوكرانيا التي قد تمتد تأثيراتها طويلًا على الاقتصاد العالمي؛ إذ يشهد العالم توترات سياسية بين كلٍ من الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا بشأن أوكرانيا،تؤدي إلى زيادة كبيرة في أسعار كلٍ من القمح والبترول والغاز الطبيعي؛ ما يمثل تهديدًا كبيرًا للدول التي تعتمد على استيراد هذه السلع.

فعلى سبيل المثال؛ 50 %من واردات لبنان من القمح تأتي من أوكرانيا، وتستورد اليمن 22%، وليبيا 43% ومصر 14%، كما تعتمد آسيوية على القمح الأوكراني؛ كماليزيا التي تستورد نحو 28%، وأندونسيا 28%، وبنجلاديش 21%.

 

ومع تلويح أوروبا وأمريكا بفرض عقوبات اقتصادية على روسيا حال تدخلها عسكريًا في أوكرانيا، فمن المتوقع أن تكون هذه الأحداث مثل “تأثير الفراشة” على أسعار السلع والغذاء، مع تضاعف مشاكل العرض؛ إذ قد تؤدي العقوبات إلى نقص الطاقة والغذاء؛ وبالتالي ارتفاع أسعارهما.

 

وفي حالة استمرار الأزمة، سوف ترتفع أسعار الغاز الطبيعي الذي تعتمد أوروبا على استيراده من روسيا بنسبة 40%، خاصةً أن ثلثه تقريبًا يأتي عبر أوكرانيا.

ومن المرجح إذا ارتفعت الأسعار، أن تخسر روسيا مبالغ طائلة من إيرداتها عند توقف إمداد أوروبا بالغاز، كما يؤدي أيضًا إلى ضعف الاقتصاد الأوروبي، وفي الوقت نفسه قد تستفيد مصر من ارتفاع أسعار الغاز، خاصةً بعد أن توسعها في تصدير الغاز الطبيعي المسال بعد إعادة تشغيل مصنع دمياط للإسالة.

 

ومايهمنا من نظرية “تأثير الفراشة”؛ هو إحداث تأثير إيجابي يقود العالم إلى نظام عالمي جديد؛ حيث يستطيع الإنسان أن يطور من نفسه، ويستفيد فيه من أخطاء الماضي، ويعمل من أجل غدٍ أفضل؛ فالفراشة التي نراها في حياتنا صغيرة جدًا،قد تُحدِث تأثيرًا كبيرًا في العالم سلبيًا كان إذا كان القرار سلبيًا، أو إيجابيًا إذا كان القرار إيجابيًا؛ فالنتيجة الطبيعية للقرار أن يكون كالفراشة التي تُحدِث تغيير في العالم كله.

د.إســلام جـمال الـدين شــوقي 
عضو الجمعية المصرية للاقتصاد السياسي

 

 

الرابط المختصر :

التعليقات مغلقة.