رأس المال البشري..والنمو الاقتصادي

0 147

إنَّ اهتمام النظرية الاقتصادية بقضية رأس المال البشري، قديم قدم علم الاقتصاد ذاته، فمنذ الكتابات الأولى لآدم سميث حول أهمية التخصص وتقسيم العمل في أسباب ثروة وتقدم الأمم، كان العنصر البشري محور التنمية.

اقرأ أيضًا..جائحة كورونا.. من رحم الأزمات تولد الفرص

نماذج النمو الاقتصادي

ولقد اعتبرت نماذج النمو الاقتصادي الجديدة رأس المال البشري العنصر الحاسم في عملية التنمية، وأرجعت إليه الفضل في معظم النجاحات التي تحققت في العديد من دول العالم ومنها النمور الأسيوية.  ويعرف رأس المال البشري في العديد من الكتابات على أنه مجموعة المهارات والقدرات والإمكانيات والخبرات التي يكتسبها الفرد، والتي تمكنه من المشاركة في الحياة الاقتصادية؛ وبالتالي تحقيق منفعة اقتصادية تعود عليه، ثم تنعكس على المجتمع بأكمله.

رأس المال البشري

ويلعب رأس المال البشري دورًا حيويًا في التنمية الاقتصادية؛ من خلال العقول والعمالة المدربة التي تراكمت عبر الزمن، كما أن العنصر البشري كان ولا يزال أحد أهم التروس في عجلة التقدم لأي دولة، فالعقل البشري هو الذي يبدع ويبتكر ويصنع؛ وبالتالي فإن اعتماد أي دولة على استيراد الآلات والعمالة المدربة لا يكفي لكي تتقدم، بل لابد أن يتوافر لديها مخزون من القدرات البشرية الواعية، والقادرة على تحقيق الاستخدام الأمثل لتلك الموارد، ودفع الدولة إلى الأمام.

ومن هنا تظهر أهمية دراسة العلاقة بين تنمية الموارد البشرية والنمو الاقتصادي؛ إذ يعد الاستثمار في رأس المال البشري من أهم العوامل التي تؤثر على النمو الاقتصادي في الاقتصاد القومي أو المجتمع، ولا يعتمد تكوين رأس المال البشري على التعليم والتدريب فقط، بل على مقدار الخدمات الصحية والاجتماعية التي تعمل على بناء وصيانة رأس المال البشري.

لذلك هناك ربط بين ما عرف بالتنمية البشرية والنمو الاقتصادي؛فكل منهما ينعكس على الآخر سلبًا وإيجابًا؛ إذ يتم النمو الاقتصادي من خلال تحسين القدرات البشرية، كما أن تحقيق النمو المنشود ينعكس على التنمية البشرية بتوسيع الخيارات أمام الموارد البشرية خاصةً، وأمام السكان عامةً.

ويُعدرأس المال البشري مفهومًا ديناميكيًا متعدد الأبعاد، يتسم بعلاقات تشابكية قوية مع مفاهيم أخرى؛ مثل رأس المال المعرفي، ورأس المال الاجتماعي، والتنمية البشرية، إلا أنه يتمايز عنهم في كونه يركز على العنصر البشري فقط كأحد المحددات الرئيسة للنمو الاقتصادي، خاصة في ظل شيوع مظاهر العولمة والانفتاح، وما نتج عنها من تزايد حدة المنافسة وتعاظم دور العلم والمعرفة والإبداع البشري في تحديد القدرة التنافسية للاقتصادات المختلفة.

يعد العنصر البشري من أهم العناصر الإنتاجية التي تساهم في تحقيق التنمية، فلن يؤدي دوره بدون تعليم؛ حيث يسهم الأخير في تراكم رأس المال البشري.

وتشير نظريات النمو الاقتصادي إلى أن التقدم التكنولوجي يزيد من معدل النمو الاقتصادي في الأجل الطويل، ويزداد سرعة عندما تكون قوة العمل أفضل تعليمًا؛ لذا فإن يساعد رأس المال البشري في التقدم التكنولوجي ويعد أحد مصادر النمو المستدام، فرفع معدلات النمو المستدام يتم بزيادة الطاقة الإنتاجية، والاستثمار في الأصول الملموسة وغير الملموسة؛ مثل الابتكار والتعليم والتدريب.

وقد دفع الاهتمام بالعنصر البشري بالنمو الاقتصادي في كل من الصين، اليابان، كوريا الجنوبية، ماليزيا، والهند؛ لاعتمادها على الموارد البشرية وليس الطبيعية؛ ما أدى إلى دفع عجلة النمو الاقتصادية.

ويفوق الاستثمار في تكوين رأس المال البشري في نتائجه، الاستثمار في الموارد المادية؛لذا أصبحت تنمية الموارد البشرية من أهم القضايا التي دعت الاقتصاديين إلى اعتباره العنصر الإنتاجي الأول في عمليات التنمية الاقتصادية والاجتماعية، وفي فاعلية عناصر الإنتاج المادية التي لا تكون لها هذه الفاعلية بدون الإنسان.

هناك جدل عالمي حول التوزيع العادل لرأس المال البشري؛ وهو ما يتضح فيالمتعلمين الذين يهاجرون من الأماكن الأفقر إلى الأغنى بحثًا عن الفرصة،فأصبح الغني أكثر غنى، وازداد الفقير فقرًا، فعندما يهاجر العمال، فإن المردود من تربيتهم وتعليمهم الذي أنفقت عليه بلادهم، يعود عادة للدول التي هاجروا إليها؛ وهو ما عانت منه أفريقيا بخطف مواطنيها السود، وجعلهم عبيدًا في العالم الجديد، ومن استنزاف العقول وهجرتها للدول المتقدمة.

ولا شك في أن استنزاف العقول “Brain Drain” أو هجرة رأس المال البشري من العوائد السلبية التي يعنى بها هجرة المدربين والموهوبين (رأس المال البشري) إلى بلدان أخرى؛ إذ يحدث استنزاف العقول في شكلين: من يدرسون بالخارج ثم لا يعودون لبلادهم الأصلية بعد إكمالهم دراستهم، عندما يهاجر من تعلموا في بلادهم إلى بلاد تتيح لهم فرص أفضل ورواتب أعلى؛ وهو أخطرهما لأنه يستنزف المزيد من الموارد من البلد الأم.

وهناك نوع آخر؛وهو “استقطاب العقول” Brain Gain” ؛وهو موقف مضاد لاستنزاف العقول؛ إذ يهاجر الموهوبون والمتدربون إلى بلد آخر يستقطبهم؛ وهنا تتضح عملية استغلال رأس المال البشري الذي لم تنجح بلده التي تملكه في استثماره؛ فتكون العملية ذات وجهين: استثمار لرأس المال البشري من جانب الدولة التي استقطبته، وإهدار له من جانب الدولة التي استنزفته.

ورغم هذه التداعيات، هناك من يرى أن للبطالة فوائد حيث بوب بلاكإلى عدم أهمية التأكيد المبالغ فيه على ثقافة العمل في المجتمعات الحديثة؛أي يميل لإنقاص معدلات الوظائف وتقليل العمل وخلق وظائف مرحة وممتعة بدلًا من العمل الحقيقي وخلق معايير ثقافية تنظر للعمل باعتباره أمر غير صحي.

ويدافع هؤلاء الأفراد عن حركة ” ضد العمل ” في الحياة، كما أن زيادة البطالة تساعد على تدني معدلات التضخم الذي يؤثر سلبًا على المجتمع ككل، وأنها تتيح فرصًا أكثر لأصحاب العمل في الاختيار بين العمال، فيما يؤكد الواقع أن هناك عمالًا يستطيعون شغل عدة وظائف، كما يؤدى عدم خوف العامل من فقد عمله (النظرية الماركسية) إلى إهمال عمله أو المطالبة بأجر أعلى.

ويُلاحظ أن الجميع يعيشون أزمة بطالة، وفى حالة الأزمات يأتي الناس بتصرفات غير مألوفة، فلم يعد العمل مجرد وسيلة لتحقيق طموح الفرد، بل صار هدفًا بعيد المنال.

د.عادل عامر

 

 

الرابط المختصر :
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.