جائحة كورونا تفرض نظامًا عالميًا جديدًا

0 128

كشفت جائحة كورونا المعروف باسم “كوفيد-19″، عن نقاط ضعف في النظام العالمي الحالي،فعلى الرغم من الخبرات المتراكمة للدول المتقدمة في إدارة الأزمات، إلا أن هذا الفيروس نجح في عزل جميع البشر في منازلهم.

فهل ستؤدي هذه الأزمة إلى نظام عالمي جديد، أو حقبة جديدة تمثل نقطة تحول مهمة في تاريخ العالم، أم بمجرد تجاوزنا هذه الأزمة، سيعود العالم إلى ما كان عليه؟ حتمًا، سيكون كل شيء مختلفًا.

لن نناقش المخاوف بشأن الانكماش الاقتصادي والكساد العالمي، الذي ضرب صناعات متعددة، كما حدث في عام 2008، بلنناقش كيف يمكننا هذه المرة إعادة هيكلة حقيقية للنظام العالمي.

في هذه النقاط العشرين، نرصد توقعات العديد من الهيئات والمراكز البحثية، لما يمكن أن يشهده العالم بعد انتهاء أزمة كورونا:

  • تحول ميزان القوى العالمية:سيكون هناك تحول في ميزان القوى العالمية؛ حيث سيميل الميزان أكثر نحو دولة الصين، وتتعافى الدول الآسيوية قبل الولايات المتحدة التي تخطى عدد الإصابات فيهاحاجز الـ 500 ألف، وبلغ متوسط الوفياتاليومي2000 حالة بشكللم يحدث في غيرها.

 

  • توفير الطاقة:سيساعد التحول العالمي إلى الإنتاجية الآلية في البنية التحتية،إلى توفير الطاقة، ليس بتكاليف منخفضة فحسب، بلبجودة عالية أيضًا؛ ما يساعدنا فيتقليلعدد ساعات العمل البشرية،والمحافظة على صحة أفضل، كما يتيح للشركات الاستمرار دون انقطاع، حال حدوث أزمةمشابهة مستقبلًا.

 

  • تغيير سلوك المستهلك:ستؤدي الثقة المتزايدة في قطاعات التكنولوجيا والأداء الفني والدفع عبر الإنترنت إلى تغيير سلوك المستهلك، بعيدًا عن الأساليب التقليدية؛ ما يجبرنا على التكيف مع الاتجاهات الجديدة، مثل العمل من المنزل، والتحرك نحو مستقبل يمكن أن يكون خاليًا من المكاتب بشكل عام.

 

  • تراجع رحلات السفر:سيكون هناك انخفاض طويل الأجل في رحلات السفر من أجل الاجتماعات؛لظهور أدوات مؤتمرات الفيديو، التي تم تفعيلها بكثرة خلال فترات الأزمة، والعمل من المنزل؛ إذ تسابق الجميع- خلال أزمة كورونا-إلى استخدام برامج الفيديو للتواصل والاجتماع عن بعد، وأصبح مفهوم العمل عن بعد راسخًا لدى كثير من الإدارات العليا بالشركات، بعدما كان غير مقبول.

 

  • ظهور المؤتمرات والمعارض الافتراضية:أظهرت الأزمة مفاهيم جديدة تقدمت بها للصفوف الأمامية؛ كالسياحة الافتراضية والمتاحف الافتراضية؛ ما جعلالبعض ينادون بالمؤتمرات والمعارض الافتراضية؛ حيث وجد العالم أهمية تلك المفاهيم، وظهرتأهميتها مع الأزمة؛ لذا من المتوقع-بعد انتهاء الأزمة – أن يكون هناك استثمارات كبيرة في تلك المجالات التي كانت تتم على استحياء في الماضي.

 

  • زيادة الاعتماد على الخدمات الإلكترونية:أصبحت الحكومات تعتمد علىالخدمات الإلكترونية في جميع القطاعات،خاصة في تطوير الخدمات الإلكترونية التي استمرت في خدمة السكان خلال أزمة تفشي كورونا، بما في ذلك المحاكم، وخدمات الهجرة والجوازات، والوزارات، وغيرها من المؤسسات.

 

  • زيادة الاستثمار في الرعاية الصحية:ستخصص الحكومات ورجال الأعمال والشركات، جزءًا أكبر من الميزانية للاستثمار في مجال الرعاية الصحية، بعد اكتشاف الثغرات في النظام العالمي أثناء مكافحة فيروس كورونا، معتوقعات بابتكار الشركات الناشئة مزيدًا من التطبيقات الإبداعية.

 

  • الثقة في حكومات الشرق الأوسط:ستزداد الثقة في حكومات الشرق الأوسط؛ بسبب ما اتخذته من إجراءات احترازية قوية للسيطرة على الوباء؛ حيثقامت البنوك المركزية بضخ مبالغ كبيرة للمؤسسات المالية، وقدمت إعفاءات غير مسبوقة.

 

  • اتحاد المجتمع الدولي:سيكون هناك تغيير اجتماعي يعترف بجانب الحياة؛ وهو ما كنا مشغولين عن الاعتراف به من قبل؛ إذ اتحد المجتمع الدولي كله في التعاطف العالمي،فطُرحتالمبادرات الخيرية، وقُدِّمت المساعدات الإنسانية، وتبرع الأغنياء بملايين الدولارات؛ للمساعدة في إنقاذ حياة المتضررين من الوباء.

 

  • استمرار الأثر الإيجابي لكورونا:استمرار الأثر الإيجابي الذي أحدثه هذا الوباء على بيئتنا؛فقد لاحظت وكالتا الفضاء الأمريكية “ناسا”، والفضاء الأوروبية انخفاضًا في غاز ثاني أكسيد النيتروجين في أجزاء من الصين وإيطاليا فيشهر مارس الماضي. وفي الوقت نفسه، يتوقع مركز البحوث المناخية الدولية في “أوسلو” انخفاضًا بنسبة 1.2 ٪ في انبعاثات غاز ثاني أكسيد الكربون في عام 2020، باستخدام توقعات الناتج المحلي الإجمالي العالمي من منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية.

 

  • تغيير نظام التعليم:سيتم تغيير نظام التعليم بالكامل، مع إغلاق المدارس في 188 دولة، فوفقًا لليونسكو، أثبتت برامج التعليم المنزلي فاعليتها؛ ما سمح للآباء بالمساعدة في تطوير مهارات أطفالهم واكتشاف مواهبهم. كذلك،ستمكن الدراسة عن بعد الدول الناشئة من تحسين جودة التعليم.

 

  • التخلص من العنصرية:من المتوقع أن يتخلص العالم من العنصرية تجاه عرقيات معينة أو أديان بعينها،كما أزال الفروقات بين العالم النامي والآخر المتقدم؛بعدما شهد الجميع أنَّ فيروسًا لا يُرى بالعين المجردة، قد وحد البشرية جمعاء تجاه مقاومته؛ منأجل استمرار الحياة، كما وحد الجهود والإجراءات في مواجهته، مع تعاون شعوب العالم دون غُلو أو استغلال تجاري في إيجاد علاجات لإيقاف مسلسل المتوفين.

 

  • تعاظم أهمية سلاسل الإمداد:ساهمت الأزمة في التعرف على أهمية سلاسل الإمداد في توصيل البضائع المطلوبة للسكان أثناء فترات الحجر المنزلي؛ ماأظهر أهمية الحفاظ على سلاسل الإمداد ودعمها والاستثمار فيها،وإزالة كافة المعوقات الفنية أمامها، خاصة وأنها كان لها الدور الرئيس في إكساب الناس حالة من الاطمئنان في حصولهم على احتياجاتهم في أي وقت خلال الفترات المسموح فيها بالتجول.

 

  • تفاوت الدول في التعامل مع شعوبها:أظهرت الأزمة تفاوت الدول المختلفة في التعامل مع شعوبها؛ فمنهم من تعامل معهم على أنهم مجردأرقام تُقارن بأرقام المكسب والخسارة من الأزمة،فطبقت سياسة مناعة القطيع، فيموت من يموت، والبقاء للأقوى مناعيًا،فالمهم الحفاظ على المكاسب الاقتصادية! وهناك دول تعاملت مع الأزمة باحترافية بالغة، ووازنت بين الجانب الإنساني وبين الجانب الاقتصادي الذي تحملته عن شعوبها. ولا يخفى علىأحد ماقامت به السعودية، وكيف أشاد الجميع بمجهوداتها الفريدة في التعامل مع الأزمة.

 

  • أهمية برامج الطلب عن بعد:أظهرت الأزمة أهمية برامج الطلب عن بعد، وخدمات التوصيل، التي تم تفعيلها؛ فالكل أصبح تحت وصاية الجلوس بالبيت، والعمل عن بعد، وأصبحوا محاصرينفيمنازلهم؛فلم يعد هناكمفر من الحصول علىطلباته بلمسة يد منهاتفه المحمول.

 

  • هشاشة الأنظمة الصحية:أظهرت الأزمة مدي هشاشة الأنظمة الصحية بأكبر الدول؛ فكان هناك نقص كبير في الأدوات، والمعدات، والأطباء والعاملين بالمؤسسات الصحية؛ لذا من المتوقع أن تستثمر دول العالم- خلال الفترة القادمة- في توفير المعدات اللازمة والأطقم الطبية والفنية التي يمكن أن توفر غطاءً صحيًا مناسبًا لمواطنيها.

 

17 – عدم فاعلية مراكز التعامل مع الأزمات:أظهرت الأزمة عدم فاعلية بعض مراكز التعامل مع الأزمات وحالات الطوارئ؛إذ ظهر التخبط على مستوى كافة الدول-ولا سيَّما دول العالم المتقدم-في التعامل مع الأزمة واعتقد الجميع أنهم بمنأى عنها؛ حتى وجدوها على باب المنزل، ومنهم من أصيب بها في عقر داره؛ مثل القيادات في بريطانيا؛ حتي خرج رئيس وزرائها ووزير صحتها يطلبان من الشعب البريطاني تحمل فقد أحبابهم، ثم أصيبا كما أصيب بعض أفراد العائلة المالكة، فكان الأمر وبالًا عليهم وعلى مراكز التعامل مع الأزمات وحالات الطوارئ.

 

18- تنامي خدمات البث المباشر عبر الإنترنت: تنامت خدمات البث المباشر عبر الإنترنت للأفلام،والبرامج التلفزيونية، والرسوم المتحركة، والأفلام الوثائقية على الآلاف من الأجهزة المتصلة بالإنترنت؛ حيث ساعدت عملية الحجر المنزلي في مشاهدة تلك الأفلام، والإقبال عليها، فوصلتللبيوتلمشاهدتها وقتما يشاؤون،وبدون إعلاناتتجارية؛ لذا من المتوقع أن تشهد خدمات البث تنوعًا وزيادة في استثماراتها، خاصة وأنها أصبحت قناة الترفيه الأساسية لكثيرين، بما ينبئبزيادة أعداد المشتركين بها حتى بعد انتهاء الأزمة.

 

19 –توحيد الإنسانية:أظهرت الأزمة عالميتها؛إذ وحَّد كورونا الإنسانية؛فالأطباء العرب كانوا في الصف الأول لمعالجة المصابين بدول العالم المتقدم؛ مثل أمريكا وبريطانيا وفرنسا، ومنهم من يعمل بمراكز الأبحاث للوصول إلى علاج ناجز للوباء؛ما سوف يغير كثيرًا من نظرة العالم المتقدم لقضايا مثل اللاجئين والهجرة والحواجز التي تفرضها الحكومات بين الشعوب، دون داعٍ.

 

20 – توقف الحروب:أثرت الأزمة بشكل إيجابي على الحروب والمشاحنات بين الدول؛فتوقف كثير من الحروب؛ مثل حرب اليمن؛ بفضل حكمة القيادة السعودية التي آثرت الإنسانية في ظل تلك الأزمة العالمية. ومن المتوقع أيضًا أن يجد العالم لكثير من القضايا العالقة بين الدول- أو بين الفرقاء داخل الإقليم الواحد- حلولًا، ولاسيما بعد الدعوة التي وجهها الأمين العام للأمم المتحدة بوقف كافة أشكال العنف والحروب بين الدول أوبين الفرقاء.

 

الخلاصة:

انطلاقًا مما تقدم، لابد من إقامة علاقات جديدة على أسس متبادلة بين دول العالم- سواء النامي أو المتقدم-تلبي مصالح إنسانية متبادلة، بعيدًا عن نظرات ورؤى ضيقة الأفق وفق حسابات الربح والخسارة للطبقة السياسية بعيدًا عن حسابات شعوبها.

لابد من الدخول في عصر الاقتصاد الرقمي، المعرفي، التقني من جهة،وتنويع الاقتصادات من جهة أخرى،إضافة إلى تنميتها في قطاعاتها الأصيلة والحيوية للاكتفاء الذاتي من زراعة وصناعة وخدمات بشكل يفي بحاجة شعوب العالموالاعتماد على الطاقة المتجددة بكل أنواعها السلمية؛ للحفاظ على البيئة وحمايتها من التلوث.

يمكن لعالمنا الجديد أن يوفر فرصًا أفضل للتضامن الإنساني العالمي، دون شروط محبطة،أو عنصرية مسبقة، في كيفية تأسيس التحالفات وإدامتها، فقدوضعت أزمة كورونا أمامنا خطوطًا حمراء لكيفية مجابهة تحديات خطر فيروس صغير، ولكنه مدمر؛ مايجعل المسؤولية الدولية كبيرةعلى كل من مراكز صنع القرار العالمي الجديد- دولًا  أو منظمات- بعيدًا عن المعالجات الجزئية المصلحية ضيقة الأفق نهجًا ومنهاجًا،فلامجال لنظرية المؤامرة اليوم في منهج التعاملات المستقبلية للدول أو المؤسسات والجماعات، وإنما ضرورة اعتماد منهج علمي جديد للتغيير الإيجابي الجماعي، وإعادة هيكلة مؤسسات النظام العالمي الجديد.. عالم يتبنى طرقًا محببة، مشجعة، ومبتكرة في كيفية الخروج من أزمة بقاء،كادت أن توديبالجنس البشري للفناء.

الرابط المختصر :

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.