منصة إعلامية عربية متخصصة فاعلة في مجال الاقتصاد بروافده المتعددة؛ بهدف نشر الثقافة الاقتصادية، وتقديم المعلومات والمصادر المعرفية السليمة التي تسهم في نشر الوعي الاقتصادي، ومساعدة أصحاب القرار في اتخاذ القرارات الصائبة التي تقود الاقتصاد نحو تنمية فاعلة ومستدامة.

الاستقراء.. نصائح لاختيار الشركات الرابحة في سوق الأسهم

توجد عدد من المعايير التي تساعد المستثمرين في أسواق المال على قراءة البيانات المالية للشركات المدرجة، وذلك حتى تستطيع اختيار المؤسسات الأكثر ربحية في سوق الأسهم.

قد يعجبك.. أبرز 7 شركات ناشئة تعرضت للإفلاس في 2023

 

 

فإذا توافرت بيانات مثل استقرار الربحية في آخر 4 أرباع سنوية، وانخفاض عدد العملاء الجدد، وإطلاق حملة تسريح العمال بنسبة 10٪ لخفض التكاليف، لمحللي السوق، فإنهم سوف يتوصلون إلى استنتاج مفاده أن هذه شركة لا تستحق الاستثمار فيها لأنه لا يوجد مستقبل ، ولكي يتمكن المستثمرون من الوصول إلى هذه النتيجة، يجب عليهم الاعتماد على ما يعرف باسم “الاستقراء” .

وعملية “الاستقراء” التي تهدف إلى تحويل مجموعة من البيانات والمعلومات إلى نتيجة واضحة، بحيث لا تصبح هذه البيانات غير ذات معنى، بل تتحول لوسيلة تستهدف الوصول إلى استنتاج واضح يعين على اتخاذ قرار. ولكن كثيرًا ما يكون هناك خطأ في قراءة الوضع والاستقراء بناء على بعض التحيزات وأهمها تحيز يعرف باسم “تحيز الاستقراء”.

العوامل المؤثرة في قرارات المتداولين 

ويمنح هذا التحيز أهمية كبيرة للتطورات الحديثة على حساب تلك القديمة، لأنها تكون الأشد وضوحًا في ذهنية المتداول، وبالتالي الأكثر تأثيرًا على قراره، وفي بعض الأحيان يتجاهل المتداول الأسس التي اتخذ قراره الاستثماري بالشراء في شركة أو برفض اقتناء أسهمها بناء عليها لينحاز فقط لمستجدات الأمور.

وكشفت دراسة أجريت في السوق الأمريكي عام 2013، والذي شهد أفضل عائد له في أكثر من 15 عامًا، وتم فيها سؤال قرابة ألف متداول عن أسباب ارتفاع قيمة استثماراتهم في الأعوام الأخيرة، فأشار 86% منهم إلى أسباب قصيرة المدى للغاية، مثل أداء بعض الشركات في بعض أرباع العام، أو قرارات حكومية حديثة.

ولم يكشف المشاركون في الدراسة عن الأسباب الحقيقية وعلى رأسها ارتداد السوق من الأزمة المالية، وتحسن معدلات النمو الاقتصادي والتشغيل وغيرها من المؤشرات الهامة.

ويؤدي تحيز الاستقراء، والذي يعرف أيضًا بتحيز الحداثة،  إلى المنحيات الصاعدة والهابطة باستمرار في السوق، فلو أن مستثمرًا ما قرر أن شركة “أ” فرصة استثمارية جيدة لوضعها في السوق تنافسيًا ولطبيعة إدارتها ولاستقرار قوائمها المالية، فإن تذبذب الأرباح في ربع واحد لا يجب أن يكون كفيلًا بدفعه لبيع السهم. هو وغيره وبالتالي انخفاض سعر السهم، ولو مرحليًا.

تراجع سعر أسهم “ألفابت”

ويعتبر سعر شركة “ألفابت” الأم لجوجل مثالاً صارخًا على التقلب الناتج عن التغيرات الأحدث وليس الصورة الأشمل للشركة أو لسعر السهم، فعلى سبيل المثال شهد السهم انحدارًا شديدًا للغاية في قيمته خلال عام 2022 وصل إلى أنه تراجع بنسبة 40% خلال عام واحد.

شركة جوجل
شركة جوجل

وانحصرت الأسباب وراء هذا التراجع في 3 أسباب رئيسية، الأول كان صعود “تيك توك” اللافت بحيث أصبح الموقع رقم واحد في عدد الزيارات عالميا، متخطيًا جوجل، فضلا عن التهديد الذي يشكله التطبيق الصيني بوضوح لـ”يوتيوب” وهي إحدى منصات الشركة.

أما السبب الثاني هو تراجع زخم الاستثمارات الفردية في السوق الأمريكي والذي وصل قمته عام 2021. بينما كان السبب الثالث يرجع إلى قيام الشركة بتسريح العمالة في بعض مكاتبها، بنسبة تخطت 10% في بعض الحالات، بما أثار مخاوف من الاتجاه للانكماش مستقبلًا.

المتغيرات الأخرى الأكثر أهمية 

وتؤدي هذه المتغيرات عى درجة عالية من الأهمية بالفعل، ولكن هل يبرر هذا انخفاض سعر السهم من قمة تخطت 140 دولارًا إلى مستوى دون 87 دولارًا للسهم في عدة أشهر فحسب؟

بالتأكيد فإن الإجابة الواضحة على هذا السؤال، لأن أساسات الشركة بقت كما هي، فعدد مستخدمي محرك البحث المعروف لم يتأثر بل استمر في الارتفاع ولكن زيادة “تيك توك” كان ضخمة للغاية بحيث تخطى “جوجل”، كما أن محرك البحث العملاق بقي مهيمناً على سوق البحث عبر الإنترنت بنسبة 92% كما هو ولم تتراجع نسبته.

وظلت “جوجل” مهيمنة على سوق نظم تشغيل الجوالات بنسبة 71% بينما تقتسم أنظمة أخرى أبرزها “أي.أو.إس” و”ويندوز” و”هواواي” النسبة الباقية، بل واستمر عدد مستخدمي “يوتيوب” النشطين في النمو ولم يتراجع.

كما لم تشهد إدارة “ألفابت” أي تغييرات هامة، ولم تشهد التشريعات تأثيرًا ضخمًا عليها أيضا، أي أن البيئة الداخلية والتشريعية التي تعمل فيها الشركة ظلت مواتية، وهما عاملان مؤثران هامان للغاية في تقييم وضع الشركات وإمكانية تغييره مستقبلًا.

وبالتالي فإن هذا التراجع كان مرتبطًا بإعطاء المتغيرات الأحدث وزنًا نسبيًا أكبر من حقيقتها، وذلك على حساب المتغيرات الأقدم التي قد تكون أشد تأثيرًا وأهمية، وهو ما تأكد من الارتفاع الضخم الذي شهدته الأسهم بنسبة 44% منذ ديسمبر 2022 إلى ديسمبر 2023، ليعوض السهم خسائره “غير المنطقية” بل ويحصد الأرباح.

قد يعجبك.. نصائح لإعداد ميزانية تسويقية تضمن لشركتك النجاح في 2024

أسهم شركة بي واي دي الصينية وتأثير المخاوف

كما يؤكد مثال آخر مخالف لما حدث مع أسهم شركة “ألفابت” وهو شركة “بي واي دي” الصينية التي شهدت انخفاض سعر سهمها بنسبة 26% بين ديسمبر 2022 وديسمبر 2023، بفعل عناصر متعددة أهمها مخاوف من السباق المستمر بينها وبين “تسلا” على إنتاج السيارات الكهربائية، والمخاوف من استمرار الحروب الاقتصادية بين الصين والولايات المتحدة وتأثير ذلك على الشركة.

وكان الأمر مستغربًا في ظل أن الشركة الصينية تمكنت في الواقع من وضع قدم لها في سوق السيارات الكهربائية وأصبحت الفجوة بينها وبين تسلا 4-5% خلال العامين الأخيرين، كما تستمر في التوسع في إنتاج السيارات التقليدية.

بي واي دي - لي أوتو
بي واي دي – لي أوتو

بل إن دخل الشركة استمر في النمو بشكل متصاعد خلال آخر 7 سنوات (باستثناء عام 2020 بسبب كورونا) وحققت خلال كافة السنوات أرقام أرباح موجبة ولم تحقق خسائر، هذا مع تمتعها باستمرار بمضاعف أرباح يقل كثيرًا عن منافستها “المنطقية” تسلا.

كما يمكن القول إن بعض المخاوف المتعلقة بزيادة الفجوة بين بكين وواشنطن سياسيًا واقتصاديًا كانت السبب في تراجع سعر “بي واي دي”، على الرغم من أن الفجوة الواقعية والمتمثلة في فرض رسوم وما إلى ذلك لم تتسع خلال العام الأخير الذي شهد تراجع سعر سهم الشركة.

وهو ما يجعل للمخاوف من التغيرات الحديثة تأثيرًا أشد من “حقائق الشركة” أي أنه وقوع أيضا في فخ تحيز الاستقراء، لا سيما أن سعر سهم “بي واي دي” ارتفع بأكثر من 240% إجمالا خلال السنوات الخمس الأخيرة اعتمادًا على حقائق الشركة في السوق.

والشاهد أنه في حالتي “ألفابت” و”بي واي دي” يمكن أن تظهر بعض التطورات شديدة الأهمية التي تغير واقع الشركة، وبالتالي يكون انخفاض سعر سهمها أو ارتفاعه منطقيًا ولكن بظهور تحيز الاستقراء تكون الكثير من التحركات غير منطقية، وغير مكافئة لحجم التغيير المطلوب في سعر السهم، الذي يفترض أن يعكس “قيمة” الشركة.

قد يعجبك.. طرق مثالية لتصنيف وتتبع نفقات الأعمال الصغيرة

تحليلات الخبراء والمحللين

وفي السياق ذاته، يشير المؤلف الاقتصادي والمحلل المالي “دان غاردنر”، مؤلف كتاب “Future Babble” والذي يهتم بتفسير ظاهرة فشل تخمينات الخبراء لأسواق المال، إلى أن السبب الرئيسي لذلك هو وقوع هؤلاء الخبراء في تحيز الاستقراء أو عدم تحسبهم له بالحد الأدنى.

كما أشار “غاردنر” إلى تجربة المستثمرين مع القطاع الغذائي في الفترة بين 1961 حتى عام 2000، حيث استمر الكثير من المستثمرين بالنأي بأنفسهم عن الاستثمار في القطاع الغذائي سواء بشكل مباشر أو عبر شراء أسهم شركات الأغذية في ظل المخاوف المستمرة من تقلب سوق الغذاء.

سوق الأسهم - البورصات
سوق الأسهم – البورصات

كذلك أوضح “غاردنر” أنه مع الزيادة السكانية الكبيرة على مستوى العالم فإن عدد السعرات الحرارية التي يتناولها الشخص نمت في هذه الفترة بنسبة 24% أيضا، بما يؤشر لكون النمو في عدد المستهلكين وفي كمية استهلاكهم أي أنه نمو “متكامل” كما يقول.

ورغم ذلك، فإن نسبة لا تتعدى 5% من المستثمرين في السوق الأمريكي، ونسبة لا تتجاوز 10% من المستثمرين في أسواق أمريكا اللاتينية، والتي يعتمد الكثير منها على الزراعة بصورة كثيفة استثمروا أموالهم في الشركات الزراعية، وقرر غالبيتهم الذهاب إلى الشركات الصناعية أو التكنولوجية.

ضحايا تحيز الاستقراء 

كما يعتبر “غاردنر” أن الشركات الزراعية هنا ضحية “تحيز الاستقراء”، حيث إن موسم حصاد سيئ واحد، أو الخشية من تأثيرات الجفاف أو الفيضانات أو غير ذلك كفيلة بالتأثير على أسعار الأسهم بشكل كبير بما يجعلها متذبذبة صعودًا وهبوطًا بشكل يفوق الأسهم الأخرى لذا يخشى المستثمرون باللجوء إليها بينما تجذب بعض المضاربين بما يزيد من تذبذب المنحنى.

في حين لفت “غاردنر” إلى أن هذا يجعل غالبية نشاط الزراعة عالميًا معتمدًا بصورة كبيرة على الشركات التي يتحكم بها كبار المستثمرين بصورة كبيرة، لأنه يكون بوسعهم بهذه الطريقة تجنب التقلب الكبير في أسعار الأسهم لحساب الاستقرار في الاستثمارات.

فيما أوضح أن قرابة 90% من المتداولين الذين تعامل معهم على الأقل يقعون في فخ تحيز الاستقراء بشكل مستمر، حيث يرهبهم المنحنى المنخفض ويغريهم المنحنى الصاعد، حتى وإن كان أيهما منحنى قصير مؤقتًا وفي سبيله للانعكاس، وهو ما يؤكد منح التطورات الأحدث فحسب بما فيها شكل المنحنى وزنًا نسبيًا كبيرًا.

كما قال في هذا الإطار عبارته الشهيرة “الأداء الماضي لا يضمن نتائج المستقبل، ولكن الحقائق كلها هي أفضل ضامن لذلك”، مشددًا على منح الحقائق ترتيبًا نسبيًا وفقًا للأهمية وليس لتاريخ وقوعها، وهذا قد يجعل بعض المستثمرين يبيعون أسهمًا أدت جيدًا في الفترة القريبة الماضية، ويشترون أخرى أدت بشكل سيئ لفترة قصيرة، اعتمادًا على الحقائق طويلة المدى ومدى تغيرها.

مقالات ذات صلة:

تحليل سهم بنك الراجحي.. أداء قوي ومستقبل واعد

تحليل فني لـ “سهم أرامكو”.. اتجاه صعودي مستمر

الرابط المختصر :

التعليقات مغلقة.