الازدهار الاقتصادي أهم المعوقات في البلدان المتقدمة

0

تحقق أغلب البلدان المتقدمة النمو الاقتصادي بمعدل متوازٍ تقريبًا؛ نظرًاللقفزات الكبيرة في التطور التقني والعولمة، ففي كل فترة زمنية، هناك نجوم يزداد تألقها عن غيرها في سماء الازدهار، لكن البلدان الغنية في المعتاد، تنظر إلى تلك النجوم، بحثًا عن كيفية تعزيز معدلات النمو لديها.

وخلال العقد الذي أعقب الأزمة المالية العالمية، برزت كل من ألمانيا وكوريا الجنوبية وسنغافورة في سماء النمو الاقتصادي، وتفوقت مجتمعة على الولايات المتحدة في مضمار النمو الاقتصادي منذ عام 2009.

بالنسبة لكل دولة من هذه الدول، يمكن سرد قصة عن سبب نجاحها وما حققته من إنجازات؛ إذ يُعزى الأداء الألماني القوي إلى شركات الصناعات التحويلية الصغيرة ذات الإنتاجية العالية، والتناغم الفائق بين العمل المنظم والإدارة، ونظام التعليم المهني الرائع، والفائض التجاري الكبير.

ويرجع نجاح سنغافورة إلى نظام التعليم، وتميز نظام الإسكان، والاستثمار الحكومي في مجال التكنولوجيا الحيوية، وغير ذلك من متطلبات الصناعات المتطورة، أما النمو المحقق في كوريا الجنوبية فيرجع إلى قوة ورسوخ الشركات الوطنية الكبرى، ولا سيما شركة سامسونج. ويميل بعض الكتاب، وأنا من بينهم، إلى توصية الولايات المتحدة بمحاولة استنساخ بعض من هذه السياسات الناجحة من أجل اللحاق بالركب المتطور.

وخلال العام الماضي، بدت اقتصادات هذه البلدان الثلاثة أكثر هشاشة. وبرغم أن الأرقام الاقتصادية الأمريكية تعكس صورة أقوى، فإن ألمانيا وكوريا الجنوبية وسنغافورة، إما أنها قد خبرت فترات الركود الاقتصادي، أو أنها قريبة للغاية منها؛ إذ سجل الاقتصاد الألماني انكماشًا خلال الربع الثاني من العام الجاري، ومن المتوقع أن يواصل انكماشه؛ لانخفاض الصادرات. ويرجع جزء من ذلك إلى التباطؤ الاقتصادي في الصين، التي كانت من كبار زبائن أدوات الرأسمالية الألمانية وغيرها من المنتجات الأخرى، علاوة على أن العالم بأسره لا يشتري كثيرًا من المنتجات الألمانية في هذه الأيام.

يعتقد كريس براينت أن هناك اتجاهات تعمل ضد كبريات الشركات الصناعية في البلاد؛ إذ تتعرض صناعة السيارات الألمانية بصورة كبيرة للتغيرات المناخية العالمية، مع تشديد القواعد الرقابية الخاصة بانبعاثات الكربون؛ ما يشكل تهديدًا كبيرًا على مستقبل السيارات العاملة بالديزل بصفة خاصة؛ حتى إن بعض المدن الأوروبية شرعت في حظر سير مركبات الديزل في شوارعها، كما تعهدت بعض بلدان المنطقة بحظر كافة أنواع المركبات العاملة بمحركات الاحتراق الداخلي قريبًا.

ويشير هذا التحول إلى إجراء تعديلات مؤلمة لألمانيا، لاسيما وأن قطاع صناعة السيارات الألماني كان يتمتع بمعرفة عميقة على مدار قرن كامل من الزمان، إلا أن هذا التحول السريع إلى إنتاج السيارات الكهربائية،قد يلقي بجانب كبير من هذه المعرفة في سلة مهملات التاريخ.

وحقق اقتصاد كوريا الجنوبية نموًا جيدًا في الربع الثاني من العام الجاري، غير أنه كان قد انكمش بنسبة 0.4 % خلال الربع الأول، فيما يتجه التضخم إلى الانخفاض؛ ما يشير إلى هبوط الطلب.

وكما هو الحال بالنسبة لألمانيا، تكمن المشكلة في الصادرات، لاسيما في قطاع صناعة أشباه الموصلات، الذيتحولت كوريا الجنوبية -في السنوات الأخيرة- إلى أحد المراكز القوية فيه؛ حيث تفوقت سامسونج على إنتل، باعتبارها أكبر شركة آسيوية مصنعة لأشباه الموصلات على مستوى العالم (وربما هي الأكثر تفوقًا تقنيًا كذلك).

وتمثل صادرات أشباه الموصلات حوالي ربع الاقتصاد الكلي في كوريا الجنوبية؛ لذا، قد يؤثر الهبوط الأخير في الصادرات في التباطؤ المسجل في الصين، والنزاع التجاري القائم مع الولايات المتحدة، والحرب التجارية المتصاعدة بين كوريا الجنوبية واليابان، والذي سيكون مؤلمًا للغاية.

ومن شأن تراجع الاستهلاك في كوريا الجنوبية، تفاقم الصدمات الخارجية؛ حيث تحملت الأسر كثيرًا من الديون في السنوات الأخيرة؛ ما يجعل تراجع الصادرات يقلصمن المديونية بصورة شديدة.

أما في سنغافورة، فإن اقتصاد البلاد سجل انكماشًا ملحوظًا في الربع الثاني من العام الجاري، ومرة أخرى، لا يخرج الجاني الحقيقي عن تراجع الصادرات، وضعف التصنيع التحويلي. ومع الصادرات التي تشكل نسبة 170 % من الناتج المحلي الإجمالي للبلاد، تتصدر سنغافورة بلدان العالم كواحدة من أكثر الدول اعتمادًا على التجارة.

وسوف تتأثر سنغافورة بشدة بالحرب التجارية الأمريكية الصينية – بما في ذلك القيود الأمريكية المفروضة على صادرات التكنولوجيا. ومن المفارقات الساخرة أن المظاهرات الصاخبة التي تجتاح هونج كونج الصينية، ربما تساعد سنغافورة في تفادي الوقوع في الركود الاقتصادي على المدى القصير؛ إذ يتحول النشاط المالي والتجاري في البلاد وفقًا لتغيرات الأوضاع الجارية، غير أن الأثر بعيد المدى للحرب التجارية- مضافًا إلى مشكلة شيخوخة السكان وتباطؤ الإنتاجية- سوف يستمر.

وبالتالي، تشترك النجوم الاقتصادية الثلاث في قضايا مماثلة: بطء التجارة العالمية، وتراجع الطلب على الواردات الصناعية. وتسفر نهاية النمو الاقتصادي الصيني السريع- فضلا عن الحرب التجارية القائمة مع الولايات المتحدة- إلى نهاية النموذج الاقتصادي العالمي الذي كان دافعًا للكثيرين خلال العقدين الماضيين.

وإذا ما تحولت الخلافات التجارية بين كوريا الجنوبية واليابان إلى الاندفاع صوب النزعات القومية الاقتصادية، فسوف تتعرض الاقتصادات القائمة على التصدير في العالم لمزيد من الآلام.

وفي الأثناء ذاتها، من شأن الإلحاح المتزايد لمشاكل التغيرات المناخية العالمية أن يعطل صناعات السيارات التي تعتمد على منتجات الوقود الأحفوري، ومن المتوقع للبيئة الاقتصادية التي كانت سببًا في بزوغ نجم كل من ألمانيا وكوريا الجنوبية وسنغافورة في عام 2010، وما تلاه أن تقترب من فصل النهاية.

ولا يعني ذلك بالطبع أن الولايات المتحدة ليس لديها ما تتعلمه من الأنظمة التعليمية لهذه النظم الاقتصادية، وعلاقات العمل، والسياسات الصناعية في تلك البلدان، بل يجب عليها استنساخ أفضل عناصرها والاستفادة المثلى منها. ولكنها تذكرة بأن الأنواع المختلفة من الاقتصادات تتناسب مع أوقات وأزمنة متباينة، وعندما تتغير الأوقات، يتغير بتغيرها الفائزون والخاسرون في كل مجال.

نوح سميث
نقلًا عن «بلومبرج”

الرابط المختصر :
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.