اقتصاد عالمي جديد بعد كورونا

0 131

 

شهد العالم كارثة صحية عصفت بالجنس البشري، وكادت أن تضع الحضارة الإنسانية قاب قوسين أو أدنى من الضياع، مهددةً الإنجاز الحضاري والثقافي والاقتصادي لبني الإنسان؛ إنها جائحة فيروس كورونا المستجد (كوفيد-19)، التي نجحت في إذلال جبروت التقدم الصحي لأكثر الدول علمًا ومعرفةً على هذا الكوكب.

 وقع العالم في حيرة وعجز أمام التفشي الرهيب للفيروس الفتاك الذي عجزت عنه كافة حلول الأرض ولم يبقَ سوى حل رب العالمين، بل أجبر هذا الفيروس عواصم العالم على اتخاذ قرار الإغلاق التام والعزلة والانعزال عن العالم؛ لاحتواء شر الفيروس وإنقاذ ما يمكن إنقاذه من أرواح مواطنيها.

كساد الأسواق

أدى الإغلاق الإجباري بطبيعة الحال الى كساد الأسواق العالمية؛ حيث سجلت الإحصائيات المتخصصة انتكاسًا غير مسبوق في القيمة السوقية لكبرى الكيانات التجارية، التي سجلت انخفاضًا غير معهود في مستويات مبيعاتها؛ إذ تأثرت بفعل الإغلاق التام للمنافذ -الذي شلّ أيضًا قطاع الشحن- فأصبح العرض يفوق الطلب، وباتت السلع والمنتجات متكدسة في مخازنها، كما تأثرت الكيانات التجارية الكبرى بانكسار كثير من المؤسسات الصغيرة والمتوسطة SMEs؛ التي هي العمود الفقري للاقتصاد، والمورد الرئيس للخدمات والسلع الأساسية.

 وبعد أن أصبحت المؤسسات الصغيرة والمتوسطة تنازع من أجل البقاء؛ واجهت الكيانات الكبرى تهديدًا آخر بصعوبة توفير الخامات الأساسية لمنتجاتها بأسعار التكلفة، فأصبح لزامًا على تلك الكيانات البحث عن البديل الذي –بطبيعة الحال- سيكون مختلفًا من حيث الجودة والتكلفة؛ بسبب تداعيات السوق.

حل الإبدال

ومع انهيار المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، انهارت كيانات أكبر؛ وبالتالي حدث انهيار كلي أو شبه كلي لاقتصادها الوطني؛ إذ لجأت بعض الدول إلى وضع حلول سريعة لإنقاذ اقتصادها دون استنزاف مقدراتها وميزانياتها، فكان “الإبدال” هو العلاج الأكثر نفعًا في هذه المرحلة.

 ويتمثل حل الإبدال في إعادة توجيه مخصصات الدعم من الميزانية العامة للدولة؛ من أجل النهوض بالمشروعات الناشئة Startups ودفعها لدخول الأسواق بقوة، وإحلالها محل الشركات الصغيرة والمتوسطة؛ لتصبح العمود الفقري الجديد لاقتصادها؛ إذ ارتأت تلك الدول أن ذلك لن يكلفها كثيرًا، مقارنة بصرف ميزانياتها على الإنقاذ غير المضمون للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة التي أصبحت تحتضر فعلًا.

مواكبة الواقع الجديد

وعلى الرغم من أن كثيرين قد يجدون أن علاج “الإبدال” قد يكون جائرًا أو غير منصف مع المؤسسات الصغيرة والمتوسطة التي خدمت الاقتصاد لعقود، إلا أن النهوض بالمشروعات الناشئة له توجه اقتصادي آخر، وهو مواكبة الواقع الجديد New-Normal ما بعد كورونا، وما سينبثق عنه من أساليب مختلفة في إدارة الأعمال التجارية، وسبل مختلفة في التعامل بين القطاعات والمؤسسات الخاصة والعامة، وكذلك نظم أكثر ابتكارًا في تسيير وإتمام معاملات الأفراد المتعددة.

الشركات الناشئة

وبالفعل، فقد لمسنا ذلك التحول إبان صراعنا مع أزمة كورونا، فقد كانت الشركات الناشئة عوامة الإنقاذ التي حافظت على استمرارية طبيعة الحياة اليومية، فالشركات الناشئة التي تديرها فئة شبابية مواكبة لتكنولوجيا العصر وذات خلفية تعليمية عالية ومهارة تقنية متميزة؛ هي من خرجت لنا بحلول وبرمجيات إدارة الأعمال عن بعد، وعقد اجتماعات تفاعلية وخدمات حجز مواعيد إلكترونية ومنصات تعليم ذكية وتطبيقات توصيل مشتريات، وغيرها.

ولم تنجح هذه الشركات الناشئة فقط في ضبط دفة الاقتصاد إبان الأزمة، بل سجلت عائدات ربحية ممتازة ومعدلًا متفائلًا في مقياس رضى مستخدميها يُشار إليه بالبنان. إنه مخاض إجباري لا إرادي لاقتصاد عالمي جديد، ذي ملامح جديدة، وبروح منطلقة نحو المستقبل، مفهومه العلم والمهارة، ولن تعود الحياة بعده إلى ما كانت عليه أبدًا، فهل نحن مستعدون للمولود الجديد؟ 

م.هاشم بن كامل القرشي

باحث ومطور في مجال هندسة نظم المعلومات

——–

نبذة تعريفية

·  مهندس هاشم بن كامل القرشي

·باحث ومطور في مجال الاقتصاد الرقمي والخدمات الإلكترونية.

· سجل عدة حمايات فكرية لمشروعات تصب في ذات المجال، على رأسها: “حماية المعاملات النقدية على شبكة الإنترنت والحد من أنشطة الاحتيال وغسيل الأموال عبر الشبكة”، و “استراتيجية درب اللؤلؤ”.

·له مجموعة أبحاث ومؤلفات وترجمات في السياق التقني.

·تتميز أعماله بسلاسة التعامل والبساطة في العرض والوصول إلى المضمون.

 

الرابط المختصر :

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.