مهرجان بيت حائل 2025.. مجسم طيني يعيد ذاكرة التاريخ إلى الحياة
ضمن فعاليات مهرجان بيت حائل 2025، في نسخته الرابعة، يتألق التمازج البديع بين التصميم والإبداع، تبرز الموهبة حين تتجلى في أعمال فنية احترافية تستلهم من الماضي عبقه، وتعيد رسم ملامحه بلمسة معاصرة تعكس هويةً ثقافية ضاربة في جذور الزمن.
بين التصميم والإبداع.. مجسم طيني يعيد الحياة لوسط حائل القديم
وضمن فعاليات بيت حائل 2025 في نسخته الرابعة، والذي يقام تحت شعار “البيت بيتكم.. يا بعد حيي”، خطف الفنان والمدرب الحرفي عبدالله الخزام الأنظار من خلال عمل فني فريد.
تمثل في تنفيذ مجسم طيني متكامل يحاكي المنطقة التجارية القديمة في وسط مدينة حائل كما كانت قبل عشرات السنين.
هذا العمل الفني المدهش لم يكن مجرد تجسيد بصري، بل كان رحلة زمنية مصغرة نقلت زوار المهرجان إلى ماضٍ بعيد. كشف عن تفاصيل الحياة اليومية، وجماليات العمارة، وبساطة العيش في إحدى أهم المدن التراثية في المملكة.
ومن خلال هذا المجسم، استطاع الخزام أن يحول الفن إلى نافذة على التاريخ. مستقطبًا آلاف الزوار والسياح الذين وجدوا في هذا العمل مرآةً حقيقية لتراث حائل وأصالة هويتها العمرانية.
رؤية فنية متجذرة في التاريخ
بحكم كونه أحد أبناء المنطقة. يحمل عبدالله الخزام في داخله شغفًا عميقًا تجاه تراث مدينته، وهو ما انعكس بوضوح في تفاصيل عمله. وقد أوضح الخزام أن تصميم المجسم اعتمد على مراجع تاريخية دقيقة، حيث استند إلى وثائق ومخططات قديمة، وكتب لمؤرخين ومستشرقين زاروا المنطقة، إضافة إلى زيارات ميدانية مباشرة للموقع الأصلي في حائل.
كما حرص على مقابلة كبار السن من الأهالي للاستماع إلى رواياتهم وتوثيقها، مما أضفى على العمل بعدًا إنسانيًا وواقعيًا عميقًا.
تفاصيل المجسم.. سرد بصري لذاكرة المكان
ضم المجسم مجموعة من المعالم البارزة في وسط مدينة حائل القديمة، من بينها مسجد وقصر برزان، والساحة التجارية، وباب الصفقات، وسوق المسحب، وباب غطاط، وباب مفرح، وشارع مدرهم، إضافة إلى بعض الدوائر الحكومية القديمة.
وقد بنيت هذه العناصر بدقة لافتة، باستخدام مواد تقليدية كالطين واللبن. وجذوع وسعف النخيل. عبر طريقة البناء التقليدية المعروفة بـ”العروق”، ما ساهم في نقل أجواء تلك الفترة بكل ما فيها من بساطة وأناقة.
ولم تغب الزخارف التراثية عن المجسم، إذ حرص الخزام على توظيف نقوش وزخارف كانت سائدة في ذلك الزمن، مما أضفى على العمل روحًا فنية متكاملة، تجمع بين الشكل والمضمون، وتمنح المتلقي تجربة حسية ووجدانية معًا.
حرفية تمتد لعقود من الإبداع
كما يعد عبدالله الخزام من الأسماء البارزة في مجال الفنون الحرفية والتراثية. حيث سبق له المشاركة في العديد من المعارض والمهرجانات المحلية والدولية، مقدمًا نماذج متميزة تجمع بين الحرفة التقليدية والرؤية الفنية المعاصرة.
ومن خلال هذا العمل. لم يبرز فقط مهاراته الفنية. بل قدم نموذجًا يحتذى به في الحفاظ على الموروث الثقافي وتقديمه للأجيال الجديدة بأسلوب جذاب وبعيد عن النمطية.
رسالة تراثية للأجيال القادمة
يشكل عمل الخزام في مهرجان “بيت حائل 2025” أكثر من مجرد مجسم طيني؛ إنه رسالة حية تقول إن الهوية الوطنية لا تُصنع فقط بالحاضر والمستقبل، بل أيضًا من خلال الاعتزاز بالماضي واستلهام عناصره الأصيلة.
ويمثل هذا العمل الإبداعي نافذة مفتوحة على ماضي منطقة حائل العريق. وفرصة ذهبية لتعريف الزوار، من داخل المملكة وخارجها. بالثراء الثقافي والتاريخي الذي تتمتع به المنطقة، بما في ذلك تفاصيل الحياة الاجتماعية. والمعمار التقليدي، والعادات التي شكلت ملامح تلك الحقبة. كما يقدّم المجسم تجربة بصرية وفنية متكاملة، تسهم في إثراء فعاليات مهرجان “بيت حائل”. الذي رسخ مكانته كواحد من أبرز الفعاليات الثقافية والتراثية على مستوى المملكة والمنطقة.
وبين الطين واللبن، وبين الزخارف والنقوش. نسج عبدالله الخزام عملًا فنيًا استثنائيًا، تجاوز فيه حدود الشكل إلى عمق المعنى، ليؤكد مكانته كأحد رواد الفن التراثي في المملكة. لم يكن هذا المجسم مجرد مشروع فني عابر، بل تجسيدًا واعيًا لحكاية مجتمع وتاريخ مدينة. أعيد بناؤها بعناية من تفاصيل الذاكرة الجماعية وعمق الموروث المحلي.
ومن خلال هذا المجسم، أضاف الخزام لبنة جديدة في صرح الجهود الوطنية الرامية إلى إحياء التراث. وأسهم في ترسيخ مفهوم الفن الهادف الذي لا يكتفي بالإبهار البصري، بل يحمل في طياته رسالة ثقافية ومعرفية تمتد أثرًا وتأثيرًا. فهو بأسلوبه العصري. الذي يجمع بين الدقة الحرفية والابتكار الفني، استطاع أن يعيد صياغة الماضي بلغة يفهمها الحاضر، دون أن يفرط في أي من عناصر الأصالة أو روح المكان.
ويعد هذا العمل نموذجًا يحتذى به في دمج الفنون الحرفية بالتوثيق التاريخي، ويؤكد أهمية دور الفنان المحلي في نقل الموروث الوطني للأجيال القادمة. بأسلوب يعزز من الفخر بالهوية. ويربط الحاضر بالماضي في مشهد إبداعي نابض بالحياة والانتماء.
التعليقات مغلقة.