منصة إعلامية عربية متخصصة فاعلة في مجال الاقتصاد بروافده المتعددة؛ بهدف نشر الثقافة الاقتصادية، وتقديم المعلومات والمصادر المعرفية السليمة التي تسهم في نشر الوعي الاقتصادي، ومساعدة أصحاب القرار في اتخاذ القرارات الصائبة التي تقود الاقتصاد نحو تنمية فاعلة ومستدامة.

كيف حفز خفض الفائدة الشركات على الاستثمار في أدوات الدين؟

أصبحت شهية الشركات والبنوك السعودية منفتحة على الدخول إلى سوق الدين، خاصة مع قرار خفض أسعار الفائدة، والذي بدوره فتح الباب على مصرعيه، أمام اقتراض يتميز بانخفاض العوائد من ناحية، وتنويع مصادر التمويل من جهة أخرى.

تجارب متنوعة بسوق الدين

وشهدت الفترة الماضية الكثير من الأمثلة على هذه الطفرة من بنوك وشركات؛ لعل أبرزها نجاح شركة أرامكو السعودية في جمع 3 مليارات دولار من بيع صكوك في السوق الدولية الأسبوع الماضي. وهذا هو الطرح الأول من قبل الشركة لصكوك مقومة بالدولار منذ أكثر من 3 أعوام. كما انها المرة الثانية التي تبيع فيها الشركة أدوات دين بالدولار في الشهرين الماضيين.

وخلال الشهر الماضي، طرح بنك الرياض صكوك رأسمال إضافي من الشريحة الأولى مستدامة مقوّمة بالدولار الأمريكي. وذلك بهدف تحسين رأس المال من الشريحة الأولى وتمويل أغراض مصرفية عامة، ضمن برنامجه الدولي لصكوك رأس المال الإضافي من الشريحة الأولى الذي أسسه البنك في 10 سبتمبر الجاري.

وفي السياق ذاته، ينوي البنك السعودي للاستثمار، إنشاء برنامج صكوك من الشريحة الأولى مقومة بالدولار الأمريكي لإصدار أدوات دين إسلامية بما لا يتجاوز 1.5 مليار دولار؛ لتعزيز رأس المال وتلبية احتياجات البنك المالية والاستراتيجية.

وخلال شهر أغسطس الماضي، جمع البنك السعودي الفرنسي 3 مليارات ريال من طرح خاص لصكوك رأسمال من الشريحة الأولى مقومة بالريال، بعائد بلغ 6% سنويًا، ضمن موجب برنامج إصدار صكوك رأسمال إضافي بقيمة 8 مليارات دولار.

كما ارتفعت إصدارات الصكوك المقومة بالعملات الأجنبية، بنسبة 23.8 % في النصف الأول من العام الجاري، لتبلغ 32.7 مليار دولار، مدفوعة بشكل رئيسي بالاحتياجات التمويلية للمشروعات المرتبطة ببرنامج التحول الاقتصادي في السعودية، وبالنمو القوي للاقتصاد غير النفطي في الإمارات، بحسب تقرير صادر عن “إس آند بي جلوبال”.

بدوره، قال المحلل الاقتصادي، حسام عايش، إن سوق الدين العام في السعودية يتطور بشكل كبير وتحاول الكثير من الشركات السعودية أن تواكب هذا التطور عبر الاتجاه إلى أدوات دين أخرى مثل الصكوك والسندات وغيرها؛ للاستفادة من خفض الفائدة ومن ثم خفض التكاليف عليها وأيضا لتنويع مصادر التمويل عوضًا عن التمويل التقليدي.

تناغم المملكة مع سوق الدين العالمي

وأضاف “عايش”، في تصريحات خاصة لـ”الاقتصاد اليوم”، أن ذلك يأتي انسجامًا مع رؤية المملكة 2030 التي تؤكد أن التناغم مع سوق الدين العالمي أمرًا لا بُد منه، وأوضح أن المرحلة الحالية شهدت طرح صكوك سواء كانت بالدولار أو الريال وبالفعل هناك الكثير من الشركات التي لجأت إلى هذا الحل، ومنها العملاق السعودي “أرامكو”. كما لفت إلى أن وكالات التصنيف الائتماني ترى أن هذا الاتجاه سيستمر في النمو.

وذكر الخبير الاقتصادي أن سوق الدين السعودي تضاعف إلى أكثر من 213 مليار دولار في عام 2023 مقارنة بـ107 مليارات دولار في 2019، وهذا ما يعكس حالة من النمو والتطور المستمر في حجم سوق الدين السعودي.

كما أوضح “عايش” أن هيئة سوق المال السعودية بينت أن حجم التمويل من السوق السعودي يمختلف قنواتها. بلغ بنهاية 2023 نحو 964 مليار ريال والتي توزعت على صكوك وأدوات دين قدرت بـ 759 مليار ريال بحصة تقارب 97% من السوق. وأيضًا صناديق الأصول البديلة لـ189 مليار ريال وبحصة تقارب 20% والأسهم بقيمة 16 مليار ريال بحصة 1.7%.

نمو واضح في حجم الاقتراض

وأِشار الخبير الاقتصادي إلى أن سوق الصكوك وأدوات الدين في السعودية يمثل حوالي 18% من الناتج المحلي الإجمالي السعودي. كما أوضح أن هذا التحول له علاقة بحجم الودائع في السوق المصرفي، لافتًا إلى أن حجم الاقتراض ينمو بشكل أكبر عن الودائع. واعتبر أن ذلك أمرًا طبيعيًا في ظل تراجع صادرات المملكة النفطية. وايضًا استمرار عجز الموازنة العامة للمملكة نتيجة تراجع هذه الإيرادات حتى عام 2026.

وأوضح “عايش” أن كل هذه المؤشرات تؤكد مزيدًا من الاستثمارات في أدوات الدين بالعملات الأجنبية. والذي من المتوقع أن يصل إلى 50 مليار دولار في 2024. وقال: “إننا أمام أدوات تمويلية تخفف من كلفتها على كاهل المستثمر. وبعيدة عن المنافسة التقليدية المتوقعة من القطاع المصرفي الذي سيجد أمامه متسعًا لتلبية متطلبات فئات أخرى من العملاء”. كما أكد أن انخفاض السيولة بهذا القطاع الهام سيؤدي إلى ارتفاع تكاليف الاقتراض المصرفي. وبالتالي ستنشط هذه الأدوات بشكل لافت.

كما علق جو يارك؛ رئيس قسم الأسواق العالمية في Cedra Markets، بأن البنك المركزي السعودي دائمًا ما يضع سياسة نقدية تتفق مع السياسة النقدية العالمية، بهدف تحقيق مستهدفات المملكة التنموية على المستويات كافة.

وأضاف “يارك”، في تصريحات خاصة لـ”الاقتصاد اليوم”، أن اتجاه السياسات المصرفية في السعودية يتبع بشكل كبير. السياسة المصرفية العالمية وعلى رأسها “الفيدرالي الأمريكي”. ولفت إلى خفض “المركزي السعودي” سعر الفائدة 50 %، تمامًا كما فعل نظيره الأمريكي، خلال سبتمبر الماضي.

أسباب الاستثمار في أدوات الدين

وتابع “بارك”: “يحدث تخفيض في أسعار الفائدة كلما قلت كلفة الاستدانة من البنوك. على الشركات الراغبة في الاستدانة بهدف تحقيق مستهدفاتها سواء كانت توسعية أو غيرها.

وقال “يارك”: خفض “المركزي السعودي”  الأخير لسعر الفائدة، جعل الشركات السعودية تتجه إلى الاستثمار. في أدوات الدين المختلفة، خاصة أن تكلفة الدين تكون منخفضة مع خفض الفوائد.

وتوقع الخبير المالي، حدوث خفض في الفوائد على المدى القصير والمتوسط؛ ما سينتج عنه تحفيز الشركات السعودية لمزيد من الاستثمار ومن ثم التطوير والتوسع. وبالتالي فإن تخفيض الفائدة سيكون دافعًا؛ لتحقيق الكثير من النتائج الإيجابية للشركات.

وسيلة تحفيزية مطلوبة

ويرى الخبير الاقتصادي ياسين أحمد أن قضية خفض سعر الفائدة تعد واحدة من وسائل تحفيز النمو الاقتصادي، وبالتالي تصبح تكاليف التمويل أقل؛ مما يدفع عجلة الإنتاج والنمو الاقتصادي. وهو الهدف الرئيس لأي اقتصاد.

وأضاف “أحمد”، في تصريحاته لـ”الاقتصاد اليوم”، أن قرار خفض أسعار الفائدة يشجع الشركات على الدخول في أسواق الدين السعودي. وذلك يمنحها فرصًا أكبر في إصدار السندات والصكوك للاستفادة من خفض الفائدة. ومن ناحية أخرى تنوع مصادر التمويل لديها.

وتابع الخبير الاقتصادي قائلًا: “إن تخفيض الفائدة يحفز الطلب على إصدار سندات الشركات وانخفاض عوائد أدوات الدين الحكومي. إضافة إلى أن العامل المحفز بشكل أكبر هو التكاليف المنخفضة للاقتراض وهو ما يشجع الشركات على التوسع والنمو“.

الرابط المختصر :

التعليقات مغلقة.