فيرا سونغوي.. صوت إفريقي في قلب الاقتصاد العالمي
في عالمٍ تتسارع فيه التغيرات الاقتصادية والتحديات المناخية، تبرز شخصيات فاعلة تعيد رسم خريطة التنمية في إفريقيا، ومن بينها “فيرا سونغوي”، الاقتصادية الكاميرونية التي لعبت دورًا محوريًا في الدفع بأجندة الإصلاح الاقتصادي بالقارة السمراء.
ومن خلال عملها كأول امرأة تتولى منصب الأمينة التنفيذية للجنة الاقتصادية لإفريقيا التابعة للأمم المتحدة (UNECA)، استطاعت أن تجمع بين الرؤية الإستراتيجية والتحليل العملي. لتصبح أحد أبرز الأصوات المدافعة عن حقوق إفريقيا في النظام المالي الدولي.
خلفية أكاديمية صنعت مسارًا استثنائيًا
نشأت “سونغوي” في الكاميرون، ودرست الاقتصاد في جامعة ميشيغان بالولايات المتحدة. قبل أن تحصل على درجة الدكتوراه من جامعة جورج تاون.
هذا المسار الأكاديمي منحها أدوات تحليلية متقدمة. مكنتها من الدخول إلى مؤسسات دولية كبرى مثل البنك الدولي؛ حيث شغلت مناصب قيادية عملت من خلالها على ملفات تتعلق بإصلاحات المالية العامة، وتطوير البنية التحتية في الدول النامية (World Bank Reports).
خبرة عملية في مؤسسات دولية
قبل انتقالها إلى منصبها في الأمم المتحدة، راكمت “سونغوي” خبرات واسعة في البنك الدولي وصندوق النقد الدولي. هناك ركزت على سياسات الدين العام والإصلاحات المالية في إفريقيا والشرق الأوسط. وبحسب تقرير صادر عن Brookings Institution. فقد أسهمت بشكل مباشر في تطوير أدوات لدعم الاستقرار المالي في الاقتصادات الهشة. ما جعلها مرجعًا في قضايا الديون الإفريقية وإدارة المخاطر الاقتصادية.
الحاجة إلى سياسات مرنة
أوضحت “سونغوي” أن جائحة كورونا كشفت هشاشة الاقتصادات الإفريقية. حيث فقدت القارة أكثر من 95 مليار دولار من عائدات التصدير في عام 2020 وحده. هذه الخسارة، بحسب تصريحاتها في Brookings. تستدعي اعتماد سياسات مالية مرنة تسمح بالتحرك السريع لمواجهة الصدمات.
ومن هنا شددت على ضرورة بناء صناديق إقليمية للطوارئ الاقتصادية تكون بديلًا عن الاعتماد المفرط على التمويل الخارجي.
الاستثمار في رأس المال البشري.. أولوية قصوى
لم تقتصر رؤيتها على الأبعاد المالية فقط، بل كانت ترى أن التنمية الحقيقية تبدأ من الاستثمار في الإنسان. فوفقًا لتقارير UNECA، فإن إفريقيا تحتاج إلى مضاعفة إنفاقها على التعليم والصحة ليصل إلى نحو 15% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول 2030. إذا أرادت سد الفجوة مع بقية مناطق العالم.
وأكدت في أكثر من مناسبة أن رأس المال البشري هو المورد الأكثر استدامة للقارة. وضمانتها للتحول نحو الاقتصاد المعرفي.
التكامل الإقليمي.. من فكرة إلى واقع
واحدة من أبرز معاركها الفكرية كانت اتفاقية التجارة الحرة القارية الإفريقية (AfCFTA). ففي حوار مع Oxford Business Group، أشارت “سونغوي” إلى أن الاتفاقية يمكن أن تضيف أكثر من 450 مليار دولار للناتج المحلي الإجمالي الإفريقي خلال العقد المقبل. غير أنها أوضحت أن النجاح يتطلب ما هو أبعد من توقيع المعاهدات؛ إذ يستلزم تطوير البنية التحتية، والتنسيق الجمركي، وإيجاد بيئة قانونية موحدة تتيح انسياب التجارة والاستثمار بين الدول الإفريقية.
المرأة في قلب التنمية الاقتصادية
بجانب كونها أول امرأة تقود لجنة اقتصادية أممية في إفريقيا. دافعت “سونغوي” بقوة عن إدماج النساء في الاقتصاد.
ففي دراسات صادرة عن LSE Grantham Institute. أكدت أن مشاركة المرأة الكاملة يمكن أن تضيف ما يصل إلى 316 مليار دولار للناتج المحلي الإجمالي الإفريقي بحلول 2025.
ودعت إلى تمكين النساء في مجالات التكنولوجيا والتمويل الأخضر، معتبرة أنهن القوة الخفية القادرة على تسريع مسار النمو المستدام.
دورها في مواجهة تحديات التمويل المناخي
مع اشتداد أزمة المناخ، ركزت “سونغوي” على قضية تمويل التحول الأخضر. وأشارت خلال مداخلاتها في قمم المناخ إلى أن إفريقيا لا تسهم سوى بنسبة 3% من الانبعاثات الكربونية العالمية، لكنها الأكثر تضررًا من آثارها.
وفي كلمة لها خلال COP27 بشرم الشيخ، طالبت بإعادة هيكلة آليات التمويل الدولي بحيث تتيح للقارة الحصول على التمويل العادل لمشروعات الطاقة المتجددة، مؤكدة أن ذلك لن يفيد إفريقيا فقط، بل سيعزز الاستقرار الاقتصادي العالمي.
مستقبل إفريقيا في الاقتصاد العالمي
خلال مشاركاتها في قمم المناخ COP27 وCOP28، شددت “سونغوي” على أن تجاهل أفريقيا في النظام الاقتصادي العالمي يعني خسارة فرص هائلة.
فالقارة التي تضم أكثر من 1.4 مليار نسمة واحتياطات ضخمة من المعادن النادرة، يمكن أن تصبح مركزًا عالميًا للطاقة النظيفة والتقنيات الحديثة.
ورأت أن تحويل أفريقيا إلى “قاعدة تصنيع للطاقة المتجددة” لن يكون مكسبًا للقارة وحدها. بل عنصرًا أساسيًا لاستدامة الاقتصاد العالمي.
تجسد تجربة “فيرا سونغوي” نموذجًا للقيادة الاقتصادية التي توازن بين التحليل الأكاديمي والخبرة العملية. وتربط بين القضايا المالية والاجتماعية والبيئية في إطار واحد متكامل.
ومن خلال مسيرتها الممتدة في البنك الدولي والأمم المتحدة، ورسائلها القوية حول التكامل الاقتصادي ورأس المال البشري وتمويل المناخ، استطاعت أن تضع إفريقيا على جدول أعمال الاقتصاد العالمي، وتؤكد أن صوت القارة لم يعد على الهامش. بل في قلب صناعة القرار الدولي.



التعليقات مغلقة.