منصة إعلامية عربية متخصصة فاعلة في مجال الاقتصاد بروافده المتعددة؛ بهدف نشر الثقافة الاقتصادية، وتقديم المعلومات والمصادر المعرفية السليمة التي تسهم في نشر الوعي الاقتصادي، ومساعدة أصحاب القرار في اتخاذ القرارات الصائبة التي تقود الاقتصاد نحو تنمية فاعلة ومستدامة.

أدينا فريدمان.. امرأة غيرت ملامح البورصات العالمية

تعد أدينا فريدمان، واحدة من أبرز القيادات النسائية في أسواق المال العالمية، وقصة استثنائية في عالم تهيمن عليه الأرقام الباردة وتتصارع فيه القوى الاقتصادية.

وبينما يندر أن نجد مسيرة شخصية تجمع بين الطموح الفردي والتحولات المؤسسية الكبرى، فإن “فريدمان” تكسر هذه القاعدة بجدارة.

لم تبدأ حياتها كنجمة مهيأة للقيادة، لكنها بفضل مثابرتها ورؤيتها الإستراتيجية استطاعت أن تتحول من متدربة في شركة ناشئة بالبورصة الأمريكية إلى واحدة من أقوى النساء في الاقتصاد العالمي.

من جذور متواضعة إلى مسار أكاديمي واعد

ولدت فريدمان في مدينة بالتيمور الأمريكية، ونشأت في بيت يجمع بين القانون والتمويل. كان والدها مايكل دي. تيستا يعمل مديرًا بشركة T. Rowe Price، في حين كانت والدتها محامية. 

هذا المزيج بين عالم المال والقانون أتاح لها فرصة مبكرة لفهم كيف تُدار المؤسسات وتتفاعل الأسواق مع القواعد التنظيمية.

لكن رغم هذه الخلفية، لم تبدأ طريقها بدراسة الاقتصاد. اختارت دراسة العلوم السياسية في Williams College، وهو ما أعطاها قدرة على فهم العلاقات بين السياسة والاقتصاد.

قبل أن تتعمق أكثر بالحصول على ماجستير في إدارة الأعمال من جامعة فاندربيلت عام 1993. ووفقًا لموقع Vanderbilt Business School. كان هذا المزيج الأكاديمي هو ما شكل لاحقًا قدرتها على المزج بين الرؤية الاقتصادية والتفكير الإستراتيجي في السياسات.

الخطوة الأولى: الانضمام إلى Nasdaq

بدأت فريدمان حياتها العملية مباشرة بعد التخرج في شركة Nasdaq عام 1993 كمتدربة. في ذلك الوقت، كانت الشركة لا تزال في بدايات توسعها كمنصة لتداول الأسهم الإلكترونية، لكن “أدينا” أثبتت نفسها بسرعة عبر عملها على المشاريع التقنية والهيكلية.

ووفقًا للموقع الرسمي لـ Nasdaq، لعبت أدوارًا بارزة في تطوير منتجات جديدة وتنفيذ عمليات استحواذ استراتيجية. كان من أبرزها شراء INET التي قدمت تقنيات متطورة للتداول، والاستحواذ على OMX التي أدخلت الشركة إلى أوروبا، إضافة إلى ضم بورصتي فيلادلفيا وبوسطن. 

هذه العمليات لم تكن مجرد توسعات تجارية، بل مثلت تحولًا جوهريًا جعل Nasdaq تنتقل من كونها بورصة محلية إلى قوة عالمية في الأسواق المالية.

الانتقال إلى Carlyle Group.. خبرة في الاستثمار المباشر

في عام 2011، قررت “فريدمان” أن توسع خبرتها خارج أسواق الأسهم، فالتحقت بمجموعة Carlyle Group، وهي واحدة من كبرى شركات الاستثمار المباشر. وهناك شغلت منصب المديرة المالية والمديرة التنفيذية.

بحسب تقرير لمجلة Fortune، مكنها هذا الدور من الاطلاع على تفاصيل عمل صناديق الأسهم الخاصة. وكيفية إدارة الاستثمارات في قطاعات متنوعة، من التكنولوجيا إلى الرعاية الصحية. 

هذه التجربة أضافت بعدًا جديدًا إلى مهاراتها، وجعلتها تدرك العلاقة المعقدة بين الأسواق العامة والخاصة، وهو ما ساعدها لاحقًا في تطوير إستراتيجيات Nasdaq.

العودة إلى Nasdaq وصعودها إلى القمة

في 2014، عادت أدينا فريدمان إلى Nasdaq لتتولى منصب رئيسة العمليات. هذه العودة لم تكن مجرد عودة وظيفية. بل كانت بداية مسار نحو القمة.

وفي يناير 2017. تم تعيينها رسميًا كرئيسة تنفيذية للشركة، لتصبح أول امرأة تقود واحدة من أهم البورصات في العالم.

وفي مقابلة مع صحيفة The New York Times خلال أزمة كوفيد-19، أكدت أن قيادتها تركز على تحويل Nasdaq إلى شركة تكنولوجية متكاملة، وليس مجرد بورصة للأسهم. 

وقد دفعها ذلك إلى الاستثمار في الحلول السحابية، والذكاء الاصطناعي، والبنية التحتية الرقمية، حتى أصبحت الشركة اليوم مزودًا رئيسًا للأنظمة التقنية التي تدير أسواقًا حول العالم.

سياسات جريئة: التنوع والشفافية

من أبرز مبادراتها الجريئة، ما أعلنته في ديسمبر 2020، حين طالبت الشركات المدرجة في Nasdaq بالإفصاح عن تنوع مجالس إدارتها.

كانت هذه الخطوة الأولى من نوعها على مستوى البورصات الأميركية. واعتبرتها مجلة The Economist مثالًا على دور أسواق المال في تعزيز الشفافية والحوكمة المؤسسية.

لكن هذه السياسة لم تمر دون جدل. فقد واجهت اعتراضات قانونية. وفي 2024 أصدرت محكمة الاستئناف الفيدرالية الخامسة حكمًا يلغي هذه المتطلبات، معتبرة أن هيئة الأوراق المالية الأمريكية تجاوزت صلاحياتها. 

ومع ذلك، يرى مراقبون أن مجرد طرح الفكرة غير النقاش حول التنوع في القيادة المؤسسية داخل “وول ستريت”.

قيادة برؤية عالمية

لم يقتصر تأثير “فريدمان” في السياسات الداخلية، بل انعكس على مكانة Nasdaq عالميًا. فقد توسعت الشركة لتقديم خدمات في أكثر من 50 سوقًا حول العالم، وأصبحت مزودًا رئيسًا للتكنولوجيا المالية (Fintech).

وبحسب تقارير موقع Nasdaq.com. فإن أكثر من 130 بورصة ومؤسسة مالية تعتمد على تقنيات الشركة لتشغيل أنظمة التداول الخاصة بها.

الاعتراف الدولي: قوة نسائية في عالم يسيطر عليه الرجال

لقد كرست هذه الإنجازات مكانة فريدمان كواحدة من أقوى القيادات النسائية عالميًا. ففي تقرير Forbes لعام 2023. احتلت المرتبة 43 في قائمة أقوى 100 امرأة في العالم. كما وضعتها Fortune في المرتبة 55 ضمن قائمة النساء الأكثر نفوذًا في الأعمال.

إضافة إلى ذلك، منحتها مجلة American Banker في 2024، تكريمًا باعتبارها من بين أكثر النساء تأثيرًا بالقطاع المصرفي.

هذه الألقاب ليست مجرد اعتراف شخصي، بل تمثل تحولًا ثقافيًا في وول ستريت. حيث أثبتت فريدمان أن القيادة النسائية قادرة على المنافسة وإحداث تغيير عميق.

حضور فكري وإعلامي

تتمتع فريدمان أيضًا بحضور لافت خارج نطاق عملها التنفيذي. فقد ألقت كلمة عبر منصة TED عام 2019 بعنوان “What’s the future of capitalism؟”، ناقشت فيها كيف يمكن إعادة صياغة الرأسمالية لمواجهة التحديات المستقبلية. 

كما ساهمت بمقالات في The Economist حول تحولات الاقتصاد الرقمي. وظهرت في مقابلات مطوّلة مع The New York Times لتسليط الضوء على إستراتيجياتها خلال الأزمات.

الحياة الشخصية.. التوازن بين العمل والرياضة

رغم ضغوط العمل، تحرص فريدمان على حياة شخصية متوازنة. فهي متزوجة من المحامي المتقاعد مايكل فريدمان ولديها طفلان. وتعيش العائلة في ولاية ماريلاند. إضافة إلى ذلك، فهي تمارس رياضة التايكواندو وقد حصلت على الحزام الأسود.

ووفقًا لموقع Nasdaq.com، تعتبر أن هذه الرياضة علمتها الانضباط والشجاعة، وهي صفات طبقتها في حياتها المهنية.

خلاصة تحليلية

تمثل مسيرة أدينا فريدمان، نموذجًا لإعادة تعريف القيادة في أسواق المال. فمن خلال الجمع بين الخبرة الأكاديمية المتنوعة والقدرة على اتخاذ قرارات استراتيجية جريئة، استطاعت أن تنقل Nasdaq من مجرد بورصة للأسهم إلى شركة تكنولوجية عالمية.

وبينما يرى البعض أن مبادراتها مثل التنوع في مجالس الإدارات ربما لم تنجح بالكامل قانونيًا، فتحت الباب أمام حوار عالمي حول دور الأسواق في تعزيز العدالة الاجتماعية.

إن قصة “فريدمان” ليست مجرد قصة نجاح لامرأة في عالم يسيطر عليه الرجال، بل هي أيضًا قصة تحول اقتصادي عالمي؛ حيث أثبتت أن قادة البورصات لم يعودوا مجرد حراس للأسواق، بل مبتكرون للتقنيات والسياسات التي ستحدد ملامح الاقتصاد في العقود المقبلة.

الرابط المختصر :

التعليقات مغلقة.