التضخم.. سرطان الاقتصاديات الحديثة

0 52

التضخم لم يعرفه أجدادنا، واعتبره آباؤنا ظاهرة استثنائية، أما اليوم فيطلق عليه سرطان اقتصاديات العصر الحديث؛ لأنه أصبح هاجسًا يقلق كل الدول؛ إذ يهدد نموها الاقتصادي وتطورها الاجتماعي؛ ما ينعكس على تحديد درجة التقارب التجاري الدولي وطبيعة علاقات التعاون الثنائي.

اقرأ أيضًا..ارتفاع معدّل التضخم في مصر بنسبة 2.3%

التضخم النقدي

والتضخم النقدي هو زيادة مستمرة في المستوى العام للأسعار بمعدل يزيد عن 2 % سنويًا؛ كنسبة طبيعية للاقتصاديات النامية، التي تعكس وجود سياسة اقتصادية تسخر القدرات الذاتية لتحقيق تنمية اقتصادية سريعة ومتوازنة؛ فاستمرار هذا المعدل لا يُعد تضخمًا.

الكتلة النقدية

وإذا زادت نسبة التضخم عن النسبة المشار إليها؛ فإنه يعد تضخمًا نقديًا؛ أي وجود نقد بالسوق لا يقابله إنتاج من السلع والخدمات يكفي لامتصاصها؛ فتزيد الأسعار، وترهق محدودي الدخل؛ فتتعالى المطالبات بزيادة الأجور لمواجهة غلاء الأسعار، فإذا زادت الأجور، زاد حجم الكتلة النقدية المتداولة بالسوق.

التضخم
التضخم

وإذا بقى حجم الإنتاج دون مستوى الطلب الاجتماعي، زادت الأسعار مرة أخرى بسبب الندرة، وتعالت احتجاجات المواطنين، وحدثت إضرابات عمالية تدفع الحكومة إلى ” التهدئة ” بسلم أجور جديد يرفع الحد الأدنى للأجر؛ فيتضاعف حجم الكتلة النقدية المتداولة بدون إنتاج ملموس يقابلها فتزيد الأسعار مجددًا.

اقرأ المزيد..«التعبئة والإحصاء»: تضخم أسعار المستهلكين بالمدن يرتفع إلى 3.7%

 حلزون التضخم

وبدون ضوابط سعرية من الدولة، تتجه الأسعار للارتفاع بوتيرة أسرع من ارتفاع الأسعار العالمية، ثم تبدأ عملية قلة العرض )الإنتاج(، وزيادة الأجور )الكتلة النقدية(، وزيادة الأسعار بالدوران من جديد؛ فيما يُطلق عليه مشكلة “حلزون التضخم ” الذي يؤدي إلى “التضخم الجامح” الذي لا حدود له.

تراجع معدل التضخم
صورة أرشيفية

ومن العوامل الدافعة لاستمرار ظاهرة التضخم، التوسع في عرض النقود؛ بزيادة الأجور، وتقديم تسهيلات لتشجيع الاقتراض من البنوك، أو رفع نسبة الفائدة على الودائع، وزيادة التكاليف؛ لذا لا يمكن أن يتضح التضخم دون تحديد طبيعة العلاقات الاجتماعية وعلاقات الإنتاج ودوافع الاستهلاك.

النمط الاستهلاكي

وترتبط ظاهرة التضخم بالرغبة المتنامية في الاستهلاك، والطلب المتزايد على السلع والخدمات؛ نتيجة ارتفاع دخول بعض الفئات الاجتماعية؛ ما يؤدي إلى تغيير النمط الاستهلاكي لهذه الفئات؛ لذا يتلخص “حلزون التضخم” في زيادة الطلب على السلع والخدمات عن المعروض منها؛ وبالتالي يرفع المنتجون أسعار منتجاتهم، ثم يطالب المواطنون بزيادة الأجور؛ لذا يعد ربط الأسعار بالأجور هو البوابة الرئيسة للتضخم، لكنَّ تعليل هذه العلاقة يقتضي التأكد من وجود شرطين:

ـ الأول: ثبات نصيب كتلة الأجور من الدخول.

ـ الآخر: تطور كلفة الإنتاج، والمواد الأولية بإيقاع موازٍ لإيقاع الأجور.

أسباب التضخم

هناك من يعزو التضخم إلى مؤثرات داخلية، أو خارجية، أو الاثنين معًا لاسيما في الدول النامية شديدة التأثر بالظروف الاقتصادية العالمية؛ حيث تنتقل ظاهرة التضخم بسهولة من الدول الكبرى المسيطرة على الاقتصاد العالمي عبر صادراتها إلى الدول النامية، فيما يعرف بـ “التضخم المستورد”.

وقد يمثل تراكم الديون، والإفراط في الاقتراض الخارجي عاملًا مهمًا في زيادة التضخم، خاصة إذا ما استعملت القروض لأغراض غير إنتاجية أو لتمويل مشاريع ذات مردود إنتاجي بعيد المدى؛ كمصانع الحديد والصلب والطاقة.

وتعكس ظاهرة التضخم ما يلــــي:

* عدم التوازن بين العرض والطلب، والذي يُعبَّر عنه بأنه نقود كثيرة تطارد سلعًا قليلة.

* عدم التوازن بين الاستهلاك والاستثمار، فإذا كان معدل الأول أكبر بكثير من الآخر، حدث ارتفاع كبير في الطلب الفعلي الذي يخلق ارتفاعًا في الأسعار.

* ارتفاع العجز في ميزان المدفوعات، أو تسديد فروق عجز سابقة في موازنات الدولة ، لاسيما في الدول النامية؛ عن طريق الاقتراض من البنك المركزي الذي يصدر أوراقًا نقدية إضافية تحت بند “دين عام” على خزينة الدولة؛ فتتشكل بذلك كتلة نقدية زائدة، تضغط أكثر في اتجاه زيادة الطلب على السلع.

* عدم الاعتماد على الذات في تأمين الموارد المحلية وتنميتها، والإخلال بتحقيق التوازن بين الواردات والنفقات الذي يُحدث عجزًا في ميزانية الدولة، أو عدم مراعاة ترشيد الإنفاق، فإذا كانت النفقات العامة غير إنتاجية وتخصص لأغراض غير استثمارية؛ فذلك يؤدي إلى ظهور التضخم، ومثال على ذلك: النفقات العسكرية، ومصاريف قطاع الخدمات؛ كالتعليم والصحة.

محاربة التضخم النقدي

وليس التضخم أحد أشكال الاختلال الاقتصادي فحسب، بل تمتد جذوره إلى خارج إطار الاقتصاد التقليدي؛ لأنه أصبح أداة للتهدئة السياسية وحل المنازعات الاقتصادية عندما تتم تحت غطاء التسوية التضخمية.

ليس من السهل محاربة التضخم النقدي؛ إذ تتطلب مكافحته أولًا: حشد كل الوسائل الممكنة. وفي الدول النامية يصعب التصدي للتضخم أو التحكم جذريًا في آثاره؛ لضعف طبيعة الأجهزة الاقتصادية والمالية والاجتماعية.

 مواجهة التضخم

ومع ذلك، تقتضي الضرورة اتباع سياسات مستمرة لمواجهة التضخم؛ منها ما يلي:

مراقبة أسعار السلع الاستراتيجية الضرورية، وتحديد المواد الغذائية الرئيسة، وزيادة مرونة العرض بتوفيرها في الأسواق؛ للحد من الاختناقات، وحالات الندرة المؤدية غالبًا لارتفاع الأسعار.

ربط كل زيادة في الأجور والرواتب بإنتاجية العمل بصفة أساسية، مع تحريكها بالشكل الملائم على ضوء الأرقام القياسية لأسعار السلع الاستهلاكية.

تقليص حجم الواردات والقروض الخارجية لتمويل النفقات العامة وتمويل البرامج الاستثمارية ذات المردود السريع.

ضغط النفقات غير الإنتاجية أو غير الضرورية، وألا تعاني ميزانية الدولة من حالات العجز.

اتباع سياسة ضريبية بنَّاءة تلعب دورًا في مواجهة التضخم، وتهدف إلى زيادة الموارد الضريبية، وإيجاد توازن في ميزانية الدولة.

تشجيع الادخار المحلي بعوامل جاذبة؛ مثل رفع سعر الفائدة على الوداع، وتوجيه المدخرات إلى تمويل المشاريع الاستثمارية والإنمائية.

إعادة توزيع الدخل القومي بشكل عملي يراعي طبيعة الهياكل الاقتصادية والاجتماعية.

جعل الإنفاق السنوي على البرامج الإنمائية في حدود الإمكانيات المتاحة؛ لإكساب مسار التنمية التوازن والتناسب، وتجنب الضغوط التضخمية التي قد ترافق ما يُطلق عليه “التنمية الانفجارية” أو تتولد عنه.

يبدو التضخم النقدي من خلال مظاهره وضع غير طبيعي، مع تميزه بالاستمرار ومد جذوره حتى في المجتمعات المتقدمة التي اكتفت بتكييف أوضاعها مع حقيقة استمرار وجوده؛ لذا ليس التضخم بالظاهرة التي يمكن التغلب عليها بإجراء سحري واحد، كما لا يُتصور أنه لا علاج له، فالتاريخ يبين أن الحد من التضخم أو القضاء عليه، لا يتم عادة خلال فترة زمنية قصيرة، بل لابد من القيام بحملات تنشيطية للتوعية المستمرة بما يجب فعله؛ لمنع تفاقمه، ثم التعامل الإيجابي مع آثاره؛ حتى يتخلص الاقتصاد منه. 

صبحة بغورة

 

 

الرابط المختصر :

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.