الصين.. مرحلة جديدة من الانفتاح على الاستثمار الأجنبي

0 83

استنادًا إلى بيانات الاستثمار الأجنبي الصادرة عن وزارة التجارة الصينية في 18 يونيو 2020م، فقد كان الاستخدام الفعلي لرأس المال الأجنبي على مستوى البلاد في شهر مايو 68.63 مليار يوان، بزيادة سنوية قدرها 7.5٪. ويشير النمو الإيجابي للاستثمار الأجنبي المباشر إلى أن السوق الصينية لا تزال محط اهتمام وتفاؤل المستثمر الأجنبي. ووفقًا لتقرير “ممارسة أنشطة الأعمال 2020” الصادر عن البنك الدولي في 24 أكتوبر 2019، فقد قفز ترتيب الصين من المرتبة 46 في عام 2018 إلى المرتبة 31 عالمياً، لتكون من ضمن الاقتصادات العشرة التي حققت أكبر تحسّن في درجة ممارسة أنشطة الأعمال والتي تتصدرها المملكة العربية السعودية. حيث أدى تحسين بيئة الأعمال إلى خلق بيئة مواتية للاستثمار الأجنبي وعزز النمو المطرد للاستثمار الأجنبي.

ومن أجل مزيدٍ من الانفتاح والتحفيز الإيجابي للاستثمار الأجنبي وتعزيز التنمية السليمة لاقتصاد السوق الصيني اعتمدت الصين (قانون الاستثمار الأجنبي) في الدورة الثانية للمجلس الوطني لنواب الشعب الـثالث عشر في 15 مارس 2019، وبدأ سريان هذا القانون من 1 يناير 2020، كما تم اعتماد اللائحة التنفيذية لقانون الاستثمار الأجنبي لجمهورية الصين الشعبية في الاجتماع التنفيذي الرابع والسبعين لمجلس الدولة في 12 ديسمبر 2019، ويهدف قانون الاستثمار الأجنبي لجمهورية الصين الشعبية إلى حماية وتعزيز الحقوق والمصالح المشروعة للاستثمار الأجنبي، وفيه تؤكد الصين على التزامها بالسياسة الوطنية الأساسية للانفتاح على العالم الخارجي وتشجع المستثمرين الأجانب على الاستثمار في الصين، وتطبق الدولة وفقاً لذلك سياسات تحرير وتيسير الاستثمار الأجنبي، وإنشاء وتحسين آليات تشجيع الاستثمار الأجنبي، وخلق بيئة سوق تنافسية ومستقرة وشفافة وعادلة.

منذ أن بدأت الصين في تطبيق سياسة الانفتاح الاقتصادي على العالم الخارجي في 1979م على يد مهندس الإصلاح الصيني الرئيس دنغ شياو بينغ وهي تقوم بمزيد من الانفتاح نحو الاستثمار الأجنبي في الصين، فقد أصدرت الصين قانون مشاريع الاستثمارات المشتركة الصينية الأجنبية في 1979م  ثم قانون المشاريع التعاونية الصينية الأجنبية في 1988م ثم قانون مشاريع الاستثمار الأجنبي في عام 2000م ، وبدخول قانون الاستثمار الأجنبي الجديد حيز التنفيذ في 1 يناير 2020م فقد تم إلغاء هذه القوانين الثلاثة.  ليصبح قانون الاستثمار الأجنبي الجديد بلائحته التنفيذية وتفسيرات محكمة الشعب العليا لعدة قضايا تتعلق بتطبيق القانون هو القانون الموحد للاستثمار الأجنبي.

يتضمن “قانون الاستثمار الأجنبي ” الجديد 42 مادة مقسمة في ستة فصول: وهي: الأحكام العامة، وتشجيع الاستثمار، وحماية الاستثمار، وإدارة الاستثمار، والمسؤوليات القانونية، والأحكام التكميلية.

وفي هذا القانون توكد الصين على معاملة الاستثمار الأجنبي بما لا يقل عن معاملة الاستثمارات المحلية، وقد جاء ذلك موضحاً في المادة الرابعة من قانون الاستثمار الأجنبي والتي تنص على منح الاستثمار الأجنبي جميع المزايا الممنوحة للاستثمار المحلي باستثناء النشاطات المحصورة في القائمة السلبية. كما أتاح القانون الجديد الفرصة للمستثمرين الصينيين ذوي الصفة الطبيعية للمشاركة مع المستثمرين الأجانب، إذ جاء في المادة الثانية من قانون الاستثمار الأجنبي في الفقرتين الأولى والثالثة والتي حددت أشكال الاستثمار الأجنبي: إذا قام المستثمر الأجنبي، بمفرده أو بالاشتراك مع مستثمرين آخرين، بإنشاء شركات ذات استثمار أجنبي في الصين، وإذا قام المستثمر الأجنبي بمفرده أو بالاشتراك مع مستثمرين آخرين بالمشاركة في المشاريع الجديدة في الصين. وقد أوضحت الفقرة الثالثة من اللائحة التنفيذية أن عبارة “المستثمرين الآخرين” في هذه المادة تشمل الأشخاص الصينيين ذوي الصفة الطبيعية داخل الصين. وبهذا يكون القانون الجديد قد أتاح الفرصة للأفراد الصينين للشراكة مع المستثمرين الأجانب في إقامة شركات ذات استثمار أجنبي داخل الصين، بعد أن كانت حكراً على الشركات والمنظمات الاقتصادية الصينية، ليتيح القانون الجديد للأشخاص الطبيعيين حق الشراكة مع المستثمرين الأجانب جنباً إلى جنب مع الشخصية الاعتبارية، وهو ما لم يكن مسموحاً به في قوانين الاستثمار الثلاثة السابقة. وعلى الرغم من أن قانون الاستثمار الأجنبي أو لائحته التنفيذية لم يقم بتعريف “المشاريع الجديدة” في الفقرة السابقة إلا أنه تم تغطية أشكال الاستثمارات الأجنبية الحالية، والأشكال المحتملة الأخرى للاستثمار الأجنبي في المستقبل في شكل مصطلحات شاملة، مما يثري ويوسع دلالة الاستثمار الأجنبي في القانون الجديد ويوسع نطاقه.

وكما تنص المادة 42 من قانون الاستثمار الأجنبي على إلغاء “قوانين الاستثمار الأجنبي الثلاثة” في نفس الوقت من تاريخ نفاذها، فإنها تمهل الشركات ذات الاستثمار الأجنبي -التي تم إنشاؤها قبل القانون الجديد- فترة انتقالية بعد تطبيق القانون الجديد وهي خمس سنوات لتقوم بالتعديلات والتغييرات اللازمة بما يتوافق مع قانون الاستثمار الأجنبي الجديد.

وفي الوقت الذي تقوم فيه الصين بتقديم المزيد من التسهيلات والتشجيع للاستثمارات الأجنبية فإنها تقوم في الوقت ذاته بتقليص القائمة السلبية، وهي قائمة الأنشطة المحظور على الاستثمار الأجنبي الاستثمار فيها. إذ تعد القائمة السلبية جزءً مهماً لقياس درجة الانفتاح على الاستثمار الأجنبي، وغالباً ما يعكس طول القائمة السلبية درجة القيود المفروضة على الاستثمار الأجنبي في بلد ما. ففي السنوات السبع الماضية، التزمت الصين بمواكبة المعايير الدولية، للوصول إلى الاستثمار الأجنبي بشكل أكبر فقامت بالتقليص التدريجي للقائمة السلبية من 190 عنصراً أصلياً إلى القائمة الحالية لعام 2020م والمكونة من 33 عنصراً فقط، وهو ما يمثل 17.5٪ مقارنة بالقائمة السلبية لعام 2019، والتي تم من خلالها التركيز على توسيع نطاق الاستثمار الأجنبي في الزراعة وصناعة الخدمات والتصنيع وغيرها من المجالات. كما تم إلغاء بعض القيود المفروضة على بعض الأنشطة كنسبة المساهمة الأجنبية في شركات الأوراق المالية، وشركات إدارة صناديق الاستثمار في الأوراق المالية، وشركات العقود الآجلة، وشركات التأمين على الحياة وغيرها.

د. محمد عايض عسيري

أستاذ القانون التجاري الدولي المساعد

الرابط المختصر :

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.