منصة إعلامية عربية متخصصة فاعلة في مجال الاقتصاد بروافده المتعددة؛ بهدف نشر الثقافة الاقتصادية، وتقديم المعلومات والمصادر المعرفية السليمة التي تسهم في نشر الوعي الاقتصادي، ومساعدة أصحاب القرار في اتخاذ القرارات الصائبة التي تقود الاقتصاد نحو تنمية فاعلة ومستدامة.

الحرب الخفية على المعادن النادرة و”نفط المستقبل”

في سبتمبر 2010، اندلع خلاف بسيط في بحر الصين الشرقي بين خفر السواحل اليابانيين وسفينة صيد صينية، كانت تصطاد بشكل غير شرعي، وانتهى الحادث باعتقال الطاقم، لكنه فجر أزمة غير متوقعة: ردت بكين بتعليق صادرات المعادن النادرة إلى اليابان، وهي مواد أساسية في صناعة الإلكترونيات والسيارات والهواتف المحمولة.

فجأة، وجد ربع الاقتصاد الياباني نفسه مهددًا بالشلل؛ فهذا الحظر لم يكن مجرد عقوبة دبلوماسية، بل كان إعلانًا عن سلاح إستراتيجي جديد: المعادن النادرة كسلاح جيو- اقتصادي.

الصين تغرق الأسواق العالمية

منذ التسعينيات، أغرقت الصين الأسواق العالمية بهذه المعادن بأسعار زهيدة؛ ما دفع مناجم الولايات المتحدة وأوروبا إلى الإغلاق، كان في مقدمتها منجم ماونتن باس (كاليفورنيا) الذي كان الأكبر في العالم.

ولم تكتفِ بكين بالسيطرة على المناجم سريعًا؛ إذ أدركت أن القيمة الحقيقية تكمن في التكنولوجيا التي تحول هذه المعادن إلى منتجات إستراتيجية.

بكين تشتري أشهر مصنع أمريكي

ولهذا، اشترت شركة صينية في عام 1995، مصنع Magnequench بولاية إنديانا الأمريكية؛ حيث وافق الرئيس الأمريكي الأسبق بيل كلينتون، على بيع الشركة المتخصصة في صناعة مغناطيسات فائقة القوة تُستخدم في الصواريخ وأسلحة التوجيه الدقيقة؛ ما يعني انتقال جزء من ترسانة الجيش الأمريكي بسلاسة إلى أيدي الصين، ولكنه اليوم، تحول إلى متجر لرعاية الكلاب.

موظفون سابقون مذهولون من هذا الأمر، تحدثوا لأحد البرامج الوثائقية بقولهم: “كنا نصنع مغناطيسات تدخل في التلسكوب هابل، وأجهزة الكمبيوتر والصواريخ؛ أما الآن فإننا نصنع لعبًا للكلاب”.

خسارة إستراتيجية

في عام 2008، انتقدت هيلاري كلينتون هذه الخسارة، معتبرة أن أمريكا لم تفقد الوظائف فقط، بل أيضًا المعرفة التكنولوجية والملكية الفكرية، كما اعتبر خبراء الدفاع الأمريكيون، أن تلك الخسارة الإستراتيجية سمحت للصين بتطوير قدراتها العسكرية.

بعض المستشارين في الكونجرس الأمريكي وصفوا ما حدث بأنه “أزمة وفضيحة”. ولم يكن هذا القرار معزولًا، بل جاء في سياق فضائح سياسية؛ كان أبرزها ما عُرف بـ”تشاينا جيت”؛ حيث كُشف عن تمويل غير قانوني للحزب الديمقراطي من جهات صينية، كما أدت التحقيقات إلى إدانة 22 شخصًا، وأظهرت حجم النفوذ الصيني في قلب السياسة الأمريكية.

اعتماد أمريكا وأوروبا على الصين

وبينما كانت الصين تضع خطة طويلة الأمد، غرقت واشنطن في تقارير بيروقراطية بلا إستراتيجية واضحة؛ فكانت النتيجة أن أصبحت الولايات المتحدة وأوروبا تعتمدان على الصين لتأمين مواد تدخل في كل شيء: من الهواتف الذكية إلى الطائرات المقاتلة.

اليوم، لم تعد المعركة على المناجم فقط، بل على سلاسل التوريد الكاملة؛ فالصين تنتج أكثر من 80% من المعادن النادرة عالميًا، وتستحوذ على جزء كبير من الصناعات التحويلية المرتبطة بها.

رواسب المعادن الأرضية النادرة

ومن الدول التي تمتلك هذه المعادن النادرة، روسيا التي تمتلك كثيرًا من رواسب المعادن الأرضية النادرة، وتحاول استغلالها؛ حيث عرض الرئيس الروسي بوتين، على الولايات المتحدة فرصة التنقيب المشترك عن رواسب المعادن الأرضية النادرة في البلاد.

بالإضافة إلى توريد الألمنيوم إلى السوق المحلية الأمريكية، بموجب اتفاق اقتصادي مستقبلي، وذلك بعدما رفض الرئيس الأوكراني العرض الأمريكي، الذي كان يستهدف بيع مناجم المعادن إلى الولايات المتحدة، مقابل ديون سابقة وتسليح الجيش.

بالفعل، نجحت الصين في محاصرة التكنولوجيا العالمية، وظهر أن الحظر على اليابان عام 2010، كان مجرد جرس إنذار؛ إذ أثبتت بكين قدرتها على تعطيل اقتصادات كبرى بقرار واحد.

وقود حرب جديدة

وهكذا، تحولت المعادن النادرة إلى وقود حرب جديدة، حرب لا تُخاض بالدبابات، بل بالمناجم والمغناطيسات والرقائق الإلكترونية. حرب لها نتائج على مستويات متعددة؛ فمع إغلاق مصنع Magnequench في إنديانا، فقدت المدينة آلاف الوظائف.

وحذرت النقابات من أن الأمر لا يتعلق بمصنع واحد، بل بخسارة قطاع كامل من الصناعات المتقدمة. وخلال عقدين فقط، اختفت أكثر من 90% من الوظائف المرتبطة بصناعة المغناطيسات، ولم يتبق سوى شركة أمريكية صغيرة تعتمد بدورها على واردات صينية.

في المقابل، سيطرت بكين على أكثر من 80% من إنتاج المعادن النادرة عالميًا، وفرضت حصصًا وقيودًا على التصدير؛ ما أدى إلى نقص عالمي وارتفاع الأسعار، فيما أبقت السوق المحلية مزودة بأسعار منخفضة لصالح صناعاتها.

وادي السيليكون الصيني

رد الغرب بشكوى مطولة إلى منظمة التجارة العالمية، ولكن الضرر كان قد وقع بالفعل؛ إذ قدمت الصين مدينة باوتو كنموذج للنهضة الصناعية بفضل المعادن النادرة، وشيدت مصانع ومراكز أبحاث جعلت منها وادي السيليكون الصيني.

واللافت أن تقنيات الطاقة المتجددة نفسها – مثل التوربينات الهوائية والألواح الشمسية – تعتمد أساسًا على هذه المعادن الملوثة للبيئة؛ ما يعني أن السباق نحو مستقبل “أخضر” يقوم في الأصل على قاعدة ملوثة. والأسوأ أن الصين- رغم هيمنتها- تواجه خطر العجز عن تلبية احتياجاتها الداخلية المتزايدة.

معادن نادرة بالدول العربية

أمام هذا الواقع، ما زالت السوق بمنطقة الشرق الأوسط وإفريقيا في بداياتها، رغم تواجد عدد من المعادن النادرة في العالم العربي في كل من مصر والسعودية واليمن، ولكن لم يتم بعد استغلالها بكميات تجارية نظرًا لحاجتها إلى تكنولوجيا متقدمة للاستخراج والتكرير؛ وبالتالي استثمارات أجنبية من دول لها خبرتها في هذا المجال.

فرص اقتصادية كبيرة للدول العربية

لذا؛ يجب الانتباه الى ضرورة أن تكون الاستثمارات في هذه المعادن النادرة، وطنية وعربية خالصة؛ إذ تمثل هذه المعادن فرصًا اقتصادية كبيرة للدول العربية، خاصة في ظل زيادة الطلب العالمي، كما يجب ألا تسمح للدول الغربية والصين بالسيطرة عليها؛ لأنها ستصبح قريبًا جدًا جزءًا من “نفط المستقبل” الذي نحتاجه للاستمرار في ازدهار مجتمعاتنا العربية.

وأذكر بمقولة دينج شياو بينج؛ مفكر النهضة الصينية عام 1992: “إذ كان الشرق الأوسط يملك النفط؛ فإن الصين لديها المعادن النادرة”.

د.عاطف الشبراوي
خبير دولي في التنمية والاقتصاد الاجتماعي

الرابط المختصر :

التعليقات مغلقة.