كيف شكل شباب السعودية اقتصادًا جديدًا من شغفهم؟
في السنوات الأخيرة، تشهد السعودية تحولًا غير مسبوق اقتصادًا، ليس فقط على مستوى القطاعات الضخمة، بل في المساحات الشخصية أيضًا.
فالهوايات، التي كانت في السابق نشاطًا جانبيًا أو ترفيهيًا، أصبحت اليوم منصات فعلية لإطلاق مشروعات مبتكرة يقودها شباب وشابات، أسسوا اقتصادًا موازيًا نابضًا بالحياة والشغف.
من الرسم إلى البرمجة، ومن التصوير إلى الألعاب، أصبحت هذه الأنشطة طريقًا نحو الاستقلال المالي، بدعم رسمي وطلب مجتمعي متزايد.
من وقت فراغ إلى قيمة اقتصادية
في الثقافة التقليدية، كانت الهوايات تصنف على أنها “ترف وقت الفراغ”، تمارس بلا هدف ربحي. إلا أن التحول الثقافي الذي شهدته المملكة في العقد الأخير، وبشكل خاص بعد إطلاق رؤية السعودية 2030، أعاد تعريف المفاهيم.
بات ينظر للهوايات باعتبارها أدوات محتملة للإنتاج، والابتكار، وبناء الهوية.
وأكثر من ذلك، أصبحت الهوايات امتدادًا لرؤية وطنية أوسع تؤمن بأن الاقتصاد الحقيقي لا يبنى فقط على النفط أو الصناعة، بل على الإبداع الفردي، والتقنية، والمعرفة. وهنا جاءت القفزة الكبرى.
الدعم المؤسسي.. من التنظيم إلى التمكين
في عام 2021، أطلقت منصة “هاوي” ضمن مبادرات برنامج جودة الحياة، لتصبح البوابة الرسمية لكل شاب وشابة يرغبون بتحويل شغفهم إلى نشاط منظم. جمعت هذه المنصة بين الهواة والجهات الداعمة، وسهلت تأسيس النوادي وتسجيلها قانونيًا.
إلى جانب “هاوي”، ظهرت جهات داعمة أخرى مثل هيئة الفنون البصرية، ومعهد الفن التقليدي Wrth، والجمعية السعودية للفنون والثقافة، لتوفير التدريب والدورات والاحتضان المؤسسي.
مؤسسات جديدة لمجتمع جديد
اللافت أن السعودية لا تدعم الهوايات فقط على مستوى فردي، بل تبني لها إطارًا مؤسساتيًا كاملًا، بدءًا من تأسيس معاهد حكومية متخصصة، إلى دمج الأنشطة الإبداعية ضمن النظام التعليمي.
هذا التحول يعكس قناعة بأن الاقتصاد الإبداعي سيكون أحد أذرع النمو المستقبلي.
ثالثًا: البيانات لا تكذب.. أرقام تدعم الرواية
الشباب يقودون الاقتصاد الجديد
بحسب تقرير نشرته Arab News في يوليو 2025، فإن 38٪ من الشركات المسجلة حديثًا في السعودية يملكها شباب تتراوح أعمارهم بين 18 و35 عامًا. أما من حيث النشاط، فقد قادت قطاعات مثل:
- تطوير التطبيقات: نمو بنسبة 28٪.
- الذكاء الاصطناعي: نمو بنسبة 34٪.
- الألعاب الإلكترونية: نمو بنسبة 32٪.
- الإنتاج المرئي والموسيقي: نمو بنسبة 20٪.
هذه الأرقام تظهر كيف أصبحت الهوايات التقنية خاصةً طريقًا طبيعيًا لريادة الأعمال في السعودية.
من الاستوديو المنزلي إلى منصات العالم
بفضل انتشار الإنترنت وأدوات النشر الرقمي، أصبح من الممكن لأي شاب تحويل غرفة نومه إلى “مركز إنتاج” حرفيًا. المصورون، الرسامون، صانعو المحتوى، البودكاسترز، والمبرمجون باتوا قادرين على عرض أعمالهم وبيعها لجمهور محلي ودولي.
على سبيل المثال، نجح سعوديون في بناء قنوات على يوتيوب تحقق أرباحًا شهرية من الإعلانات والرعايات، كما أسس آخرون متاجر إلكترونية لبيع منتجات مصنوعة يدويًا أو رقمية، مستفيدين من منصات مثل سلة وزد وانستجرام.
الألعاب الإلكترونية.. هواية أم اقتصاد؟
يعد مجال الألعاب الإلكترونية واحدًا من أبرز المجالات التي تحولت من هواية إلى تجارة، ليس فقط من خلال اللعب والبثوث، بل عبر تطوير الألعاب، وتصميم الشخصيات، وحتى إنشاء فرق منافسة محترفة. ويدعم هذا التوجه الاتحاد السعودي للرياضات الإلكترونية الذي يحتضن الفرق، ويقيم البطولات، ويصدر المواهب.
من الفكرة إلى التأثير
الهوايات لم تترجم فقط إلى مشاريع ربحية، بل أيضًا إلى مبادرات اجتماعية لها أثر تنموي. على سبيل المثال، أطلقت شابات سعوديات مبادرات لإعادة تدوير الملابس، وأخرى لتعليم الأطفال البرمجة من خلال تطبيقات بسيطة.
بعض هذه المبادرات نال جوائز محلية ودولية وأصبح جزءًا من إستراتيجية تنموية للمجتمع.
إشادات دولية بنمو الاقتصاد الإبداعي السعودي
بحسب تقرير PwC، فإن المملكة تعد من أكثر دول الشرق الأوسط استعدادًا لقيادة سوق الاقتصاد الإبداعي، خصوصًا مع التحول الرقمي الواسع. ويشير التقرير إلى أن البيئة الريادية في السعودية تحسنت بوتيرة أسرع من غيرها، خصوصًا بفضل تقنين اللوائح، ومرونة التمويل، ودعم الابتكار.
كما يشير تقرير نشر عبر Springer Link إلى ازدياد “النوايا الريادية الخضراء” لدى طلاب الجامعات في السعودية، ما يعني أن فئة الشباب لم تعد تكتفي بالربح، بل تفكر في مشاريع ذات بعد بيئي وتنموي.
لماذا الآن؟ وما العوامل المحركة؟
- رؤية 2030 التي شجعت تنويع الاقتصاد والابتعاد عن الريع النفطي.
- توفر الإنترنت والتقنيات الحديثة وسهولة الوصول للمنصات الرقمية.
- تغيرات ثقافية جذرية دفعت الأسرة والمجتمع لتقبل فكرة أن الهواية قد تطعم.
- نمو الطلب الداخلي على المنتجات والخدمات المحلية ذات الطابع الشخصي.
رغم كل هذا الزخم، ما زال بعض الشباب يواجه صعوبات مثل:
- عدم وجود تمويل كافٍ في المراحل الأولى.
- صعوبة التفرغ الكامل للمشروع بسبب الالتزامات الدراسية أو العائلية.
- نقص الدعم التسويقي أو ضعف معرفة تسعير المنتج.
ومع ذلك، فإن التوجه العام يشير إلى أن هذه العقبات في طريقها للذوبان مع اتساع نطاق التمكين.
دروس من التجربة السعودية
تقدم تجربة الشباب السعودي مثالًا يحتذى في:
- دمج الشغف بالاقتصاد دون التضحية بالهوية.
- تحويل الفضاء الرقمي إلى سوق مفتوح.
- ابتكار نماذج عمل مرنة تناسب ظروف الجيل الجديد.
ما يحدث في السعودية اليوم ليس مجرد تحول اقتصادي، بل هو تحول فلسفي في طريقة النظر إلى العمل والهوية والنجاح. فجيل اليوم لا ينتظر وظيفة، بل يصنعها بنفسه من شغفه الخاص، ويطورها بدعم مؤسسي، ويصدرها إلى العالم.
التعليقات مغلقة.