منصة إعلامية عربية متخصصة فاعلة في مجال الاقتصاد بروافده المتعددة؛ بهدف نشر الثقافة الاقتصادية، وتقديم المعلومات والمصادر المعرفية السليمة التي تسهم في نشر الوعي الاقتصادي، ومساعدة أصحاب القرار في اتخاذ القرارات الصائبة التي تقود الاقتصاد نحو تنمية فاعلة ومستدامة.

«رأس المال الاجتماعي».. الثروة المهددة بالضياع

بينما ينشغل العالم بأخبار الحرب في فلسطين وأوكرانيا والخليج العربي، وردود فعل الأسواق المالية والبورصات وأسعار النفط، ثمة انهيار صامت يضرب جذور المجتمعات في العالم؛ انهيار لا نتحدث عنه، رغم كونه أشد فتكًا من الأزمات المذكورة، إنه تآكل “رأس المال الاجتماعي” بالمجتمعات.

يمثل “رأس المال الاجتماعي” مجموع الموارد والثقة والمعايير المشتركة الناتجة عن شبكات العلاقات الاجتماعية التي تسهل التعاون وتحقيق الأهداف المشتركة للأفراد والمجتمعات. ويعد محركًا للتنمية، ويقاس بمؤشرات؛ مثل: الثقة والتضامن والمشاركة الاجتماعية.

هذا المفهوم الذي يفترض أن يكون “المادة السحرية” التي تربط أواصر المجتمعات، بدأ يتحول في ظل الاستقطاب الحاد إلى “سمّ” يفكك النسيج الاجتماعي ويضعنا على حافة الهاوية.

الترابطي والتجسيري

وهناك نوعان من رأس المال الاجتماعي: “الترابطي” (Bonding) الذي يجمع الأشباه، و”التجسيري” (Bridging) الذي يربط المختلفين.

الكارثة التي نعيشها اليوم هي طغيان النوع الأول على الآخر؛ فهناك تزايد لغلق الأبواب على أنفسنا داخل فقاعات رقمية واجتماعية وطائفية وفئوية، لا نسمع فيها إلا صدى أصواتنا، محولين العلاقات الإنسانية إلى تتمترس داخل “خنادق” بدلًا من العبور من خلال “جسور”.

هذا الاستقطاب لم يتوقف في مستوى اختلاف في الرأي، بل بات تدميرًا لـ “الثقة العامة”، فالثقة في الآخر والشعور بالأمان معه، تعزز وتشجع على التعاون والتكافل وإقامة الشراكات، وتجنب المجتمعات الكثير من النزاعات.

 الالتفاف على القوانين

لذلك؛ يشكل “رأس مال الثقة الاجتماعي” عاملًا جوهريًا في التقدم الاقتصادي والسياسي. وحين لا يثق المواطن في مؤسسات الدولة، يلتف على قوانينها بكل الوسائل، وعندما يخشى الفرد نظيره، يستحيل تشكيل مجموعات مدنية متماسكة، عندها يثق الفرد فقط بـ “جماعته” أو “حزبه” أو “طائفته” وينظر للآخر كعدو وجودي؛ فينعدم التعاون، وتتعطل محركات التنمية، وتتحول الدولة إلى ساحة صراع صفري لا رابح فيه.

الاستقطاب

وقد حذر عالم النفس “مارك جرانوفيتر” من أن عزل النفس داخل الدوائر الضيقة يقتل الفرص. واليوم، نرى هذا التحذير يتجسد واقعًا؛ فالاستقطاب يقطع “الروابط الضعيفة” التي كانت تمدنا بالمعلومات والأفكار الجديدة من خارج محيطنا. والنتيجة، هي مجتمعات مصابة بـ “العقم الفكري”، تكرر أخطاءها، وتفتقر للمرونة اللازمة لمواجهة الأزمات العالمية.

بدلًا من أن يكون رأس المال الاجتماعي أداة للتمكين، تحول في المجتمعات المستقطبة إلى أداة لـ “الإقصاء الممنهج”. أصبح “من تعرف” هو المعيار للحصول على الحقوق؛ ما يولد شعورًا بالظلم الاجتماعي يغذي بدوره دورة العنف والاحتجاج.

حتى في مجال العطاء وأعمال الخير المؤثرة في المجتمعات، تبرز مخاطر الاستقطاب؛ إذ يشير تقرير “Giving USA” عام 2025 إلى أن المانحين أصبحوا أكثر انتقائية.

وبينما يُعد هذا إيجابيًا لضمان “الأثر”، إلا أنه قد يتحول إلى وسيلة لتمويل “الأجندات الضيقة” بدلًا من الصالح العام.

إقطاعيات خيرية

عندما يتجه المال الخيري لدعم فئة معينة دون غيرها بناءً على الولاء. فإننا لا نبني مجتمعًا، بل نبني “إقطاعيات خيرية” تعمق الانقسام بدلًا من مداواته.

وإذا تطور الأمر على مستوى المجتمعات؛ فسوف ينتج أجندات مجتمعية عنصرية؛ فالجماعات التي وضعت عنوانها “أمريكا أولًا” دفعت الحكومة لتجميد المساعدات التنموية. معلنةً أن أمريكا لن تمول في المستقبل سوى المشروعات التي من المؤكد أنّها تزيد من قوتها وتجعلها أكثر أمانًا وأكثر ثراءً، وبات الأمر وكأنه تحول في مجتمع بأكمله.

الجانب المظلم لرأس المال الاجتماعي

هذا الموقف لفت نظرنا إلى أن هناك جانبًا مظلمًا لرأس المال الاجتماعي، وهو أن فوائد الانتماء إلى شبكة رأس المال الاجتماعي غالبًا ما تكون غير متاحة لغير أعضائها؛ ما يدفع المستبعدين منها إلى الشعور بالاستياء والحسد والخوف. بل وحتى النفور من الأعضاء، خاصةً عندما لا يكونون أعضاءً في شبكات أخرى قادرة على منحهم الفوائد المحرومين منها؛ ما يمثل دافعًا للهجرة من الدول النامية إلى مجتمعات غنية بالفرص والنمو عبر رأس مالها الاجتماعي.

إن لانهيار رأس المال الاجتماعي التجسيري بين الأفراد عواقب وخيمة، تحول المجتمع إلى “جزر منعزلة”؛ ما يعني بيئة مثالية لنمو التطرف والشعبوية.

المساحات المشتركة

عندما تختفي المساحات المشتركة (النوادي، الساحات العامة، النقاشات المفتوحة) التي تحدث عنها “روبرت بوتنام”، يحل محلها “الغضب المنظم”. كما كتب محمد الميتمي؛ سفير اليمن في الصين: “إن أخطر ما خلفته الحرب في اليمن ليس حجم الخراب المادي، بل الشرخ العميق في العلاقات الاجتماعية والتهتك في النسيج الاجتماعي الذي يمس جوهر فكرة العيش المشترك؛ فالدولة يمكن بناؤها من جديد، أما الثقة فيصعب إحياؤها إذا ماتت”.

الجفاء الاجتماعي

والعواقب ليست مجرد “جفاء اجتماعي”، بل هي شلل مؤسساتي كامل؛ فالدولة لا يمكنها إدارة اقتصاد ناجح في بيئة يسودها التخوين والتصادم؛ كون تكلفة “عدم الثقة” باهظة جدًا؛ إذ تعني مزيدًا من الرقابة والقوانين الزاجرة والإنفاق على الأمن، وكلها موارد تسحب من جيب التعليم والصحة والابتكار.

نظام رفاه اجتماعي شامل

وتذكر التقارير أن النرويج والسويد تتصدران عالميًا في مستويات الثقة المرتفعة بالحكومة والمؤسسات العامة، وهو ما يرتبط بنظام رفاه اجتماعي شامل تموله نسب ضرائب هي الأعلى عالميًا (تتجاوز 40-50 % كإجمالي اقتطاع وضريبة قيمة مضافة). وهي معادلة تقوم على الشفافية المطلقة، وجودة الخدمات العامة والمساءلة؛ ما يجعل المواطنين يتقبلون العبء الضريبي المرتفع.

إننا نقف أمام مفترق طرق: إما مواصلة الاستثمار في “رأس مال اجتماعي إقصائي” يؤدي حتمًا إلى الانفجار. وإما البدء فورًا في ترميم الجسور مع “المختلف” والتعلم منه، والاندماج على عام أكثر انفتاحًا.

تنمية رأس المال الاجتماعي

ويذكرني مثال مبدع وضعه بنك “جرامين” في بنجلاديش حول ترسيخ التشابك وتنمية رأس المال الاجتماعي كجزء من تمكين الفقراء؛ حيث يقدم القروض من دون ضمان ولا كفالة، بعد تقسيم المقترضين إلى مجموعات، كل مجموعة مشكلة من خمسة أفراد (ليسوا من عائلة واحدة)، يتضامنون معًا، على خمسة قروض، يدفع بعضهم البعض للالتزام بالدفع، بل ويجبر البنك عشرات المجموعات للحضور مرتين في الشهر لاجتماع في مكان عام لدفع الأقساط والتشابك وتبادل الخبرات والعلاقات.

هذه التجربة سمحت لحوالي عشرة ملايين سيدة من تكوين رأس مال اجتماعي كاف دفعها للخروج من الفقر، وهي تجربة يمكن تطبيقها في مجالات مختلفة لإعادة بناء رأس المال الاجتماعي المنهار في مجتمعاتنا.

د. عاطف الشبراوي

خبير دولي في التنمية والابتكار

 

 

 

 

الرابط المختصر :
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.