أثر المسؤولية المجتمعية على التمويل المستدام بالسعودية
في ظل مساعي المملكة العربية السعودية لتحقيق التنمية الشاملة والمستدامة وفق رؤية 2030، برز دور المسؤولية المجتمعية للشركات والمؤسسات كأداة حيوية تسهم في الارتقاء بالاقتصاد الوطني، وتعزيز الثقة بين المؤسسات والمجتمع، فضلًا عن دعم النمو طويل الأجل، ليس فقط في البعد الاجتماعي والبيئي، بل في المجال الاقتصادي والتمويلي.
وتلعب المسؤولية المجتمعية CSR في السعودية دورًا محوريًا في تعزيز حجم التمويل المستدام؛ ببناء ثقة المستثمرين، وتحسين الممارسات الحوكمة، وتوجيه الاستثمار نحو مشاريع ذات أثر اجتماعي وبيئي.
ومن خلال هذا التكامل بين CSR والتمويل المستدام، تعزز المملكة موقعها كوجهة جاذبة للاستثمارات المسؤولة، وتدعم مسيرة التنمية وفق رؤية 2030.
المسؤولية المجتمعية في السعودية
تشير المسؤولية المجتمعية إلى التزام المؤسسات تجاه المجتمع، بما في ذلك: المبادرات البيئية، والاجتماعية، والحوكمة التي تسهم في تحسين جودة حياة المجتمع وتعزز الاستدامة.
تُعد هذه المبادرات جزءًا من إستراتيجية التنمية الوطنية ودعامة أساسية لتحقيق أهداف رؤية 2030، لما لها من أثر اقتصادي بالغ؛ حيث تدمج المؤسسات المالية السعودية؛ مثل البنوك الكبرى، المسؤولية المجتمعية في إستراتيجياتها؛ من خلال برامج دعم التعليم، والصحة، والبيئة، والمشاركة في المبادرات الوطنية التي تخدم المجتمع والاقتصاد.
التمويل المستدام
التمويل المستدام Sustainable Finance هو توجيه الموارد المالية نحو أنشطة ومشاريع تحقق تأثيرًا إيجابيًا بيئيًا واجتماعيًا واقتصاديًا إلى جانب العائد المالي؛ وهو ما تحرص عليه السعودية؛ من خلال الاستثمار في المشاريع البيئية كالتمويل الأخضر، وتمويل الشركات التي تلتزم بمبادئ البيئة والحكم الرشيد، فضلًا عن التوسع في أدوات الدين المستدام؛ مثل السندات، والصكوك الخضراء.
وقد أعلنت المؤسسات السعودية، وعلى رأسها صندوق الاستثمارات العامة السعودي عن خطط لإصدار سندات خضراء لدعم مشاريع مستدامة تتوافق مع الأهداف الوطنية في خفض الانبعاثات.
علاقة تكاملية
تتسم العلاقة بين المسؤولية المجتمعية والتمويل المستدام بأنها علاقة تكاملية؛ وهو ما يتمثل فيما يلي:
- تعزيز الثقة والاستقرار المؤسسي:
تكسب الشركات التي تلتزم بمبادرات المسؤولية المجتمعية، ثقة المستثمرين والمجتمع؛ ما يرفع من قدرتها على جذب التمويل، خصوصًا من المستثمرين الباحثين عن الاستقرار والمسؤولية البيئية والاجتماعية. - تحسين التصنيف المالي والمخاطر:
غالبًا ما تتمتع الشركات التي تطبق معايير الاستدامة والمسؤولية المجتمعية بتصنيفات مخاطر أقل؛ ما ينعكس إيجابيًا على تكلفة التمويل وجاذبيته. - جذب التمويل الأخضر والمستدام:
تُصبح الشركات أكثر جدارة في الحصول على أدوات التمويل المستدام (مثل السندات الخضراء)؛ لأنها تتماشى مع المعايير الدولية للحوكمة البيئية والاجتماعية؛ ما يؤدي إلى زيادة حجم التمويل الموجه نحو مشاريع ذات أثر اجتماعي وبيئي إيجابي. - تحفيز الابتكار المالي:
تشجع المسؤولية المجتمعية تبني نماذج تمويل مبتكرة؛ مثل الشراكات بين القطاعين العام والخاص، والتمويل القائم على النتائج الاجتماعية (Social Impact Bonds)، ومنتجات مالية مستدامة تلبي تطلعات المستثمرين اليوم.
تطبيقات عملية
تبنت البنوك السعودية الكبرى برامج مسؤولة اجتماعيًا تستهدف تمكين المجتمع، ونشر الوعي المالي، ودعم مبادرات ريادية في القطاعات المختلفة؛ منها ما يلي:
- البنك الأهلي السعودي: وضع إطارًا للتمويل المستدام وربط مبادرات CSR بإستراتيجياته التشغيلية.
- بنك الرياض: دمج الحوكمة البيئية والاجتماعية ضمن برنامجه للمسؤولية المجتمعية؛ كمبادرات خضراء وتمويلات تدعم الاستدامة.
التحديات
رغم إيجابيات المسؤولية المجتمعية، فإنها تواجه في السعودية تحديات أبرزها:
- قياس الأثر الحقيقي للمبادرات وربطها بنتائج مالية مباشرة.
- الحاجة إلى نظم إفصاح وبيانات معيارية تعتمدها المؤسسات لإظهار ممارسات الاستدامة بوضوح.
- تطوير حوافز تشجع الشركات الصغيرة والمتوسطة على تبني المسؤولية المجتمعية بشكل أوسع.
الفرص
تشمل الفرص المتاحة:
- تنامي الطلب العالمي على التمويل الأخضر.
- دعم حكومي وتوجيهات مؤسسية تدمج المسؤولية المجتمعية في استراتيجيات الأعمال.
- زيادة الوعي بين المستثمرين حول الفوائد الاقتصادية لربط التمويل بالاستدامة.
وتؤكد الدراسات العلمية وجود تأثير كبير للمسؤولية المجتمعية على أبعاد التنمية المستدامة المختلفة، بما في ذلك البعد المالي؛ إذ لوحظ ثمة ارتباط إيجابي بين المسؤولية المجتمعية وتحقيق الأهداف البيئية والاجتماعية في القطاعات الصناعية السعودية.
د.إيهاب إسماعيل أحمد
أستاذ مساعد إحصاء بجامعة باشن أمريكا
مستشار التحليل الإحصائي ودراسة الجدوى