كورونا ومفهوم اليقظة الاقتصادية

0 141

تدفع ظروف أزمة الاقتصاد العالمي بعد تفشي وباء كورونا، إلى ضرورة استشراف آفاق المستقبل والتفكير الجدي في “صناعة الغد” بمنهجية عمل تعتمد على التقاط الإشارات على آفاق عام 2030 وتحليلها علميًا بما يسمح باقتناص فرص النمو الكامنة في قدرات الاقتصاد الطبيعية والبشرية والمالية، وإجراء تعديلات جذرية في منظومة التفكير الاقتصادي، وفق ما يُسمَّى بـ”استراتيجية اليقظة الاقتصادية والمالية” لرسم السياسات النقدية والجبائية والمنظومة البنكية، ووضع القطاع الخاص، وسد الفراغات في الهيكل الإنتاجي، وتطوير منظومة الإقراض البنكي.

اضطراب التشريعات

كثير من البلدان النامية لا تعاني من أزمة مالية؛ لارتفاع معدلات الادخار الوطني فيها، لكن جوهر المشكلة معاناتها من ضعف أو انعدام الرؤية، وعدم استقرار القوانين، واضطراب التشريعات؛ للبدء في تحويل الادخار الوطني إلى استثمارات حقيقية مباشرة؛ ما يعني ضرورة تطبيق مفهوم “اليقظة الاقتصادية” كنشاط استشرافي، وإنشاء هيئات متخصصة في مجالات الإحصاء والمعلومات والتحليل الاقتصادي والاستنباط الدقيق للنتائج وتحويلها إلى خطط متكاملة وبرامج عمل تفصيلية تتناسب مع حجم ما تراءى من تحديات مستقبلية.

 السوق الموازية

ويجب أن يستند مثل هذا النشاط إلى عمل حكومي متناسق، يُحشد له الدعم المادي والمالي والبشري الكفيل بتحقيق أهداف الارتقاء في سلم الامتياز العلمي والمناخ التنافسي والسياسات الاجتماعية، شريطة سيطرة الدولة أولًا على السوق الموازية، وإعادة توجيه سوق العمل والعمالة نحو الأنشطة المنتجة للثروات والخدمات، وضبط منظومة التعليم المهني.

تفرض اليقظة الاقتصادية على المسؤولين، النظرة الكلية لطبيعة تكوين الهيكل الإنتاجي ومواقع الإنتاج لضمان حشد الإمكانيات الحقيقية وتوزيعها الجغرافي لتقدير قابلية أقاليم الدولة لعملية الإدماج في صلب اليقظة الاقتصادية، وفي تشكيل الجبهة المفضلة لجلب الاستثمارات ودخول الأسواق الإقليمية؛ وهو ما يتطلب تضافر خلاصة الدراسات المتخصصة والأبحاث بما يخدم أهداف النشاط التجاري من حيث المبيعات والمشتريات والسياسات المالية والنقدية.

وذلك يعني محاولة فهم ما يريده العميل وبحث كيفية تطوير فكر الشراء، وإطلاق علم التسوق الذي يعنى بدراسة الآليات السيكولوجية التحليلية لسلوك الزبائن والمشترين؛ إذ دفعت سهولة الشراء عبر الإنترنت- على مدى 24 ساعة- إلى إدمان التسوق، وصارت المخازن التجارية تشكل مستهلكين جددًا وتستقطب مستهلكين عملاء لطرف آخر.

 الذكاء الاجتماعي

لم يأتِ ذلك إلا نتيجة لأسلوب متابعة ومراقبة سلوك المتسوقين الذي يعتمد على مستوى الذكاء الاجتماعي والحماس الذي يتمتع به المتابعون محليًا ودوليًا لمواكبة التحولات المستمرة والتقلبات المفاجئة للواقع الاقتصادي؛ ما أكسب المعلومة مكانتها كمورد استراتيجي لاسيما في الظروف الدولية المعقدة مثل التي تسودها عولمة الأسواق، وضغط المنافسة، وتحديات مواكبة التطور التكنولوجي، وآليات الاستجابة لمتطلبات الزبائن التي تتطلب برامج بحث وتطوير لتحسين تقديمها بأفضل طريقة وأسرع وقت.

ولإجادة تطبيق “اليقظة الاقتصادية”، يجب أن يكون للدولة شبكة علاقات اقتصادية تجارية ومالية واسعة وتمثيل كبير في المحافل الدولية بما يسمح لها بالرصد الشامل لنتائج الفعاليات الاقتصادية وجمع أكبر قدر من المعلومات حول مستجدات أحداث دولية معينة، والإلمام بطبيعة تطور العلاقات الدولية ومتابعة اتجاهات المعرفة التي تساعد في التقييم والتخطيط.

 بنك معلومات

واليقظة الاقتصادية، يجب أن تكون عملية إعلامية مستمرة، ومنظمة، وليست مؤقتة؛ فذلك ينفي عنها المفهوم الحقيقي لليقظة لكل ما يساعد على استغلال المعلومات الناتجة عن نشاط الرصد؛ وهو ما يتطلب إنشاء بنك معطيات خاص بالمعلومات المتعلقة بأرقام النشاط الاقتصادي، وتقييم إمكانيات توسعه، وتقدير آفاق تنويعه إلى مجالات أخرى، وكذلك المتعلقة بتقدير ما يمكن القيام به من جهود ذات طابع استباقي لمواجهة الانعكاسات الاقتصادية المباشرة وغير المباشرة لمختلف الأوبئة؛ مثل تتبع تفشي وباء كورونا وتأثيره على النشاط الاقتصادي، وإنشاء صندوق لدعم القطاعات المتضررة، وتحديد البدائل الاقتصادية والتجارية لتخفيف أثر إجراءات الحجر الصحي، واحتواء التداعيات السلبية للجائحة بعد تقييد حركة النقل البرية والبحرية والجوية، وقيام البنوك المركزية بتخفيض سعر الفائدة الرئيس حسب واقع كل دولة.

يصعب تفعيل تطبيق مفهوم اليقظة الاقتصادية في أي مؤسسة أو هيئة دون اتصال تنظيمي يعني بمسار تدفق المعلومات إلى إدارات العلاقات العامة والتسويق والإعلانات والإعلام الداخلي والخارجي وكل ما يتعلق بالتعامل المباشر وغير المباشر مع الجمهور.

والاتصال التنظيمي هو كل جوانب النشاط الهادف إلى بناء علاقات مع المحيط الخارجي للوقوف على التغييرات الطارئة لضمان استمرار نشاط المؤسسة في محيطها، وهو ما يقتضي وجود وسائل تواصل واتصال دائمة وحديثة مع الوزارات، والبرلمان، والبنك المركزي.

تشتد حاجة العمل الوطني دومًا إلى حسن استشراف المستقبل، والتخطيط له على أسس علمية وموضوعية، فكلما تحلت السلطات بقدرات اليقظة مبكرًا، تجنبت سلبيات المفاجآت الضارة التي غالبًا ما تشل التفكير، كما خففت أيضًا من وطأة الأزمات، ومكنت من احتواء انعكاساتها غير المتوقعة على باقي القطاعات.

    صبحة بغورة

إعلامية وأديبة جزائرية

الرابط المختصر :

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.