حرب العقول وعي غائب وثقافة مستلبة وإبداع مفقود

0 82

يرى بعض المفكرين والفلاسفة في سياق تأملاتهم في الحياة وفي الخليقة أن الكون يستعمل السبب  والنتيجة لكي يصل إلى غاية، وأن المادة التأملية في إطارعوالم التفكير والتدبر لا تعتبر الفهم هو التفكير وإنما تعتبره مهارة متطورة في الوعي، وعندما يراد تحقيق قفزة فكرية فحينها يتوحد السبب والنتيجة لتحقيق الغاية.

اقرأ أيضًا: صبحة بغورة تكتب.. عـالم المبيعات

حرب العقول

ويمكن أن يمر الإنسان بهذه الحالة عدة مرات في اليوم، فعندما ترى العين مثلا اللون الأحمر قد ينير هذا اللون في خلايا الدماغ إشارات بذات طريقة التوحد ولكنها لا تأمر خلايا الدماغ للوصول إلى الغاية وإنما قامت الخلايا بهذه المهمة تلقائيًا انسجامًا مع نمط التفكير، ولتبسيط الأمر فقد يكون تفسير نمط التفكير اللون الأحمر على أنه دم أو زهرة أو رايــة أو إنارة مثيرة في غرفة نوم.

اقرأ المزيد:التوازنات الاقتصادية..والتوافقات السياسية

يميل الاعتقاد أن إنسان ما قبل التاريخ كان فعلا متأملًا في واقعه، غارقًا فيما حوله من حقائق مثلما هو إنسان العصر الحالي، وكان مبهورًا بها لأنه كان يتمتعبالقدر الكافي من امتلاك ميزة القدرة على مراقبة الظواهر المختلفة وهي تتكشف حوله وتتغير وتتطور، والتطور أعطى كل مخلوق عالمه الخاص ووفر له بيئته التي تناسب بالضبط قدراته لفهمها، ويظل في اعتقاد أولئك المفكرين أن ثمة شيء يعلو كل الأشياء هو الذي يبقى بحاجة للتطور، إنها “الفجوة” التي تضعنا أمام الاختيار إما بقبول أن معنى الحياة هو كل شيء، أوالبحث عن المعنى الذي بإمكانه أن يناسب كل شخص لسد الفجوة لديه، وسيجد أن عوامل الكون مهيأة لدعم صدق إحساسه وحسن توجيه تفكيره وترشيد تصرفه وإجادة تأملاته لتفسير أسرار الكون وظواهره.

ولأن الإنسان ذاتي الوعي فإن المصير هو الوحدة أو التوجه المبنية في الدماغ وهي تماثل بالضبط القدرة على القراءة المبنية في دماغ الإنسان ما قبل التاريخ ، ومن المفروض مع انسداد الفجوة أن يجد الإنسان المعاصر نفسه يتوحد أي يكون متكيفًا ومتوافقًا مع أشكال الحياة من حوله سواء الأكثر تطورًا أو الأدنى مستوى من شكل حياته، ويعني العجز عن سد هذه الفجوة عدم بلوغ غاية الوحدة أو التوحد أو تحقيق المواكبة مع تطورات الكون.

 

كما يعني الانعزال عنه وعدم العيش انطلاقا من مستوى الوجود الخالصوبدون الارتباط بأي حدث في العالم، حينها سنكون بصدد نهاية الرحلة دون بلوغ غاية الحرية والفهم الشامل ، وسنكون أمام نقطة البداية لرحلة أخرى لم تسبق رؤيتها تفتح المجال واسعا لبداية حرب العقول.

تنطلق حرب العقول أساسًا من فرضية حرمان الفرد من إمكانية القيام بإنجازات معينة بطاقته الذاتية الكامنة فيه وبالتالي تقليص فرص اكتسابه المهاراتومنعها من التطور،أي حرمان الفرد من الفهم وعدم منحه فرصة تنمية وعيه، وعليه تبقى أنماط الدماغ التي من المفروض أنها تتغير وتتولد معها أحاسيس جديدة في حالة شلل وجمود ثم تأتي المرحلة التي تكون فيها الأمور مهيأة لاستقبال مدخلات معينة بغرض التحكم في توجيه سلوك الفرد وهي مرحلة سد الفجوة التي تعني أن مستوى الفهم أصبح أعمق من ذي قبل وأنه ليس على جبهة واحدة وإنما على مستوى الشخص بأكمله ذلك أنه عندما يؤدي عملًا فإنه في واقع الأمر يعبر عن مستوى فهمه له فقط؛ لأن لا  شيء يمكن أن يكون خارج نطاق الوعي.

عندما نبصر القدرة على التأثير في مجمل الواقع دفعة واحدة يكون ذلك حينها جوهر النهوض المشترك الاعتماد المتبادل، ولن يكون من المفيد في هذا المقام السماح بفتح المجال أمام  تنمية القدرة على التأثير إلى الحد الذي يمكن أن يؤدي الوصول إليه اكتشاف حقيقة  أنه يجب الإقبال على الحياة بحماس؛ لأن هذا الحماس يعبر عن حقيقة الجوهر ويطلق الطاقة الكامنة ويضع الفرد في حالة انسجام مع السنن الكونية.

وإذا  تخلي الفرد عن كل شيء من أجل تحقيق غاية معينة يسعى إليها ستتكشف نواقصه ونقاط ضعفه، والحماس هو الذي يكشف كل شيء، هذه الحقيقة التي لا مفر منها تثبط عزيمة الكثيرين الذين لا يحبون الجوانب السلبية في أنفسهم أو يخضعون ويستسلمون للترهيب من تلك السلبيات لدرجة انهم يمتنعون عن إبداء حماسهم معتقدين بأن حياتهم بذلك ستكون أكثر أمانا وربما تكون كذلك ولكن في الوقت نفسه يحدون كثيرًا من فهمهم لما تجلبه لهم الحياة، وبشكل عام توجد ثلاث مستويات من الالتزام.

ــ الدخول في وضع بالقدر الكافي فقط لمواجهة أول عقبة حقيقية، ويعني ذلك أن الطاقة محدودة ولا تسمح بمواجهة عدة عقبات سواء متزامنة او متوالية.

ــ الدخول في وضع بالقدر الكافي للتغلب على بعض العقبات سواء بعدد محدود أو بنفس درجة الشدة والتعقيد.

ــ الدخول في وضع للتغلب على جميع العقبات بطاقة غير محدودة وبمقدرة مرنة في كل الأحوال.

باستعمال هذا النموذج المتدرج يمكن التفكير في ما كان الفرد يريد أن يفعله بشكل جيد ثم تقييم مدى ما حققه كما يلي  :

ــ المستوى 1 :عدم الرضا عن ما تحقق، إذ لم تأت الأمور حسب المراد منها ، وتم فقدان الحماس وتثبيط العزيمة والشعور بالفشل.

ــ المستوى 2 : الرضا عن ما تم انجازه بشكل جيد ،والشعور بقيمة النجاح وبالقدرة على المواكبة.

ــ المستوى3 : الشعور بالنشوة من اتقان ما كان مقررا وبالرضا التام.

إن كل مستوى من الالتزام يعكس الفهم الذي لدى الفرد واستعداده لتحقيقه، والعارف بالطبيعة البشرية يفترض أن نشاطا واحدا يمكن التعامل معه بشكل منفصل، برغم أن الفرد كله يتأثر لأن شخصه كله جرى التعبير عنه، وحتى إذا ما جرى اختيار مهارة محدودة فان الاحساس الكامل بالذات سيتغير عندما ينجح بحماسه على عكس الفشل أو التراجع.

الاستعداد لإجراء للتحليل الدقيق لكوامن النفس في كل فرد هو الذي يفتح الباب إلى الفهم الكامل ، ففي هذا المجال تتم دراسة مقومات الهوية بكاملها وخصائصها وليس جزءًا منها وهذه هي الطريقة الطبيعية للتعامل مع أي وضع، وعندما يتم مسك جزء من النفس وتمنعه من التفاعل والمشاركة فإن ذلك يعني الحرمان من اكتشاف حقائق الحياة وأسرار الكائنات واختبارها، وبذلك يجري قمع طاقة الفرد ويتم منعه من فهم ما يحتاجه، وهنا يكمن جانب هام من مفهوم “سد الفجوة”.

الآن، وعلى ضوء توضيح المقصود من “سد الفجوة” ترانا أمام حقيقة العجز الفكري التي تبدو متجلية بعد دفن سراج الوعي المنير، وبعد السير وراء ممارسات متواطئة لا تنتج فكرًا بل مجرد نسقًا متماثلًا من السعار الإيديولوجي الذي فتح الباب أمام نمط تهييجي لثقافة غريبة تدخلت في صياغة الوعي واللاوعي ثم تولت للأسف مهمة سد الفجوة، والنتيجة أن ما من مسافة أصبحت تفصل المثقف عن شيء آخر أبعد من المسافة التي تفصله عن قضايا مجتمعة، وأن النخب صارت تعيد استهلاك مادة سبق وأن استهلكت كثيرًا من قبل فتخلت طواعية عن الثقافة كوسيلة فعالة في تثبيت التصورات والقيم والرؤى.

وأصبح الضباب يحول عن رؤية أوضح الأشياء بعد دفن القبس المضيء ثم ضياع الثقافة كنظام رمزي يحتضن شؤون التفكير ومجالات التعبير وظاهر الإبداع وتيه النخب عن ممارسة دورها كاملا بالصورة التي تمنحها الشرعية الكاملة في سياق حركة التحديث، بعدما اعتصب المجتمع بعمامة منعته من معرفة مبدعيه الحقيقيين ومن التقدير السليم لثروته البشرية التي يقاس تطور الأمم ونضجها بمدى قدرتها على استثمار عين ثروته التي لا تنفد والتي بدونها لن ير المجتمع الحياة الجديرة بقيمته ومكانته وتلك بداية الخسارة في حرب العقول.

صبحة بغورة

 

الرابط المختصر :
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.