السعودية ومصر والإمارات.. “بريكس بلس”

0

بناءً على اقتراح تقدمت به الصين لتوسعة دول “بريكس“، انضم إلى مشاورات “بريكس بلس” ممثلون عن السعودية ومصر والإمارات والأرجنتين وإندونيسيا وكازاخستان ونيجيريا والسنغال وتايلاند، وهي الدول التي تُعد أعضاء محتملين لدخول “بريكس”؛ وذلك من خلال اجتماع افتراضي جرى في 19 مايو الماضي، تحت عنوان “تعزيز دور الأسواق الناشئة والدول النامية في الحوكمة العالمية”؛ بهدف بحث انضمام الدول السالفة الذكر لتوسعة “بريكس”؛ لتصبح “بريكس بلس”.

بريكس
بريكس
ألوان الاقتصاد العشرة
بريكس بلس

يتفق أغلب الاقتصاديين على قاعدة هامة؛ وهي ” كلما زادت مساحة الدول الجغرافية، زادت حصتها في الحصول على الموارد الطبيعية المتنوعة والثروات الموجودة في باطن الأرض؛ من أجل لتحقيق التنمية الاقتصادية”، فإذا طبقنا ذلك على “بريكس”، سنجد أنه وسط هذا الزخم من التحولات الاقتصادية والسياسية التي يشهدها العالم حاليًا، تحاول الصين توسيع قاعدة بريكس الاقتصادية؛ بتوجيهها الدعوة إلى العديد من الدول؛ للانضمام إلى بريكس.

التمويل المستدام واستراتيجية صنع القرار

وهنا يبرز تساؤل مفاده: ما هو “بريكس”، وما أهميته، وما سبب دعوة الصين لهذه البلدان، وما فوائد الانضمام لهذا التكتل؟

 

مفهوم بريكس “BRICS

ظهر مصطلح “بريكس” لأول مرة عام 2001، في دراسة تحليلية بعنوان “بناء عالم اقتصادي أفضل بريك”، أجراها الاقتصادي “Jim Oneil”؛ الخبير الاقتصادي في بنك “جولدمان ساكس”؛ حيث صاغ مصطلح “بريك” لوصف الأسواق الناشئة؛ وهي الأحرف الأولى بالإنجليزية لأسماء الدول الأربعة المكونة له “البرازيل، روسيا، الهند، الصين، والتي تشكلت عام 2009، ثم انضمت إليها جنوب إفريقيا عام 2010لذا أُضيف حرف (S) لتصبح بريكس” BRICS ” Brazil , Russia , India , Chine , South Africa.

 

وكان الهدف من الدراسة هو تحديد الدول المحتمل توليها قيادة الاقتصاد العالمي مستقبلًا، مستهدفًا المستثمرين في المقام الأول؛ إذ أشار جيم أونيلفي تحليله إلى أن أنماط النمو العالمي تستلزم تعديل مجموعة الدول السبع ” “G7التي تضم “كندا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا واليابان والمملكة المتحدة والولايات المتحدة”، ولكنه لم يتوقع أن يكون لبحثه عواقب جيوسياسية بعد أن أصبح يمثل وصفًا لمشهد الاقتصاد العالمي، ومنظورًا لإعادة التوازن الجيوسياسي المفترض الذي سيتبع ذلك، كما أصبحت هذه الدراسة أحد أهم المراجع التي أشارت إلى تكتل “البريكس” ودوره في تحقيق نمو الاقتصاد العالمي.

أهمية بريكس

تُعد “بريكس”تكتُّلًا يواجه موقف الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوروبي؛ كونهما يعرقلان أي محاولات لتقاسم النفوذ الدولي، بما في ذلك التمثيل في المؤسسات الدولية؛ مثل الصندوق الدولي والبنك الدولي؛إذ يتعارض ذلك مع استراتيجيتها ومصالحها في العالم.

لذا، يسعى بريكس إلى تكوين نظام عالمي جديد متعدد القطبيّة، وتعزيز التّعاون الاقتصاديّ والسّياسيّ والثّقافيّ لتحقيق مصالح الدّول المشتركة، من خلال تشكيل نظام اقتصاديّ متعدّد الأقطاب، يكون مؤثّرًا في رسم السّياسة العالميّة الجديدة؛بتغيير هيكلة النظام الاقتصادي العالمي وبنيته التحتية، يستتبعه تغيير في موازين القوى الدولية.

 

ولأن الاقتصاد والسياسة وجهان لعملة واحدة، فإن العلاقات الاقتصادية بين الدول مدخل هام لتحقيق التعاون السياسي؛ لذا قام شكَّل “بريكس” مجموعة أنظمة، وأنشأ عدة مؤسسات؛ منها بنك جديد في شنغهاي بالصين باسم “بنك التّنمية الجديد”؛ ليكون بديلًا للبنك الدولي؛ وهو بنك متعدد الأقطاب-هدفه التخلص من هيمنة الدولار واليورو اللذين يعتمدهما صندوق النقد الدولي- برأسمال 100مليار دولار من احتياطي العملات التي تمتلكها بريكس؛ ما يُعد نظام أمان يتم اللجوء إليه في حالة الطوارئ، كما سيعود بالنفع على الدول الأعضاء.

 

كذلك، أنشأ “صندوق بريكس”؛ ليكون بديلًا لصندوق النقد الدّولي، يقدم علاجًا للتخلص من سيطرة الديون التي يؤسس لها البنك الدولي وصندوق النقد الدولي؛ وذلك خطوة أولى لإنشاء نّظام عالمي جديد؛ حيث تكون أسواق دول “بريكس” أكثر حرصًا على اجتذاب رؤوس الأموال العالميّة.

 

توسيع “بريكس”

اقترحت الصين توسيع “بريكس”؛ لأهمية التوقيت الحالي في تحوَّل التكتُّل من فكرة اقتصادية إلى ما هو أكبر من ذلك؛ حيث بات بمثابة تكتُّل سياسي في مواجهة الهيمنة العالمية أحادية الجانب من الولايات المتحدة وحلفائها الغربيين؛ وبالتالي، يحاول التكتُّل خلق نظام عالمي جديد؛ بالجمع بين دول ذات أهمية استراتيجية في قارات العالم المختلفة.

وتؤكد بكين على التمسك بالمشاورات المكثفة، والمساهمة والمنافع المشتركة، وتدعيم الانفتاح والشمول، ومعارضة الانغلاق والإقصاء، والدعوة إلى التمسك بقوة النظام الدولي وفي القلب منه الأمم المتحدة، ومعارضة تشكيل “تكتلات صغيرة”، وإجبار الدول الأخرى على اختيار طرف معين؛ حيث تعتزم بكين العمل على زيادة الاستثمار والتعاون في مجال التنمية، كما أنها تعلم جيدًا أن ضم كلٍ من مصر والسعودية والإمارات لهذا التكتل يضيف له قوة كبيرة، من حيث قوة التأثير في أسواق النفط والغاز العالمية، وقوة الموقع الاستراتيجي، فيمايسمح التكتل-في المقابل- لهذه الدول بالاستفادة اقتصاديًا واستثماريًا، ويصبح قوة مساندة للدول الأعضاء على إقليميًا ودوليًا.

بداية حقبة جديدة

ولاشك في أنَّ”بريكس بلس” سيؤثر في مختلف الجوانب الاقتصاديّة والسّياسيّة العالمية، وسيكون وجوده مؤشرًا حقيقيًا لبداية حقبة جديدة، ينتهي فيها النّظام العالميّ الحالي ذو القطب الأحادي، بزعامة الولايات المتّحدة الأمريكيّة وحلفائها، في الوقت الذي تعمل فيه الصّين وروسيا جاهدةً على مواجهة الولايات المتحدة اقتصاديًا وسياسيًا وعسكريًا، وهو ما سيظهر جليًا بعد ظهور الفشل الأمريكي بوضوح، وما يتعرض له العالم الآن من تضخم عالمي كبير،علاوة على أزمتي الغذاء والطاقة.

السعودية

تتمثل أهم الفوائد التي ستعود على السعودية من انضمامها لبريكس في مساعدتها على تحويلها إلى نظام اقتصادي قوي بمفهوم ومعايير حديثة تواكب التحديات الاقتصادية العالمية؛ كونها تتميز بموقع جغرافي هام بين ثلاث قارات، يدعمها لوجستيًا من أجل تفعيل هذا الحراك الاقتصادي، كما سيعود بالفائدة على المشاريع الناشئة والصغيرة والمتوسطة، ويخدم قطاع المشاريع الكبرى، فضلًا عن أن السعودية من أكبر مصدري النفط في العالم؛ ما يدعم أي حراك اقتصادي لها، ويجعلها محط أنظار العالم للتعاون والشراكة.

مصر

وتجني مصر من انضمامها لبريكس، فوائد اقتصادية وسياسية؛ أما الأولى فتكمن في دخولها مع الصين وروسيا في مجالات شراكة في مجالات الطاقة الشمسية وتصنيع السلاح، وجذب الصناعة الصينية لمصر، بإنشاء مركز لوجستي للصين في مصر، وتقليل حركة الاستيراد من الصين، وزيادة الصادرات المصرية، وأما الثانية فتكمن في تكوين شراكة دولية مع دول بريكس، مع كسب دولتين من الدول الخمس الأعضاء في مجلس الأمن؛ وهما الصين وروسيا.

 

الإمارات

تُعد الإمارات مركز التجارة بالشرق الأوسط؛ كونها سوقًا جاذبة لتكتل بريكس، كما تُعد دبي من أهم مراكز الأعمال الإقليمية؛ حيث تجذب رجال الأعمال والشركات من دول بريكس؛ إذ وصل عدد الشركات الصينية في الإمارات 4 آلاف شركة، و4 بنوك صينية رئيسة؛ مثل بنك الصين، والبنك الصناعي والتجاري الصيني، وبنك التعمير الصيني، وبنك الزراعة الصيني؛ حيث تغطي دول الشرق الأوسط وإفريقيا.

 

والإمارات هي ثاني أكبر شريك تجاري مع الصين، وأحد أكبر أسواق الصادرات الصينية، ورابع أكبر مورد لمنتجات النفط بين دول الخليج العربي؛ إذ سجل التبادل التجاري بين البلدين زيادة بنسبة 20% سنويًا على مدى السنوات العشر الماضية.

 

كذلك، سيزداد التعاون الاستراتيجي بين الإمارات والصين في التجارة والاستثمار والطاقة والبنية التحتية، بالتزامن مع التعديل والترقية التي تقوم بها الصين في هيكلة الصناعة المحلية، واستعداد الصين للمشاركة في عمليات إنشاء لمشاريع؛ مثل مشروع السكك الحديدية في الإمارات، إلى جانب موارد الطاقة المتجددة والنفط والغاز، وتصنيع المعدات والاتصالات والبنية التحتية.

د. إســـلام جـمـــال الـدين شــــوقي

خبير العلاقات الدولية والاقتصاد السياسي

 

الرابط المختصر :
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.