البصمات الاقتصادية في الحسابات السياسية ومنطق العلاقات الدولية

0 142

لاشك أن التحول الكبير الذي عرفه العالم بعد الحرب العالمية الثانية ،بتأسيس منظمة الأمم المتحدة، قد أوجد تطورًا نوعيًا هامًا في نوعية العلاقات الدولية، من حيث طبيعتها ومستوياتها ومحدداتها.

اقرأ أيضًا: صبحة بغورة تكتب.. عـالم المبيعات
العلاقات الدولية

وعلى الرغم من الطابع العالمي للمنظمة، إلا أنها أوجدت من المبادئ ما يرسم مستقبل وطبيعة العلاقات البينية بين الدول، ويضع أسسها التي تهدف في مجملها إلى ضمان عدم العودة للتهديد باستعمال القوة المسلحةن ولاندلاع الحروب مرة أخرى وذلك بالحث على ضرورة حل النزاعات بالحوار والطرق السلمية، وعن طريق وضع إجراءات الإجبار على احترامها.

اقرأ المزيد:التوازنات الاقتصادية..والتوافقات السياسية

تزامن تأكيد رغبة الدول في العيش بسلام وتوجهها بكامل قواها المادية والمالية والإبداعية لوضع أسس انطلاقة علمية وتكنولوجية عملاقة في جميع مجالات الحياة، مع صدور الميثاق العالمي لحقوق الإنسان، الذي عزز المنظومة العالمية لربط مسار عملية التطور المادي الحضاري بالرقي والسمو الإنساني من خلال جملة مفاهيم تحفظ للإنسان حقه الطبيعي في الوجود وحقه المشروع في الحياة بكل شرف وكرامة.

مما سبق يمكننا الوقوف على حقيقة أن ازدراء الحروب ورفض اللجوء إلى القوة لفض النزاعات بين الدول مبعثه الحرص على حياة الإنسان والحفاظ على حضارات الشعوب وتقدمها، لذلك كان كل ما يشكل اعتداًء أو تهديدًا للقيم والمبادئ الإنسانية العليا محل إدانة دولية متبوعة بعقوبات قد أقرها مسبقا المجتمع الدولي للتدليل على أنها تعكس إرادة جماعية، وأن ما تحمله من قسوة في مراحل لاحقة كعقوبة في حالة استمرار تعنت أي نظام وعدم انصياعه لدعوات السلم هي رسالة في حد ذاتها بأن حدتها يمكن أن تطالبعضها بشكل مباشر المصالح الأساسية والحيوية للشعبوهو ما يكسب العقوبات عمق طابعها العقابي والردعي.

يصبح مفهومًا أن كل موقف يصدر عن نظام ما يخالف الإرادة الدولية التواقة للعيش في أمن وسلام سيكون وبالًا حقيقيًا على المستقبل السياسي لهذا النظام وعلى مصالح شعبه والبلاد كلها، والسؤال الآن، لماذا لم تتوقف حماقات بعض الأنظمة طالما أنها لا تجهل ما ينتظرها من نتائج سيئة؟ أنه ببساطة المنطق المقلوب للحسابات السياسية في العلاقات الدولية الذي قد يصل حد فقدان القدرة على التقدير السليم لطبيعة الأمور، ومثل هذه الحالة مردها إلى أمرين: * أن يكون النظام مندفعا لذلك بإرادته ولأسباب ذاتية، انتقامية أو توسعية ودون دراية كافية لحقيقة ما ينتظره من عقوبات دولية.

أن يكون قد تم الإيقاع به في فخ معادلة أطماع سياسية لم يدرك نتائجها ولم يتبصر عواقبها وفي الحالتين الجرم قد وقع ومعه يستقر في عقيدة المجتمع الدولي ضرورة إدانته، إلا أن هذه الإدانة بالذات التي ستثور حولها الحسابات بين من سيتغاضى عنها أو يخفف من شدتها وبين من سيتصدى لها سينعكس أثر ذلك في صورة مواقف مختلفة بين الإدانة الصريحة أو التحفظ أو السكوت المعبر عن عدم الانزعاج، هذا على الرغم مما يبدو أنه من قبيل الوضوح التام بين الحق والباطل، بين الخطأ والصواب، بين الظالم والمظلوم.

والحقيقة أن قرار اختيار الوقوف إلى جانب أحد الطرفين يخضع لاعتبارات تتعلق بالمصالح وترتبط بالتحالفات القائمة التي تحيلنا إلى فرضية وجود مستوى عالي من التفهم للأمور، لكن الأسوأ أن يأتي في صورة اللجوء إلى محاولات التماس المبررات كمزاعم لتسويف دعاوي الإدانة وللمماطلة في إصدار قرار بها وفي كثير من الأحيان يقع التفاهم على نحو أقرب إلى التواطؤ المشين، وهذا التفاهم هو مربط الفرس في الموضوع لأنه ينم عن إصرار مسبق ونية مبيتة لتوجيه الأمور نحو وجهة مقصودة ولغاية محددة غالبًا ما تكون بعيدة عن الشرعية ومخالفة للقانون الدولي ولمواثيق منظمة الأمم المتحدة التي تنظم العلاقات بين كل الدول لما لها من خاصية العموم، أي لا استثناء في مخالفتها ،والتفاهم في مثل هذه المجالات يفترض وجود طرف أو أكثر يملك من القوة والصلاحيات والحقوق ما يمكنه من فرض الرأي الذي تتوافق مصلحته مع حليفه أو مع أطراف أخري استحضر ضعفها عبوديتها لمن يملك القوة والاستطاعة للانتصار لقضاياها.

منطق المصلحة الكامنة في الطرف الضعيف وراء سند الطرف القوي له، ومن دون وجود ما يمثل هذه المصلحة يصبح من العسير على الضعفاء نيل حقوقهم بسهولة وبشكل كامل بدون سند الأقوياء، والمفارقة أن على هذا المنطق استقرت الأوضاع الدولية دون تغيير منذ تأسيس منظمة الأمم المتحدةبمنح ما يسمى ” حق الفيتو” للدول الخمسة العظمى الدائمة العضوية في مجلس الأمن الدولي، الولايات المتحدة الأمريكية، روسيا ، الصين ، بريطانيا وفرنسا ،وهو حق يمنح لصاحبها الاعتراض على أي مشروع قانون أو لائحة أو توصية دولية تراها أي من هذه الدول الخمسة لا يتوافق مع مواقفها من قضية دولية ما أو يضر بمصلحة دولة حليفة لها وذلك مهما كان مستوى الإجماع الدولي عليها.

يفهم من هذا ضرورة أن تتبصر كل دولة من دول العالم ما لديها من الإمكانات الطبيعية ومقدرات القوة الاقتصادية التي تتمتع بها وأهمية موقعها الجيوـ سياسي من حيث اكتساب الوزن الدولي الذي يغري على إقامة علاقات تعاون معها، وعلى حسب أهمية وحجم المميزات التي تكسب الدولة أهميتها النسبية دوليا ومكانتها العالمية تتطور العلاقات طرديا حتى تبلغ أقصاها باتفاقيات الشراكة والتعاون الاستراتيجي والدفاع المشترك، وربما يبدو الأمر من قبيل “المقايضة” بالمصالح، مقايضة توفير الأمن وأسباب المنعة مقابل إمدادات الطاقة، ومقايضة التعاون الثنائي المثمر والمنتج للثروة مقابل الدعم السياسي، أو مقايضة نقل التكنولوجيا مقابل إقامة القواعد العسكرية ،ومقايضة القمح مقابل التبعية الثقافية، أو مقايضة رفع عدد السائحين مقابل التفكيك الجمركي لبعض الواردات، أو مقايضة منح مفتاح الحل السحري لأداء دور مميز وفعال في معالجة قضية دولية شائكة مقابل عدم الممانعة في لعب دور مؤثر في اختلاق أزمة، مظاهر المقايضات كثيرة ولكل منها أسرار خفية يمكن تصور بعضها من طبيعة مصلحة طرفي المقايضة وموضوعها.

على سبيل المثال عندما تغري دولة صناعية كبرى إحدى الدول النامية الصغيرة برفع أعداد السائحين القادمين نحوها مقابل إزالة الحواجز الجمركية عن بعض صادراتها إليها فهذا يعني أنه بهدف إعادة تنشيط الإنتاج في بعض القطاعات الصناعية أو لتصريف فائض كبير من المنتوجات والبضائع أصبح حجمه ينذر بالكساد، بمعنى تحقيق رواج سلعي وإعادة التنشيط الاقتصادي، أو أن يكون بهدف قطع الطريق أمام منتوجات دولة صناعية أخرى ، أو لوضعها في حالة تنافسية صعبة في أسواق الدول الصغيرة، ولا يخف لما لهذه السياسات من طابع عقابي، وعلى كل الأحوال فالدولة النامية الصغيرة لن ترى في حقيقة الأمر أي غضاضة بل سترى في ارتفاع السائحين إليها موردا إضافيا لخزانتها وشهادة ثقة عالية للمصداقية على استقرارها الداخلي ، ومن ثمة سيشكل كل هذا دعما سياسيا غير مباشر لنظام الحكم القائم.

لا مجال للمجاملات في العلاقات الدولية، هذه حقيقة مفهومة، وحتى ما يظهر منها على أنه كذلك هو مجرد سلوك دبلوماسي طبيعي تفرضه الأعراف الدولية والأصول الدبلوماسية في التعامل، فالتعبير عن منطق الحسابات تعنيه العبارات وليس صراخ صاحبها، إذ تكفي بضع كلمات بصوت هامس لتبليغ أقوى المعاني بل أشدها هولًا.

منطق الأشياء أن لا نزاع دون سبب، والنزاعات الدولية الحساسة كثيرا ما تكتسي طابعًا سياسيًا متشنجًا تعكسه تصريحات المسؤولين الحادة والمواقف المتشددة التي معها يعلو سقف المطالب على نحو يمثل في بعض الحالات تطرفا وعندا غير مسؤول لأنه يجهض آمال التوصل إلى تسوية سلمية وعادلة وعاجلة للنزاع.

كما تعتبر مغالاة شديدة يمكن أن تكون غير مبررة لأنها غالبا ما تقف حجر عثرة امام جهود البحث عن إمكانية حل أزمة بالطرق السلمية المبنية على الحوار السياسي التفاوضي الذي يمكن أن يفضي إلى تشكيل أرضية تفاهم مشتركة للتحضير لبلوغ حل تقبله كل الأطراف هذا من جهة.

ومن جهة أخرى فما من طابع سياسي لنزاع ما إلا ويخفي وراءه جوهره الحقيقي الذي يعبر عن وجود أزمة اقتصادية مبعثها أطماع في ثروات طبيعية يراد تأمين مصادرها لضمان احتكار الانتفاع منها والتزود بها ،أو إرادة التمركز بموقع جغرافي استراتيجي بري أو بحري للتمتع باستغلاله تجاريًا أو عسكريًا.

من السذاجة الاعتقاد بنشوب نزاع سياسي يعلن فيه أحد أطرافه بشكل واضح علاقة النزاع العضوية صراحة بمعطيات الاقتصادية، كما لا يعقل أبدا في عصرنا الحالي التوقع بحدوث هجمة عسكرية مباشرة لقوة أجنبية من أجل ذلك فقط، ولكن ” إحداث أزمة داخلية عميقة” هو عنوان السيناريوهات الجديدة كتضخيم ملف نشاط نووي في دولة ما بدعوى وجود تهديدات للأمن العالمي أو اختلاق فزاعة مما يسمى الإسلام السياسي المتطرف، أو لضرورة اتخاذ الحملة الدولية لمكافحة الإرهاب ذريعة للتدخل المباشر في شؤون الدول ، أو اختلاق جماعات مسلحة متمردة ذات مطالب انفصالية عن سيادة السلطة الوطنية القائمة تستدعي طلب المساعدة الخارجية فتكون الاستجابة حاضرة وفق ما يقتضيهالاتفاق المسبق، أو لحماية أقلية دينية او عرقية يتعرض وجودها لخطر الإبادة والتصفية الجسدية، أو بدعوى دعم حماية ثورة شعب ضد حكامه من مجازر متوقعة يرتكبها النظام، كلها كما هو ملاحظ حالات ذات أبعاد أمنية مثيرة لاهتمام الرأي العام الدولي وتشكل انشغالا حقيقيا للمجتمع الدولي لأنها تعكس قضايا تتعلق بمخالفة مواثيق الأمم المتحدةوتنبع من انتهاكات حقوق الإنسان ومن معارضتها لمبادئ الديمقراطية والحرية والعادلة التي أصبح المجتمع الدولي شديد الحساسية تجاه من يخترقها أو يتعمد تجاوزها ، وسكون المنطق المتبع في مثل هذه الحالات هو    “الاستغلال السياسي لدفع قضايا أمنية نحو حلولعسكرية لتحقيق أهداف اقتصادية”.

ليس عسيرًا على أي طرف أن يفعل ما يشاء ، حقًا كان أم باطلًا، ولن تعجزه الحيلة ليجد من ما يكفي من الأسباب لتبرير عمله، بل يستطيع أن يقوم بتسويقها لتحييد الخصوم، ولكن شدة تعقيد العلاقات الدولية نظرًا لاتساعها على المستوى الإقليمي والعالمي التي تعني مباشرة تشابك المصالح بين دول العالم وبلوغ معظمها مستوى الارتباط الحيوي المشترك تزيد في احتمالات التأثر التلقائي بتداعيات أي أزمة وبانعكاسات تطورات أحداثها الإيجابية أو السلبية حتى ولو وقعت في مناطق جغرافية بعيدة، لذلك فمفهوم المصير الإنساني المشترك يبقى الاعتبار الرئيسي الأولى بالاهتمام في علاقات الدول التي لا تقبل المغامرة بمصالحها الكبرى والتلاعب بالمكتسبات الحضارية للشعوب أو تجاوز روح التعاون المتكافئ والشراكة العادلة دون إجحاف والذي عليه سيكون الأساس في فهم منطق الحسابات السياسية في معالجة القضايا الدولية ، والأكيد في كل هذا ان قوة أي دولة من قوة اقتصادها.

صبحة بغورة

الرابط المختصر :
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.